Menu

التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية (الجزء السابع)

غازي الصوراني

(قراؤنا الأعزاء بدأنا من يوم السبت 11/2/2023، نشر وعلى أجزاء متلاحقة، آخر إصدار/كتاب؛ المفكر والباحث العربي الفلسطيني غازي الصوراني، الموسوم بعنوان: التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية. هذا الكتاب الهام والصادر في يناير من العام الحالي بعدد 228 صفحة، بحجم ورق من القطع المتوسط؛ نضعه بين أيدينا قراؤنا آملين أن تتم الاستفادة المرجوة منه في موضوعه المحدد وعلاقته المباشرة؛ بشعار/دعوة/مبادرة/ضرورة: "اعرف عدوك" وضرورة مواجهة تجسيداته العملية إلى جانب ما يسمى: راويته التاريخية..

نوجه شكرنا الكبير وتحياتنا العالية إلى الباحث والمفكر القدير غازي الصوراني، على جهده الفكري والمعرفي المتواصل، وعلى خصه بوابة الهدف بنشر كتابه على أجزاء عبر موقعها الإلكتروني).

 

 

التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية

(الجزء السابع)

غازي الصوراني

المشروع الوطني الفلسطيني:

يقوم المشروع الوطني الفلسطيني على إجماع الحركات السياسية الرئيسة وقوى المجتمع الفاعلة حول أربع ركائز أساسية هي التالية[1]:

  • الأهداف النهائية للنضال الوطني.
  • وسائل وأفعال النضال الوطني.
  • شرعية الممثل الوطني.
  • خصوصيات الوضع الفلسطيني ارتباطاً بحق تقرير المصير والعودة لشعبنا وحقوقه التاريخية في أرض وطنه.

وفي غياب الإجماع حول هذه الركائز الأربع، يغدو الحديث عن المشروع الوطني الفلسطيني شططًا من أحاديث الأولين.

 جدير ذكره في هذا الصدد -كما يقول د. سعيد زيداني-، بأن مثل هذا الإجماع الوطني كان قائمًا إلى حد بعيد حتى اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 1988، ذلك الاجتماع الذي تم التوافق فيه على إعلان قيام الدولة الفلسطينية على أساس قرار تقسيم فلسطين في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 1947.

 أما بعد ذلك، ومع مرور الزمن وتغير الأحوال، فقد أخذت ركائز هذا الإجماع تتزعزع وتنهار الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه الآن من حالة التشظي والتردي.

وبسبب هذا التشظي وهذا التردي أخذت تتعالى وتتناسل الأصوات المنادية في الآونة الأخيرة بضرورة إعادة بناء كل من الإجماع الوطني والمشروع الوطني الفلسطيني.

الأهداف النهائية للنضال الوطني الفلسطيني[2]:

ليس خافيًا على أحد أنه لا يوجد إجماع وطني حاليًا حول الأهداف النهائية للنضال الوطني الفلسطيني. فهناك من الفلسطينيين، أفرادًا وجماعات وأحزابًا، من ينادي جهرًا بحل الدولة الديمقراطية الواحدة .

وهناك من ينادي، في المقابل، بحل الدولتين من هذا النوع أو ذاك؛ وهناك من يقبل، ثالثًا، بحل الدولتين مرحليًا، وذلك دون التنازل عن حل الدولة الواحدة المراد كهدف نهائي للمدى البعيد ( حركة حماس ، مثلًا)؛ وهناك الحائرون بين هذا الهدف النهائي أو ذاك.

المسألة اليهودية والحل الصهيوني:

لقد كُتب الكثير عن الحركة الصهيونية منذ تسلمتها يد هرتزل، الصحفي النمساوي الذي كان له الفضل في تجميع خيوط العون الإمبريالي وغير الإمبريالي ووضعها جميعاً في خدمة الصهيونية، التي تحولت على يديه إلى حركة سياسية لها مؤسساتها التنظيمية والمالية والسياسية.

