من أكثر ما كان يباهي به العدو الصهيوني ويتبجح به في مواجهة العرب أنهم وفقاً لزعمه وادّعائه «قوم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفقهون»، وبالتالي فإنه من الممكن كما كان يظن إنْ تكرر الفعل ذاته ضدّهم وتحقق بالتكرار النتائج ذاتها انْ لم يكن أفضل.
أسوق هذا الكلام الآن وأنا أربط بين ما خططت له «إسرائيل» في العام ١٩٧٥ ضدّ المقاومة الفلسطينية وحققته في العام ١٩٨٢، حيث أخرجت هذه المقاومة من لبنان جهاراً نهاراً على متن سفن أبعدت المقاتلين الى تونس، واليوم يبدو أن منظومة الاستعمار الاحتلالي بقيادة أميركا و«إسرائيل» تريد استعادة الخطة ذاتها ضدّ المقاومة في لبنان.
وللتذكير هنا أنه في العام ١٩٧٥ وبعد عملية فدائية ناجحة نفذتها المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة قال رئيس وزراء العدو يومها انّ «ردّ إسرائيل هو من نوع لم يفكر به الشيطان»، وبالفعل لم تمضِ أشهر ثلاثة على العملية الفلسطينية حتى استهدفت في لبنان حافلة فلسطينية أمطرها حزب الكتائب بوابل من الرصاص في محلة عين الرمانة، في عمل شكل الشرارة التي بها اندلعت الحرب الاهلية في لبنان، هذه الحرب التي فتحت الطريق أمام «إسرائيل» لتغزو لبنان مرتين الاولى في العام ١٩٧٨، حيث أقامت «حزامها الأمني» في الجنوب، والثانية في العام ١٩٨٢ حيث احتلت أكثر من نصف لبنان بما فيه بيروت والقصر الجمهوري وأخرجت كل منظمة التحرير وجميع مقاتليها من كلّ لبنان.
واليوم يبدو أن أميركا و«إسرائيل» وبخطة موحدة تريدان استعادة العمل العدواني ذاته بشكل منقح وضد المقاومة في لبنان، ولهذا وضعت «خطة بومبيو» التي تقود إلى الانهيار الأمني الذي يغرق لبنان في الفوضى ويجبر المقاومة على السلوك الدفاعي لحماية نفسها وسلاحها الذي سيتحوّل رغما عن إرادة أصحابه سيتحوّل للداخل في مواجهات تدفع إلى إنهاكه وتآكله، والأخطر تدفع الى تحوّله إلى سلاح ميليشياوي فاقد الشرعية الوطنية، ما يسهّل نزعه بشكل ترتاح فيه «إسرائيل» على جبهتها الشمالية من عدو يؤرقها ويخسر محور المقاومة رأس الحربة التي بها يهدد «إسرائيل» ويرعبها من تصور قدرة المقاومة على اجتياز الحدود والقتال على أرض الجليل الفلسطيني المحتل،
بيد انّ أميركا التي وضعت «خطة بومبيو» لتدمير لبنان والإجهاز على سلاح المقاومة فيه وتفكيك هذه المقاومة لإراحة «إسرائيل» غابت عنها مسائل أساسية أهمّها أنّ المقاومة هي مقاومة لبنانيين لا يمكن أن يخرجوا من أرضهم وأنّ المقاومة ليست حرفاً متروكاً من غير ارتباط ودعم، فهي مكوّن في محور ممتدّ من شاطئ المتوسط غرباً الى وسط آسيا شرقاً، وأنّ المقاومة تملك من قدرات المناورة ما يجعل خطط العدو عاجزة عن النيل منها، وأن للمقاومة قيادة رؤيوية ذات فكر استراتيجي تعرف كيف تقرأ وتفهم ما تقرأ وتخطط وفقا لما يفاجئ العدو، وأن إسرائيل اليوم رغم مسرحيات التطبيع الجوفاء الفاشلة هي من الوهن في داخلها ما يجعلها عاجزة عن تكرار عدوان ١٩٧٨ و١٩٨٢ على لبنان لتحقيق النتائج التي تحققت يومها،
