Menu

الأهمية التاريخية والقانونية والأخلاقية والثقافية -التربوية لتوثيق المحرقة الصهيونية

نواف الزرو

في ضوء ذلك الكم الهائل من الوثائق والمعطيات الواردة، حول الجريمة الصهيونية المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني وضد أطفال ونساء فلسطين على نحو خاص، نؤكد أن المواجهة مع المشروع الصهيوني وجرائمه مفتوحة، وتحتاج إلى التوثيق والتأريخ كي تشكل لوائح اتهام ضد جنرالات وقادة الاحتلال، حينما يأتي يوم الحساب.

يقول أورن يفتاحئيل (أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة بن غوريون) أن "مشاهد القتل والدمار في غزة فظيعة" وأن "هذه الحرب استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفاً متشدداً ووحشياً يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد.. إسكات التاريخ يشكل أيضاً محواً للمكان الفلسطيني ومعه الحقوق السياسية الكاملة.. القائمة بمشروعيتها وليس بمنة من إسرائيل.. الغزو الإسرائيلي لغزة ليس فقط عملية لوقف الصواريخ، أو لتلميع شخصيات للانتخابات أو محاولة لترميم الردع. والغزو ليس فقط محاولة لإسقاط حكومة المشروع السياسي الفلسطيني، وليس مسعىً إمبريالياً (إسرائيلياً-أميركياً) للسيطرة، وإنما هو كل هذه الأمور، ولكنه أيضاً استمرار لاستراتيجية مديدة السنوات من إنكار ومحو وشطب أي ذكر لتاريخ هذا المكان في العصور الأخيرة، ومشروع المحو هذا ينخرط فيه الجميع تقريباً: السياسيون والفنانون ووسائل الإعلام والباحثون في الجامعات والمثقفون الإسرائيليون/ المشهد الإسرائيلي".

عجوز السياسة الإسرائيلية شمعون بيريز أحد رواد الاستيطان والبرنامج النووي الإسرائيلي، واصل تكرار مقولة غولدا مائير بأنه "لم يكن هناك شعب فلسطيني في ال 1967". ورأى بيريز أن تلك الحرب، شكلت محطة حاسمة ونقطة انطلاق لعهد جديد في الشرق الأوسط، كما أسست لأخطاء جسيمة ما تزال تأثيراتها مستمرة حتى اليوم، ولعب بيريز (المتوفي) دوراً محورياً في تعزيز القوة العسكرية الإسرائيلية، خلال السنوات التي سبقت الحرب، وقال لوكالة "فرانس برس" "قبل حرب الستة أيام، كان العالم يثني على إسرائيل والناس يذرفون الدموع عليها، لكن كل هذا تبدل بين ليلة وضحاها". وزعم أن "إسرائيل" التي بادرت إلى شن الحرب خشية التعرض لهجوم منسق تشنه جيوش عربية عليها، لم تكن تسعى أساساً لاحتلال أراض جديدة، وأضاف "لقد اتخذت الحكومة آنذاك القرار الصائب باقتراحها انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية مع مصر وسوريا لقاء السلام، فلم تكن هناك حدود مماثلة في ما يتعلق بالفلسطينيين، لأنه لم يكن هناك شعب فلسطيني".

ولذلك استناداً أيضاً إلى هذه الخلفية الإلغائية استخدمت دولة الاحتلال "استراتيجية الضاحية- أي التدمير الشامل ومحو البنية التحتية وما فوق الأرض عن وجه الأرض، على نمط ما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت في صيف/2006"، فلذلك ما ظهر بعد "وقف إطلاق النار" أن هناك" أحياء كاملة مدمرة ومحيت عن وجه الأرض على نحو وصفه شهود عيان: أنه لا يصدق أبداً...!"، واحصائيا وصل عدد المباني التي دمرت إلى نحو 225 ألف مبنى منها نحو خمسة آلاف دمرت تدميرا كليا! كما استخدم الاحتلال سياسة "الإبادة والمجازر الجماعية البشعة التي ارتقت الى مستوى ما بعد الجريمة... وإلى مستوى المحرقة الحقيقية"، فكان هناك "آلاف الشهداء والجرحى نحو نصفهم من الأطفال والنساء، وقد وصل العدد حتى أحدث احصاء إلى نحو 1500 شهيد منهم نحو 450 طفلًا و120 امرأة و130 مسناً"، وكان هناك "شهداء تحت الأنقاض ربما بالمئات"، يضاف إلى ذلك نحو ستة آلاف جريح نحو نصفهم أصيبوا باصابات متوسطة وحرجة، ناهيكم عن العدد الكبير من الاعاقات.