وقد كان من أكثر الأمور إثارة للالتباس حول الحركة الصهيونية، أنها تبلورت كحركة سياسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي بدأت تتبلور فيه كثير من الحركات القومية في أوروبا الشرقية بوجه خاص مثل دول البلقان الغربية ومثل ألمانيا وإيطاليا اللتين كانتا تقومان بمهمة التحرر القومي وتوحيد البلاد في الوقت نفسه، وكان هذا هو أساس اللبس أو التزوير التاريخي لنشأة الحركة الصهونية، المتمثل في تصديق الادعاء الصهيوني القائل بأن الحركة الصهيونية التي قادت ما يسمى بـ "حركة التحرر اليهودية" كانت حسب ذلك الادعاء جزءاً من تلك الحركات القومية التي كانت تتبلور في تلك الفترة .

ولم يكن هذا التزوير بلا أساس على أي حال، فقد كانت البرجوازية اليهودية هي التي تقوم بالدور الأساسي في تمويل وتسيير الحركة الصهيونية وتوجيه قادتها، فبدت وكأنها تقوم هنا أيضاً بقيادة حركة قومية شبيهة بالحركات الأوربية التي قادتها تلك البرجوازيات.

كما كانت هناك بعض الأسباب الثانوية لذلك الخلط، مثل علاقة زعماء الحركة الصهيونية ببعض قادة حركات التحرر في العالم، مثل علاقة هرتزل بغاريبالدي وعلاقة وايزمن بغاندي في مرحلة معينة.

لقد ساعدت كل هذه الأسباب وغيرها على حدوث ذلك اللبس حول ماهية الحركة الصهيونية، وهو لبس لا يزال له تأثير في بعض الأوساط اليسارية الأوروبية والأمريكية حتى الآن.

وبالطبع فإن من المهم التصدي لهذا الموضوع لإزالة هذا اللبس، فكل أوجه تشابه الحركة الصهيونية مع حركات التحرر تقوم على مستوى الشكل، لكنها تصل إلى نقاط افتراق كبيرة واختلاف جوهري عن تلك الحركات عند الغوص في العمق لاكتناه الحقيقة، فالبرجوازية اليهودية الكبيرة هي التي دعمت ومولت الحركة الصهيونية، لكن ذلك لم يكن ضمن عملية تهدف إلى "تحرر اليهود" بقدر ما كان استثماراً من جانبها للمحنة التي تعرض لها هؤلاء في مشروع اغتصابي استيطاني، كان بدوره جزءاً من مجموعة مشاريع مماثلة في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. وقد قامت بتمويل هذه المشاريع باعتبارها جزءاً من البرجوازية الأوروبية مسيحية ويهودية، كنوع من حل لأزمتها، وليس بهدف "التحرر".

وقد لاحظ الدكتور عبد الوهاب المسيري، عن حق، أن الدعوات الصهيونية لإعادة اليهود إلى فلسطين كانت تتوجه على الدوام إلى كبار رجال المال والسياسة في الدول الأوروبية الاستعمارية. وكان نموذجياً ضمن هذا الإطار أن يتوجه "هرتزل" في دعوته الصهيونية إلى رجل المال الفرنسي اليهودي روتشيلد، فجاء عنوان كتاب هرتزل الأساسي "دولة لليهود": نداء إلى عائلة روتشيلد".

أما ما يسمى باليسار الصهيوني الذي كانت تشوب بعض كتاباته رطانة ماركسية يسارية، فقد كان جزءاً أساسياً من الحركة الصهيونية بنفس ارتباطاتها البرجوازية، إذ أن فصائل اليسار الماركسي الفلسطينية وكافة أحزاب اليسار الماركسي في الوطن العربي- على قناعة موضوعية بالحقيقة التي تؤكد أن على الماركسي الثوري المنتمي للديانة اليهودية، لا يمكنه القبول بالمشاركة في عضوية المنظمة الصهيونية، ولن يقبل أن يكون مشاركاً في اغتصاب فلسطين ، وبالتالي يرفض بصورة قاطعة الإقامة في إسرائيل، انطلاقاً من الاقتناع بالموقف المبدئي بأن مكان الماركسي الثوري اليهودي هو بالتحديد خارج الدولة الصهيونية، ومناضلاً ضد أهدافها، وضد اغتصاب فلسطين، ومع حق الفلسطينيين في الحرية والعودة وتقرير المصير وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية لكافة سكانها.