من هنا تأتي أهمية ما أطلقه امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير وهدّد به أميركا و«إسرائيل» عندما اكد في كلامه على ان المقاومة لن تنتظر ان تشيع الفوضى في لبنان وتنشب الفتنة التي تترجم حرباً أهلية في الداخل تجبر المقاومة على شهر سلاحها للدفاع عن نفسها. أنّ المقاومة لن تنتظر نجاح كامل «خطة بومبيو» التي وصلت الآن إلى مرحلتها الرابعة وهي تطرق باب الانهيار الأمني بعد أن نجحت في مراحلها الثلاث الاولى (الفراغ السياسي المستمر، والانهيار النقدي المتواصل، والانهيار الاقتصادي المتفاقم) مراحل حققها الضغط والحصار الأميركي المتكئ على عملاء وفاسدين في الداخل اللبناني، أنّ المقاومة لن تنتظر حدوث الانهيار الأمني الذي يغرقها، بل أنها ستقوم بالعمل الاستباقي الدفاعي ومن نوع آخر فما هو؟
من يقرأ بتمعّن في كلمات سيد المقاومة يجد انّ هناك خيارات عدة قد تلجأ المقاومة إليها كلها أو بعضها ومن هذه الخيارات فتح جبهة الشمال التي تستجيب لمقولة: «إذا كان لا بدّ من استعمال المقاومة سلاحها للدفاع عن نفسها فلتستعمله بقرار منها وفي مسرح عمليات هي تختاره وفي توقيت هي تحدّده وفي الاتجاه الذي من أجله أعدّ»، وبالتالي هذا المحددات تقود إلى القول: بأنه في طليعة الأعمال الاستباقية تأتي عملية فتح جبهة الشمال الفلسطيني المحتلّ، وبنار تصل إلى العمق الصهيوني بما يؤكد مخاوف إسرائيل من مفاعيل الصواريخ الدقيقة.
وكذلك من خيارات المقاومة هو استغلال حالة الانقسام والتشتت الإسرائيلي، الحالة التي تنذر بحرب أهلية كثر الحديث عنها من أهل الكيان الموقت أنفسهم، استغلال يتم عبر تفعيل المقاومة في الداخل واظهار العجز الإسرائيلي عن تحقيق أمن الكيان وإعطاء أوراق للمعارضة بوجه نتنياهو للانقضاض عليه وعلى حكومته، ليس في هذا فقط تنحصر خيارات المقاومة، إنما هذه أمثلة عنها ويبقى في جعبتها الكثير، ما من شانه أن يقطع الطريق في لبنان على الفتنة والحرب الأهلية ويمنع تفكير «إسرائيل» وأميركا باستعادة سلوك ١٩٨٢ لتفكيك المقاومة.
ومن جهة أخرى، فإنّ سيد المقاومة لم يقتصر في تهديده على محاولات الفوضى والفتنة الأميركية بل شمل التهديد أيضا محاولات التسويف لمنع لبنان من الاستفادة من ثروته النفطية بعد أن حددت حدود حقوقه فيها، حيث انّ السيد حسن قام بإحياء المعادلة التي أدت مفاعيلها إلى الوصول لاتفاق تفاهم حول تقاسم الثروة النفطية والغازية البحرية في الجنوب، المعادلة القائمة على القول: «استخراج مقابل استخراج أو تعطيل مقابل تعطيل»، ويكون لبنان في ذلك قد وضع في مواجهة أمريكا و«إسرائيل». معادلتين: واحدة اقتصادية وثانية أمنية وأي من المعادلتين يؤدي خرقها إلى انفجار وصدام، فهل يحصل الانفجار؟ أم ترعوي أميركا وتدرك أن للمقاومة قوة تفوق النص الأمريكي، وأن المقاومة تعيش زمن الانتصارات بعد أن ولى في فهمها وذهنها زمن الهزائم؟
الجواب متوقف على قرار أميركي وموقف يكون في اتجاه من اثنين: إما التوقف عن العمل بخطة بومبيو وترك لبنان يعالج شؤونه السياسية والاقتصادية واستثمار ثروته البحرية وعندها تسلم الأمور، أو الاستمرار بالحصار والتسويف والضغط والدفع نحو الفوضى وعندها سيكون الانفجار والصدام مع إسرائيل، كلا الأمرين وارد والمقاومة كما تؤكد جاهزة لكل الاحتمالات.