وكان هناك أن "أطلقت قوات الاحتلال الكلاب لنهش جثث الشهداء"، وكان هناك "عشرات العائلات المحتجزة في غرف صغيرة داخل المنازل" وكان هناك "الموت يترصد المواطنين في كل زاوية"، وكذلك كان هناك أن "فلسطين تشهد أضخم وأخطر عدوان حربي مجازري وأطول حصار في تاريخ الصراعات"، وكان هناك أن "بلدوزرات الاحتلال اخذت تعمل على إعادة رسم خريطة فلسطين من جديد "...ولكن...!

لقد أثقلت مشاهد القتل الجماعي المروع والتدمير الزلزالي التي ألحقتها آلة الحرب التدميرية الإسرائيلية مجدداً الذاكرة الفلسطينية... فهدير الطائرات والدبابات والجرافات داخل على امتداد مساحة القطاع لم يتوقف عن أهلها أبداً.. وعربدة الوحدات الخاصة وأصوات التفجيرات الإرهابية المبيتة وصواريخ المروحيات والاغتيالات باتت تطغي على كل شيء فيها.. والمعالم الحضارية التراثية التي كانت تتشابك لتصنع غزة هاشم بعبقها التاريخي، أخذت تتحول إلى مشاهد من الركام.. وإلى جزء من التاريخ.. فالاحتلال يستهدف دائماً، ليس فقط اقتراف المحارق والمجازر الدموية الجماعية، وإنما وهذا الأخطر، يستهدف عبر ذلك، محو تراث فلسطين بكاملها، بغية تصفية القضية بكافة عناوينها وملفاتها وحقوقها...! غير أن حسابات البيدر في المحرقة الإسرائيلية الأخيرة لم تأتٍ على قدر حسابات الحقل...

إذاً، ليست الأرض الفلسطينية وحدها هي التي يصول ويجول البلدوزر الصهيوني فيها اجتياحات وقتلاً ونسفاً وتدميراً واستيطاناً وبناءً للمزيد والمزيد من المستعمرات والجدران التي من شأنها في نهاية المطاف، إذا لم يتم تعطيل البلدوزر، أن تهود وتطوب فلسطين بالكامل لصالح المشروع الصهيوني، وإنما أيضاً ذكرى وذاكرة النكبة التي تتعرض لاجتياحات بلدوزرية تجريفية شرسة بمنتهى الخطورة الاستراتيجية.

كان موشيه ديان قال في مقابلة أجرتها معه مجلة "دير شبيغل" الألمانية في تشرين الاول 1971: "في تشرين الثاني عام 1947 رفض العرب قرار التقسيم (الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة) وفي عام 1949 (بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة) عادوا الى المطالبة بتنفيذه". و"في عام 1955 - والكلام لديان أيضاً كانت جميع الدول العربية المعنية ترفض اتفاقيات الهدنة، وبعد حرب حزيران 1967 عادوا إلى المطالبة بانسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران".

"ولن أفاجأ - يؤكد ديان - بعد حرب أخرى، تسيطر فيها إسرائيل على مناطق عربية جديدة في الأردن أو سوريا إذا ما طالبوا بالعودة إلى الحدود الحالية."

في الصميم والجوهر إنما يتحدث ديان عن حالة التفكك والعجز والاستخذاء العربي أولاً، ثم يتحدث عن ضعف الذاكرة العربية وحالة عدم الاكتراث واللامبالاة من جهة ثانية، بينما يمكننا أن نستشف من أقواله من جهة ثالثة: أن الصراع الحقيقي، ليس فقط على الأرض المحتلة والمغتصبة، وإنما أيضاً على الذاكرة والوعي الجمعي والثوابت القومية العربية.

يسعى البلدوزر دائماً بلا كلل أو ملل أو توقف أو استرخاء إلى التهويد الشامل للوطن المغتصب هناك - جغرافياً وسكانياً وحضارياً وتراثياً واقتصادياً - وذلك عبر التزييف الشامل لكل العناوين والملفات.. كما يعمل الى جانب كل ذلك من أجل تفريغ ذكرى النكبة من مضامينها وكذلك ذاكرة النكبة من كل معانيها ودلالاتها.. في الوقت الذي يشن هجوماً تجريفياً منسقاً واستراتيجياً على العقل والوعي الجمعي العربي المتعلق بالنكبة.. الذكرى والذاكرة..

في هذا السياق، لفت انتباهي وأثار ذهولي خبر قرأته في صحيفة هآرتس العبرية تحت عنوان: "لنكتب.. كي لا ننسى: حتى لو لم يكن هناك من يقرأ..؟" وجاء في الخبر: "أن مؤسسة يد فشيم اليهودية في القدس تتلقى وتصدر سنوياً 200 كتاب مذكرات شخصية ليهود عايشوا – على حد زعمهم- المحرقة/ الكارثة اليهودية"...! والغاية من هذه الكتب أنها توثق تفاصيل المحرقة والمعاناة اليهودية.