ولكن على الرغم من أن قيام "الدولة اليهودية" قد أدخل عنصراً جديداً أخل بمجمل المعادلات الأساسية في المنطقة إلا أنه لا يغير من جوهر الصهيونية، التي رأيناها تتطور من أفكار دينية غامضة برزت وانتشرت من تبلور الفكر البرجوازي الأوروبي ثم تحولت إلى فكر استغلالي استعماري، ثم إلى حركة سياسية استعمارية غايتها الاستيطان في فلسطين ، لا من أجل تخليص اليهود من عذاباتهم ، بل من أجل أن تكون قلعة للإمبريالية تحول دون تهديد مصالحها في استغلال ثروات الشعوب العربية والإسهام في استمرار تبعية وتخلف بلدانها، واحتجاز تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي كضمانة وحيدة لحماية المصالح الإمبريالية ، عبر أنظمة عربية فقدت في معظمها وعيها الوطني والقومي بعد أن أقدمت على الاعتراف بمشروعية دولة العدو الإسرائيلي ، وأصبحت جزءاً من التحالف الإمبريالي المعادي لأهداف وتطلعات الشعوب العربية صوب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، وهنا بالضبط تتجلى بوضوح الرؤية الموضوعية الثورية للصراع مع العدو الصهيوني وحليفه الإمبريالي ، كصراع عربي من خلال الانطلاق مجدداً من ضرورة النضال القومي الذي يعني العلاقة الجدلية والعضوية بين القضية الفلسطينية والقضية القومية العربية، بمثل ما يعني وحدة البرنامج القومي، التحرري الديمقراطي، الهادف إلى تحقيق نهضة شعوبنا وتقدمها ، الأمر الذي يفرض على كافة قوى اليسار الماركسي القومي العربي ، التفكير جدياً في إعادة احياء الفكرة التوحيدية القومية المترابطة تاريخياً ومصيرياً بالمسألة الفلسطينية، وما يتطلبه ذلك من تفعيل عملية التغيير الوطني الديمقراطي في إطار تجديد المشروع النهضوي القومي المقاوم، شرط الانطلاق بداية من رؤية ثورية واقعية جديدة لحركة التحرر القومي باعتبارها ضرورة تاريخية تقتضيها تناقضات المجتمع العربي الحديث وضرورات تطوره المستقبلي.

وهنا بالضبط فإن من واجبنا – في إطار القوى الثورية الماركسية - أن نركز على صحة تحليلنا للطبيعة الاستيطانية الاغتصابية العنصرية للكيان الصهيوني، إلى جانب تركيزنا على طبيعة المخطط الأميركي في المنطقة، لأن أهمية الكيان الصهيوني للإمبريالية العالمية تنبع من كونه جزءا لا يتجزأ من منظومة القوى الإمبريالية. إنه ليس مجرد أداة في يديها، وإنما هو جزء يمثلها في قلب المنطقة العربية وامتداد حقيقي عضوي لها. وهو يحقق أهداف الإمبريالية في منطقتنا بتحقيق مشروعه الاستعماري الصهيوني الخاص، ومن ذلك تنبع قوته وضرورته للنظام الإمبريالي العالمي، وبالتالي فإن السؤال المطروح ما هي العملية النقيض لذلك كله؟ إن الإجابات على هذا السؤال تنبع ضروريا من التحليل المذكور أعلاه، فلا يكفي أن نجابه الاختراق الصهيوني لمؤسساتنا الاقتصادية والتربوية والإعلامية، مع أن ذلك ضروري جدا، وإنما علينا أيضا أن ندعوا إلى ضرورة توعية وتنظيم الجماهير الشعبية العربية (عبر الفصائل اليسارية في البلدان العربية) وذلك لمجابهة أنظمة التطبيع والعمالة، ومجابهة المخططات الصهيونية / الامبريالية، ومجابهة جميع أشكال التفتيت القومي من قطر ية وطائفية ومناطقية وإقليمية وعشائرية، وأن نعمل على إحياء قيم النضال والتحرير والاستقلال القومي والإنتاج المترابط والمقاومة الشعبية.

علينا أيضاً أن نعمل على إعادة تنظيم صفوف المقاومة الشعبية من اجل طرد المحتل الصهيوني من بلادنا، إلى جانب نضالنا السياسي الديمقراطي ضد الانقسام وضد اشكال الفساد والتبعية والاستغلال، وأن نسعى مع كافة قوى اليسار العربي، إلى إعادة بناء الذات القومية على أسس تنموية حديثة وبناء الذاكرة التاريخية القومية. وينبغي أن تكون نقطة البدء رفضنا القاطع لأي نوع من الاعتراف بشرعية الغاصب الصهيوني وأي تنازل عن أي شبر من الأرض العربية، فالهزيمة لا تكمن في المعاناة والاحتلال والدمار بقدر ما تكمن في مثل هذا الاعتراف.

