Menu

قراءة الموروث الحضاري والإرهاب الفكري

ما بين دم الشهيد المغدور د. حسين مروه وحبر مسلسل معاوية بن أبي سفيان المنتظر 

د. عصام حجاوي

أصبت بالدهشة لما يدور على منصات التواصل الاجتماعي حول مسلسل تلفزيوني من المفترض أن يعرض على احدى محطات التلفاز في بداية شهر رمضان حول معاوية بن ابي سفيان، وسبب دهشتي أنه يتم محاكمة المسلسل قبل أن يعرض حتى، حيث الأغلبية العظمى مما ينشر يستهجن من حيث المبدأ أن ينتج مسلسل حول تلك الشخصية التاريخية في سياق مرحلة وصدام تاريخي ما زلنا نعيش فصوله حتى الآن.
وتكمن الطامة الكبرى أن المعترضين والناقدين للمسلسل سالف الذكر، يبنون موقفهم من منطلقات أيدولوجية منددين بمعاوية كشخصية لعينه، قتلت وسفكت دماء المؤمنين، وبالتالي يجب طمسها وإزالتها من ذاكرتنا ومن ذاكرة التاريخ ولسان حالهم يقول: أن التاريخ، ليس سوى إرادة نخبوية، يقف على أبواب حصنها من نصبوا أنفسهم حراسا يتحكمون بمآلات حضارتنا بماضيها وحاضرها ومستقبلها. 
أما الطامة الأكبر فتتمثل باستنساخ تلك العقلية والمنهج، ليس من قبل حراس الحضارة العربية الإسلامية فقط، وإنما أيضًا من حراس السياسة والاجتماع والاقتصاد المعاصرين ابتداءً من أصحاب - أول الرصاص وأول الحجارة فلسطينيا وصولًا لأصحاب الإسلام هو الحل أمميًا وما بينهما، ممن يرون أن الماضي والحاضر والمستقبل لن يمر لا من بوتقة تاريخهم وإرادتهم الذاتية وما غير ذلك فهو ليس تاريخًا ولا حاضرًا ولا مستقبلًا. 
وفي المقابل، فقد كان هناك وما يزال من يرى بالتاريخ والتراث كائن حي، تتشكل سماته من معطيات مادية اجتماعية واقتصادية وسياسية، تتشكل بمعزل عن رغباتنا الذاتية وإسقاطات الموقف الأيديولوجي المسبق، وبالتالي امكانية المساهمة الفاعلة بصياغة الحاضر والمستقبل من قبل المجتمعات والأمم، التي يصبح فعلها الجمعي هو المحرك الأساس للتاريخ وصناعته، بعيدًا عن الغيبيات والرؤى المحكومة بإرادات تسكن السماء من خلال من وظفوا أنفسهم خلفائها على الأرض.
وفي سياق هذا الصراع التاريخي بين المعسكرين، سُفكت دماء واغتيلت رموز فكرية من قبل الفريق الأول، الذي أعطى لنفسه أحقية امتلاك وتفسير التاريخ، فكانت دماء المهدي بن بركه، و ناجي العلي ، ومهدي عامل، وناهض حتر، ونزار بنات والقائمة تطول مرورًا بدم د. حسين مروة، صاحب موسوعة النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.
لقد ولد د. حسين في قرية حداثا في قلب جبل عامل، وذهب في سن السادسة عشرة ليستكمل علومه الدينية في كربلاء والنجف، ثم عودة للبنان لينتهي عضوًا في الحزب الشيوعي اللبناني، وينكب على دراسة التاريخ والحضارة العربية الإسلامية، وينتج موسوعته الغنية، والتي كانت على ما يبدو سببًا في اغتياله يوم ١٧ شباط عام ١٩٨٧، والتي وإن سجلت ضد مجهول، إلا أن بصمات القتلة وهويتهم واضحة وضوح الشمس. نعم إنهم من فرضوا أنفسهم حراسًا لبوابات التاريخ. 