تصوروا... الأمور لدينا مقلوبة تماماً، حيث يقومون بتوثيق جرائم مزعومة ومشكوك بأمرها حتى بشهادات عدد كبير من المراجعين الأمريكان والأوروبيين... بينما نحن الذين نتعرض لأبشع الجرائم والانتهاكات في فلسطين و العراق وغيرها على يد الاحتلالات نطالب باقامة مراكز متخصصة لتوثيق جرائمهم...؟!

الحقيقة الكبيرة الساطعة اليوم أن هناك أهمية قصوى بالغة الإلحاحية لإنشاء مراكز متخصصة لتوثيق -على سبيل المثال – المحرقة، والمجازر الدموية وجرائم الحرب الصهيونية المستمرة بلا توقف ضد شعبنا العربي الفلسطيني، منذ دير ياسين إلى مخيم جنين وما بعد مخيم جنين وصولًا إلى "محرقة غزة". فالمشهد الماثل أمامنا في فلسطين منذ إقامة الدولة الصهيونية بالغ الوضوح:

* قتل مكثف للفلسطينيين دون تمييز عن سبق تخطيط ونوايا إجرامية مبيتة، وذلك عبر المجازر الدموية الجماعية والاغتيالات والإعدامات الميدانية المتصلة، دون هوادة، حيث لم ينج من المجازر الصهيونية لا المرأة أو الطفل ولا الشيخ او الشاب الفلسطيني.. فكل الفلسطينيين متهمون ومستهدفون وفي دائرة التصويب والقتل.

* تدمير وتهديم شامل للمدن والقرى والمخيمات والمنازل والأماكن المقدسة والآثار التاريخية والحضارية العربية في فلسطين وإن كانت التنظيمات الإرهابية الصهيونية، قد هدمت ودمرت ومسحت نحو 535 قرية فلسطينية خلال فترة النكبة، فإن سياسة التدمير والتهديم لم تتوقف أبداً منذ ذلك الوقت، وقد وصلت ذروة جديدة لها خلال حرب "السور الواقي" والاجتياحات والتدمير الأخيرة، وخاصة في مخيم جنين والبلدة القديمة من نابلس، لتصل الى ذروتها الإجرامية في غزة.

* ترحيل - ترانسفير- جماعي للفلسطينيين، حيث هجرت عصابات ودولة الاحتلال ثلثي الشعب الفلسطيني إلى خارج الوطن والبيت والأهل !وما تزال تلك الدولة تخطط وتبيت وتسعى إلى إجبار من تبقى من الفلسطينيين على الرحيل عن ارضهم وممتلكاتهم.

* العقوبات الجماعية، حيث تقترف دولة الاحتلال سياسة العقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني برمته، وتشمل تلك العقوبات شتى صنوف القمع والتنكيل والإذلال والتجويع والتعطيش والاعتقالات والمحاكمات والحصارات والأطواق والحواجز العسكرية، ومساحة هذه السياسات الإجرامية السافرة لا حدود لها.

* اغتصاب الأرض والممتلكات، إذ تواصل دولة الاحتلال سياسة اغتصاب الأرض والممتلكات العربية وتهويدها عبر بناء المستعمرات وتوطين الغزاة القادمين من أصقاع العالم بغير حق فيها.

* يضاف إلى كافة هذه الممارسات الإجرامية الصهيونية سياسة التمييز العنصري -الابرتهايدي- التي تمارس على نطاق واسع ضد المواطنين العرب في إطار "الدولة الصهيونية" نفسها، وهذه الممارسات العنصرية ترتقي إلى مستوى الجريمة في العرف الدولي...

فنحن كما هو واضح أمام منظومة ممنهجة مبرمجة مبيتة مع سبق التخطيط والقرار والاصرار من المحارق والمجازر الدموية وجرائم الحرب المتنوعة الشاملة البشعة، التي تنفذها دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد شعب وشجر وحجر وأرض فلسطين، بما يتعارض مع المواثيق والقوانين الدولية.

شهدنا في الآونة الأخيرة تطوراً دولياً جديداً يتمثل بإنشاء محكمة الجنايات الدولية، التي نحتاج نحن كشعب فلسطيني وأمة عربية الى حضور مكثف على مسرحها...

الحاجة تتزايد يوماً عن يوم ليس فقط إلى توثيق جرائم الحرب الصهيونية في فلسطين، بغية المطالبة بتقديم مقترفيها إلى محكمة الجنايات الدولية، وإنما بالأساس لأن هذه المهمة التوثيقية هي مهمة تاريخية وقانونية وأخلاقية وثقافية - تربوية - تعبوية لشعوبنا وأجيالنا الراهنة والقادمة أيضاً، ولأن هذه المهمة التوثيقية الملحة تنطوي على أهمية كبيرة أيضاً في سياق إعادة كتابة تاريخ الصراع استنادًا إلى الوثائق والحقائق والسردية التاريخية الحقيقية الموثقة.