ولكن علينا التأكيد دوماً على البديهية السياسية في أن القضية الفلسطينية بدأت بالنكبة عام 1948، وبإجراءات الاستعمار الصهيوني الاستيطاني العنصري، ولا يزال منطق اغتصاب فلسطين وأفعالها قائمين وراهنين، وأن اعتبار أن القضية الفلسطينية بدأت مع هزيمة حزيران عام 1967 لن يكون في مصلحة القضية الفلسطينية، ما يعني تفعيل النضال وكافة اشكال الضغط السياسي من اجل انهاء الانقسام واستعادة وحدتنا الوطنية التعددية من اجل احياء وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة جميع القوى، لكي تعود المنظمة المرجعية السياسية الوحيدة لشعبنا، الحاملة لمشروع التحرر الوطني الديمقراطي الفلسطيني.

ففي ظل الانحطاط والتبعية لأنظمة الكومبرادور في بلادنا في هذه المرحلة؛ بات هذا الوضع يمثل أخطر ما واجهته بلداننا في تاريخها الحديث، لأنه التحدي الشامل للأمة العربية؛ فالصهيونية في ظل الانحطاط والتطبيع العربي انتقلت من التصور والتخطيط إلى التنفيذ، حيث تَبدّى أن الاختراق الصهيوني يتخطى كل الحواجز، ليحاول أن يصل إلى تغيير المقومات الحضارية والقومية للعرب، على النحو الذي يكرس دوام تبعيتهم وتخلفهم وتشرذمهم.

لقد بدأت "إسرائيل" كمشروع صهيوني أساسي للإمبريالية، كقاعدة رئيسية لبسط هيمنتها على المنطقة العربية وحماية مصالحها الأساسية فيها، ومن ثم لكبح تحقيق اهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة من ناحية، ولكبح وإعاقة نهوض حركة التحرر الوطني العربية من ناحية ثانية.

لكن هذه المهمة لم تكن لتنفي أطماع "إسرائيل" هي نفسها في السيطرة على المنطقة العربية، حيث واتتها الفرصة في حرب يونيو / حزيران، التي خرجت منها إسرائيل وقد احتلت كامل أراضي فلسطين، ومرتفعات الجولان السورية، وشبه جزيرة سيناء المصرية.

وفيما بعد حرب أكتوبر / تشرين أخذت "إسرائيل" تتهيأ للقيام بدور جديد داخل المنطقة، لم تعد تقتصر على كونها قاعدة – بالوكالة – للاحتكارات الدولية ولتوسع رأس المال الصهيوني وامتدادهما المتمثل في الشركات المتعددة الجنسية، بل صارت تعبر عن حاجات تطور الاقتصاد الإسرائيلي نفسه، داخل المنطقة العربية. إن نمو الصناعة الإسرائيلية صار يتطلع إلى تحطيم حواجز العزلة والانطلاق إلى أسواق تشكل له مجالًا طبيعيًا هي بالدرجة الأولى الأسواق العربية، ولقد تجسد هذا التطور أخيرًا في إطار عملية الاعتراف والتطبيع العربي الذي حقق أطماع "إسرائيل" في السيطرة الاقتصادية على المنطقة العربية، وطموح رأسمالها في المشاركة المباشرة في نهب الثروات العربية عن طريق الحصول على نصيبها هي الأخرى من الأموال العربية والنفط العربي.

ليست دولة العدو الاسرائيلي إذاً دولة طبيعية كغيرها من الدول في هذا العالم، وما العلاقات الطبيعية الوحيدة الممكنة بين إسرائيل والعرب سوى علاقات الصراع الذي لا يقبل المصالحة بين قطبيه ونحن على ثقة في أنه من هذا الصراع، لا بد من أن تنتصر الشعوب العربية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني؛ شرط امتلاك المقومات الحضارية المادية والسياسية عبر النضال السياسي من منظور طبقي ثوري لتغيير أنظمة العمالة والتبعية الكومبرادورية في بلادنا، بما يمكننا من توفير الإمكانيات وعناصر القوة المطلوبة لمجابهة الاستعمار الصهيوني القائم على الاغتصاب والعنصرية، في سياق أبشع أنماط الصراع الكولونيالي.