ولاسكتمال مشهدية الصراع ومأساويته ما بين النهجين في النظرة للتراث، أُورد ما كتبه شهيدًا مغدورًا أخر بنفس كاتم الصوت اغتيالًا يوم ١٨ أيار ١٩٨٧، أي بعد شهرين من اغتيال د. حسين، ذلك مهدي عامل - أو حسن عبد الله حمدان - حيث كتب في معرض قراءته للنزعات المادية (سأسمح لنفسي بإبداء بعض الملاحظات على الكتاب وعلى نقد له، أرى في نقضه ضرورة يفرضها النظر في التراث ومنهج النظر فيه. أبدؤها بملاحظة حول عنوان الكتاب نفسه، لسببين: أولهما أن هذا العنوان “النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية”، يكاد يختصر موضوع عملك، أو قل إن فيه تكثفًا مشروعًا لحركة فكرك في استكشاف التراث ومعرفته. أما السبب الثاني، فهو أن تيارًا بأكمله من النقد انصب فيه النقد على موضوع عملك هذا، فكان رافضًا له من أساسه، ورافضًا لمنهج من النظر في الفلسفة العربية الاسلامية هو منهج النظر في النزعات المادية في هذه الفلسفة؛ بل كان رافضًا رفضًا مبدئيًا أو قل قبْليًا، وجود هذه النزعات فيها، وإمكانية هذا الوجود بالذات. المشكلة التي يطرحها مثل هذا التيار من النقد، برفضه هذا، لا تنحصر في حدود الفلسفة العربية الإسلامية ولا تقتصر عليها، بل تتعداها لتنطرح على كل فلسفة، قديمة أو جديدة، وعلى كل فكرٍ أيضًا، مهما اختلف حقول حركته المعرفية. إنها مشكلة الفكر الذي به ننظر في التراث أو في غيره، سواء أكان هذا التراث فلسفة أو غير ذلك، وسواء أكانت الفلسفة هذه إسلامية أو غير ذلك، قبل أن تكون مشكلة هذا التراث أو هذه الفلسفة. والطابع القبْلي لذاك الرفض أو نقيضه يوكّد صحة قولنا، ويؤكد ضرورة أن يبدأ النقاش حول التراث، قبل النظر فيه، بنقد الفكر الذي به ننظر في هذا التراث. فأي فكر يتضمنه ذلك التيار من النقد الرافض مبدأ وجود نزعات مادية في الفلسفة الاسلامية؟ وما هي منطلقات هذا الفكر؟ وما هو منهجه؟).
إن أصحاب كاتم الصوت الذي اغتال د. حسين مروة ومن بعده رفيقه د. مهدي عامل هم أنفسهم من نفس القبيلة التي بادرت وفتحت النار على المسلسل قبل عرضه،  والذي لا يمكن الحكم عليه بموضوعية قبل مشاهدته، إلا أن القبيلة تلك، والتي ترفض مجرد فكرة أن يتم تناول تاريخنا وإرثنا بمنهجية تتعارض مع منهجيتهم، قد فتحت نيرانها قبل رؤية المسلسل، استمرارًا في قبليتها ومصادرتها لحرية ونهج من يعارضها بالإرهاب الفكري شيطنة وتكفيرًا، كمقدمه عادة ما تسبق رصاص كاتم الصوت. 
طبعًا من السابق لأوانه الحكم موضوعيًا على المسلسل المذكور في استرجاع التاريخ بشخوصه وأحداثه كما أسلفنا، إذ أن ذلك خارج سياق النص الآن، وليس جوهر الموضوع، ولكن مجرد رفض عرضه، بل إنتاجه بشكل مبدأي من قبل حراس المعبد والظلام: هي القضية.  
صحيح أن أصحاب منهج التكفير والشيطنة قد منيوا بهزائم ما زالت تتراكم في العقدين الأخيرين، لكن المعركة الفكرية ما تزال في أوجها، رغم ما قد يسوقهم حقدهم وظلاميتهم لجرائم أخرى، إلا أن انتصار العقل والنور لا بد قادم، لتصنع أمتنا العربية مستقبلها رغمًا عن رصاصات كاتم صوتهم وإرهابهم الفكري.