وعلى هذا الطريق النضالي، فإن النقد الجاد الكامل والصريح للتجربة الماضية، هو نقطة البداية صوب تجدد الوعي الوطني والقومي التقدمي الثوري في أوساط كافة فصائل وأحزاب حركة التحرر العربية، إلى جانب إعادة صياغة أهداف الثورة التحررية الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية، وممارستها على أساس علمي، بعد أن توضحت طبيعة الطريق المسدود الذي وصلته الأنظمة العربية، وانتهت إليه مسيرة هذه الحركة؛ بسبب أزمة فصائلها وأحزابها عمومًا، وأزمة قياداتها خصوصًا التي عجزت عن توعية وتثقيف وتنظيم وتعبئة قواعدها وكوادرها لكي تنجز مهامها التاريخية؛ إذ أن هذه الأوضاع القيادية المأزومة، التي جعلت بلدان الوطن العربي، في المرحلة التاريخية المعاصرة، من أقل مناطق العالم؛ إنتاجًا للعمل الديمقراطي الثوري الطويل النفس القادر على حماية نفسه، والمنتج في المدى الطويل لتحولات سياسية ومجتمعية نوعية، ودائمة ومطردة التطور على هذه البقعة أو تلك من الأراضي العربية.

فالصراع بيننا وبين الصهيونية ليس صراعًا بين أديان أو أجناس أو عقائد، وإنما هو -وفق المنظور الوطني والقومي الماركسي- صراع عربي جماهيري ضد التحالف والوجود الإمبريالي الصهيوني وحلفاؤه؛ أنظمة التبعية والتطبيع والعمالة، تلك هي حقيقة الصراع الموضوعية على الرغم من الوضع العربي المنحط الراهن؛ إذ أن الكيان الصهيوني لن يصبح جزءًا من نسيج المنطقة العربية وسيظل كيانًا مغتصبًا عنصريًا وعدوانيًا في خدمة المصالح الإمبريالية الأمريكية، ما يعني ضرورة التمسك بهذه الرؤية على الرغم من أحوال الضعف والتشرذم والتفكك والانتهازية التي أصابت أحزاب وفصائل حركة التحرر العربية من جهة، وعلى الرغم من أن "دولة" الكيان الصهيوني بدعم إمبريالي، استجمعت كل مصدر من مصادر القوة وسخّرت لأغراضها وأطماعها كل مركز نفوذ لها في أنحاء العالم، وفي مثل هذه الأوضاع، فإننا -في أحزاب اليسار العربي- لن نفوز على أطماع الصهيونية والقوى الإمبريالية؛ إلا بقدر ما نحقق من مكاسب نهضوية ديمقراطية وثورية: سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية وثقافية في ميادين كفاحنا في خضم الصراع الطبقي داخل بلداننا عبر مواصلة توعية الجماهير وتحريضها وتنظيمها؛ تمهيدًا لمراكمة عوامل نضوج الثورات الشعبية الهادفة إلى إسقاط أنظمة الخضوع والعمالة والتطبيع والتخلف وتحقيق برامج الثورة الوطنية الديمقراطية بقيادة أحزاب الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء في كل أقطارنا العربية برؤية قومية ديمقراطية تقدمية واضحة، أي إننا سننتصر بقدر ما يكون نضالنا نضالًا ثوريًا تقدميًا عربيًا مشتركًا، ونضالًا ذاتيًا في سبيل الإنشاء القومي والتجدد الحضاري.

وبإيجاز كلي أقول "أن عملية التحرير الوطني هي، في مفهومها النظري، عملية تحويل ثوري لعلاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة بعلاقة تبعيتها البنيوية بالإمبريالية؛ فالقطع مع الإمبريالية والاستقلال عنها يقضيان بضرورة تحويل هذه العلاقات من الإنتاج التي هي في البلد المستعمر؛ القاعدة المادية لديمومة السيطرة الإمبريالية، فلا سبيل إلى تحرر وطني فعلي من الامبريالية إلا بقطع لعلاقة التبعية البنيوية بها هو بالضرورة تحويل لعلاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة في ارتباطها التبعي بنظام الانتاج الرأسمالي العالمي"، وبهذا المعنى وجب القول أن سيرورة التحرر الوطني في المجتمعات التي كانت مستعمرة، أعني في المجتمعات الكولونيالية، هي سيرورة الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.

في ضوء كل ما تقدم، وارتباطًا بموضوعنا حول مفهوم التحرر الوطني؛ نستنتج بوضوح أن الماركسية تسلط الضوء على جذر المشكلة، وجذر المشكلة في مشرق ومغرب وطننا العربي هو هيمنة الصهيوإمبريالية وعملائها حكام أنظمة الكومبرادور، على مقدرات شعوبنا العربية وحرمان الجماهير الكادحة والمهمشة من هذه الموارد وثمارها.

ذلك أن نظر الماركسية إلى الصراع الطبقي ينطلق من أنه "أمر موضوعي"؛ ينتج عن الوجود الموضوعي للاستغلال الناتج عن تحكم الرأسمال. وكان ماركس يبحث في وضع نشوء الصناعة في أوروبا، وكيف أن الرأسمالي يستغل "قوة عمل" العامل من أجل إنتاج فائض قيمة، وهو يزيد في استغلاله من أجل الحصول على الحد الأقصى من هذا الفائض، وهذا ما يجعل العامل يعيش في وضع صعب، حيث الفقر والاستغلال نتيجة العمل الطويل، هو الذي يدفعه إلى التذمر، ومن ثم الاحتجاج، والإضراب، إلى أن ينفجر في ثورة.

وعليه، فإن أي حديث عن "الإمبريالية" و"التحرر الوطني"، والاستقلال، دون التفات إلى توعية وتنظيم الجماهير الشعبية التي تعاني الفقر والبطالة والقهر، ودون معرفة بأن الوطني مبني على الطبقي وليس العكس هو نوع من العجز والقصور؛ ذلك إن مواجهة الإمبريالية، وتحقيق "التحرر الوطني" والاستقلال، تتم فقط في مواجهة النظم التي تمثّل رأسمالية كومبرادورية تترابط وتتداخل مع الإمبريالية، وهي التي تكرّس التبعية. وهنا نعود إلى ماركس، وأساسية الصراع الطبقي، فهو الذي يمثل التناقض الرئيسي الذي يجب حسمه.

لذا يتوجب على اليسار الماركسي الثوري في مغرب ومشرق الوطن العربي، القيام بالمراجعة العميقة للتجربة الماضية، واستخلاص الدروس والعبر وإجراء التجديد والتغيير اللازم، وبلورة إطار ديمقراطي تقدمي متكامل يتناسب مع هويته وخبراته ومرجعياته، وهذه المراجعة لا بد أن يشارك بها مختلف المهتمين بالفكر اليساري من المؤسسات والشخصيات الوطنية، علاوة على تمثيل أبناء الجماهير الشعبية الفقيرة في قيادة التيار / الإطار الديمقراطي التقدمي المقترح.

إلى جانب المراجعة، أشير إلى أن استمرار الانقسام وفشل الجهود لإنهائه، ومواصلة الحكم الانفرادي لحركة حماس في قطاع غزة، وكذلك تزايد دور العشائر واستخدام العنف لحل الخلافات ساهم في ظل ضعف السلطة والقضاء، إلى المزيد من عوامل التفكك السياسي والمجتمعي، ما يعني -من وجهة نظري الموضوعية- أن حركة حماس تورطت حين أقامت سلطة تحت الاحتلال مهمتها متابعة الاشراف والتنفيذ على كافة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والقانونية في القطاع، إلى جانب مهمتها في تأمين الكهرباء وحفظ الأمن وإدارة المواصلات، وتأمين عملية الاستيراد والتصدير وفرض الرسوم وتحصيل الضرائب وفتح المعابر، والعمل على تخفيف البطالة عبر تشغيل العمال لدى العدو الصهيوني، وفي نفس الوقت ترفع شعار الكفاح المسلح، متناسية أنها حركة تحرر وطني وليست سلطة تتعاطى بصورة اضطرارية -بصور مباشرة او غير مباشرة- مع مؤسسات العدو الصهيوني لمتابعة العديد من القضايا، إلى جانب بعض قضايا تسجيل المواليد وقضايا اقتصادية وغير ذلك من القضايا عبر وسطاء مصريين أو قطريين وغيرهم، ما يؤكد على أن حماس تورطت وغرقت في قضايا الاقتصاد والصحة والتعليم والطرق والأراضي والعمال والبطالة والتشغيل والأسر الفقيرة.. إلخ.

هنا ، استذكر لقائي بدعوة من الأخ خالد مشعل في بيته مع الرفيق ماهر الطاهر قبل أكثر من 13 عام، وسؤاله لي عن رأيي في وصول حماس للسلطة في غزة، وكان جوابي: "أن الحالة التي وصلتم فيها إلى السلطة في غزة نقيضة لكل مبادئ التحرر الوطني، وكان من المفروض أن لا تلجأ حماس إلى استلام سلطة تشبه بشكل أو بآخر سلطة الحكم الذاتي التي تؤكدون رفضكم لها"، وكان رد الأخ أبو الوليد مفاجئاً لي وللرفيق ماهر حينما قال بالحرف الواحد: "اقسم لك يا اخي أبو جمال أنني كنت رافضاً أن يتولى الاخوة في قيادة حماس للسلطة في غزة، إلا أنهم اقنعوني بأن ضرورة مجابهة الفساد قد فرضت علينا ذلك".

أما فيما يتعلق بالوضع الراهن وشعار "حل الدولتين"، علينا ان ندرك ان بديل حل الدولتين - في ظروف الانحطاط العربي والانقسام الفلسطيني الراهنة - لن يكون سوى استمرار العدو الصهيوني في عمليه التوسع الاستيطاني ، الى جانب المسألة الاكثر خطورة وهي ، ان يقوم العدو بضم اجزاء هامه من المنطقة (ج) في الضفة الغربية ، الى جانب حرص العدو على بقاء سلطة فلسطينية منقوصة السيادة ، او تأسيس سلطه تشبه روابط القوى مع تزايد الممارسات العدوانية العنصرية الصهيونية في اطار سياسه الابارتهايد وبالتالي امكانيه الغرق في مستنقع "حل الدولة الواحدة " .

في ضوء ذلك، من المفيد المراجعة الموضوعية الهادئة للمرحلة التاريخية الطويلة التي عاشتها قيادة منظمه التحرير لكي تتوصل - عبر اوسلو - الى ان يصبح حل الدولتين مقبولا على الصعيد الدولي، رغم رفضنا لاتفاق اوسلو ونتائجه وما تلاه من ممارسات ، ورفعنا بالمقابل شعار الدولة الفلسطينية المستقلة كامله السيادة  وعاصمتها القدس ، كحل مرحلي ، لا يلغي حقوق شعبنا التاريخية في وطنه فلسطين .

السؤال هنا: هل نحن - كقوى ماركسية ثورية فلسطينية -اليوم - ومعنا كافة القوى الوطنية الفلسطينية - في اوضاع عربيه ودوليه متقدمة، مناصره لقضيتنا، تمكننا من رفض حل الدولتين، أم أن امكانيه تزايد عوامل العزلة السياسية ضدنا، على المستوى العربي عموما، وعلى مستوى م. ت. ف. خصوصا، رغم إدراك الجميع ان الفصائل اليسارية الثورية هي الأكثر حرصاً على استعاده م.ت.ف لدورها ومواثيقها وتمثيلها الوطني الوحدوي الديمقراطي للجميع؟... الجواب: مهما كلف الأمر، نستمر في الثبات على موقفنا تجاه حقوق شعبنا التاريخية في كل فلسطين كما حددها مؤتمرنا الوطني الثامن، دون رفض حل الدولتين إذا جاء ضمن التأكيد على دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض المحتلة 1967 وعاصمتها القدس.

هنا، لابد من مواصلة النضال بفعالية تنظيمية سياسية وشعبية جماهيرية على كافة المحاور التي حددها مؤتمرنا الوطني الثامن، مع التركيز على محورين هامين:

 الأول: التمسك بقضية الأرض ضد كل اشكال الاستيطان والضم الى جانب القدس عاصمة لفلسطين.

 والثاني: تفعيل النضال التحرري ضد الوجود الصهيوني، وضد كل اشكال ومظاهر العنصرية والاحتلال، وضد إقامة سلطة منقوصة السيادة على ان يتوازى كل ذلك مع النشاط النضالي الديمقراطي الفعال دون هوادة لإنهاء الانقسام واستعاده وحدة م.ت.ف والتأكيد على الالتزام بمبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية كضمانة رئيسية توفر عوامل صمود أبناء شعبنا ومواصلة مسيرته النضالية.

وفي هذا السياق اشير أيضاً، الى ان خيانة الأنظمة العربية وتواطئها مع الاستعمار والصهيونية ومن ثم هزيمه العرب والنكبة 1948 كان عاملا رئيسا لدى المفكرين القوميين العرب امثال الحصري وزريق ومحمد دروزه، ولدى عدد من الشباب الفلسطيني الثوري لإعلان التزامهم بالرؤية التحررية القومية، ومن ثم اعلان تأسيس حركه القوميين العرب لتفعيل النضال -مع القوى الثورية العربية- ضد أنظمة العمالة واسقاطها، ومن ثم الاسهام في بناء انظمه ثوريه قادره على مواجهه الكيان الصهيوني وازالته وذلك انطلاقا من ايمان قياده الحركة عموماً والرفيق المؤسس جورج حبش   خصوصاً، ان الصراع هو عربي صهيوني بالدرجة الاولى وفي طليعته شعبنا الفلسطيني.

هنا بالضبط أدعوا الرفاق في فصائل اليسار الفلسطيني للتفكير مجددا -عبر الحوار الهادئ المعمق- بدعوة الرفاق في فصائل وأحزاب اليسار الماركسي إلى المبادرة لمناقشة فكرة تأسيس "منتدى الفكر الاشتراكي العربي" في فلسطين وكافة العواصم العربية بالتنسيق والتوافق مع الأحزاب اليسارية في مغرب ومشرق الوطن، بحيث يكون هذا المنتدى إطاراً ثقافياً تقدمياً يعبر عن استراتيجية وأفكار تلك الفصائل وكافة أحزاب اليسار العربي، ومنطلقاتها وبرامجها السياسية، ويجسد تلك الاستراتيجية والأفكار والبرامج بصورة عملية عبر لقاءات ثقافية / فكرية / سياسية / اقتصادية / اجتماعية / تكنولوجية، تعقد بصورة دورية كل شهر في جميع العواصم ، بما يخدم المسيرة التطورية لكافة أحزاب وفصائل اليسار في الوطن العربي، عبر الحوار والتنسيق مع الرفاق في الأحزاب اليسارية ، للتوافق على فكرة تأسيس المنتدى المذكور في بلدانهم، بما يخدم تحقيق الهدف الاستراتيجي للفصائل الثورية الماركسية الفلسطينية من ناحية، وبما يخدم أيضاً الأهداف الاستراتيجية لكافة أحزاب اليسار العربي الماركسي في الوطن العربي من ناحية ثانية.

إن ولادة المنتدى الاشتراكي وتجسيده عملياً عبر مشاركة آلاف المثقفين التقدميين في أرجاء الوطن العربي في انشطته وحواراته، بإشراف مباشر أو غير مباشر من الأحزاب والفصائل اليسارية في كل بلد على حدة، سيؤدي بالضرورة إلى تفعيل النقاش والحوار الثقافي في كافة البلدان حول برامج هذا الحزب أو الفصيل في بلده من ناحية، وبما يعزز التواصل السياسي والفكري والمجتمعي الديمقراطي التقدمي على الصعيد القومي من ناحية ثانية، لإعادة إحياء الفكر القومي والتقدمي مجدداً وصولاً إلى الحوار الجاد الموضوعي المعمق -مستقبلاً- صوب الخطوات المطلوبة -دون أي ضجيج إعلامي أو علني- لبلورة الأفكار والآليات التنظيمية المحددة حول سبل بناء "الحركة القومية الاشتراكية الديمقراطية العربية"، ومن ثم اجراء الحوار حول توليد البعد التنظيمي الحركي لهذا  العنوان المستقبلي وانطلاقه في المسيرة النضالية التحررية والتقدمية في مغرب ومشرق الوطن العربي للمساهمة في النضال التحرري والديمقراطي الطبقي الهادف إلى إسقاط انظمه التبعية والعمالة وتحقيق اهداف الثورة الوطنية الاشتراكية الكفيلة بتوفير امكانيات القوه اللازمة لإزاحة الكيان الصهيوني وازالته من بلادنا واقامه دوله فلسطين الديمقراطية لكل سكانها.

 

 

[1] د. سعيد زيداني – تأملات خريفية حول ركائز المشروع الوطني الفلسطيني – موقع عرب 48 – 2/11/2021

[2] المصدر السابق  - د. سعيد زيداني.