كاتبٌ وناشطٌ فلسطينيّ، من مواليد مدينة خان يونس، تخرّج في جامعة المنصورة بجمهوريّة مصر العربيّة؛ حاملًا بكالوريوس الهندسة المدنيّة والماجستير من جامعة ويلز ببريطانيا؛ يعيش في بريطانيا منذ ثلاثة وثلاثين عامًا. رئيس حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني في شيفيلد شمال إنجلترا. مخرج أفلام قصيرة عن الجرائم الصهيونيّة؛ آخرها عن استهداف الصحافيين، والتطهير العرقي لقرية العراقيب بالنقب.
* هل لك أن تضعنا في بدايات حركة التضامن على صعيد مدينة شيفيلد وبريطانيا عمومًا؟ وما أهم الأساليب التي تمَّ استخدامها في تحشيد المتضامنين مع الشعب الفلسطينيّ وقضيّته؟
** من المهمّ الإشارةُ بدايةً إلى أنّ اليسار البريطاني مخدوعٌ بشكلٍ كبيرٍ جدًّا بالفكرة الصهيونيّة، أو وبالفكرة الاشتراكية العمالية الصهيونية؛ لأنّ هذا آخر دعم الشعب الفلسطيني في بريطانيا وأوروبا عمومًا، حيث كان اليسار أسيرًا لفكرة دولة "إسرائيل" التي ولدت عام 1948م، وأنّها هي الفكرة الاشتراكيّة الجميلة، والكيبوتسات تمثّل التعاونيات الاشتراكية التي نحلم بها في بلادنا؛ كذبٌ تاريخيٌّ مرّر عليهم، وللأسف صدّقوه، من هذا المنطلق عدّوا "إسٍرائيل" تقوم على فكرٍ تقدّميٍّ اشتراكي، في حين لم تكن سوى مجموعةٍ صغيرةٍ من اليسار تدرك الصورة الحقيقية، مثلًا اليسار معظمه لم يعرف أنّ "إسرائيل" بنيت على أنقاض قرى فلسطينية، والكيبوتسات التي يفتخر بها، سرقت من أيدي أصحابها من الفلاحين الفلسطينيين، لذلك كما قلتُ سابقًا؛ تأخّر التضامن للشعب الفلسطيني.
وهنا جديرٌ أن أذكر مثال الصديق الرفيق الذي غادر دنيانا راي ديڤز، الذي تم اعتقاله ثم ترحيله في إحدى مظاهرات بلعين وهو يلقى الحجارة على جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، "راي" كان يمشي في شوارع لندن في الستينات رافعًا علم "إسرائيل"، وكان من الداعمين المتطرّفين لها في بريطانيا، لكن من شدّة الصدمة التي تعرّض لها حول حقيقة "إسرائيل" دولةَ احتلالٍ وفصلٍ عنصريّ؛ انتقل إلى التطرّف في حبّ الفلسطينيين، وكان عضو مجلس مدينة في منطقة چلامورچان - ويلز.
في نهاية الستينات حاولت مجموعةٌ صغيرةٌ جدًّا لا تتخطى 4 أشخاص إنشاء حملة التضامن الأولى، لكن بسبب الظروف التي تمَّ ذكرها، والتأييد المطلق لـ "إسرائيل"، لم تنجح خطواتها في الوصول إلى الشارع البريطاني.
أوّل منعطفٍ تاريخيٍّ في حركة التضامن؛ كان الغزو "الإسرائيلي" للبنان عام 1982م، وذلك غيٌر نمطيّة "إسرائيل" وصورتها عند الكثير من اليساريين الأوروبيين، حيث أصبحت صورة "إسرائيل" هي التي تغزو وتقتل وتفجر القنابل الفسفورية، وبدأ نمط الجو العام في أوساط اليسار يختلف، وفي تلك الفترة بدأت بمحاولاتٍ أخرى لإنشاء حملةٍ للتضامن مع الشعب الفلسطيني، لكن هذه المحاولة لم تنجح كثيرًا إلى أنّ جاءت الانتفاضة الشعبيّة عام 1987م - وأتحاشى هنا نعتها بالانتفاضة الأولى كما درجت العادة عند الكثيرين كون نضال وانتفاضات وثورات الشعب الفلسطيني بدأت منذ اللحظات الأولى لبدء المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، وفي هذا السياق تأتي انتفاضات 1929 - 1936م وغيرها - وهذا أدى إلى تأثيرٍ كبيرٍ في اليساريين البريطانيين بالذات، وفي الفترة التي تلت سنة 1993م، أي "اتفاقية أوسلو" بين "إسرائيل" وإنشاء السلطة الفلسطينية، مررنا بتراجعٍ وظروفٍ صعبةٍ جدًّا كون المعظم عدّ أن القضية تمَّ حلّها، وكان لاقتحام شارون للمسجد الأقصى عام 2000م، واندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة مجدّدًا، تأثير كبير على حركة التضامن وانطلاق نشاطها بشكلٍ أكبر وأسع واستقطبت أعداد متزايدة، في وقت كنا بدأنا فعالياتنا وأنشطتنا بسبعة أو ثمانية أشخاص فقط، أوائل تسعينات القرن المنصرم، حيث تدرجت المشاركة من عشرات إلى مئات فآلاف.
كان لعدوان (الحروب) الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة سنوات 2008 - 2009م و2012 و2014 و2021، نقطة محورية كبيرة في توسع حملة التضامن، حيث وصل أفرع التضامن في بريطانيا إلى 72 مدينة وبلدة، وأصبح تأثيرها كبيرًا جدًّا.
الفكرة الرئيسية التي يمكن لحظها هنا، بأن حركة التضامن واتّساع فعلها وعددها؛ مرتبط بشكل كبير، بتصعيد العدوان الصهيوني وانكشاف حقيقة ودور "إسرائيل" ومشروعها الاستعماري – الاستيطاني العنصري، وفي المقابل تصاعد نضال الشعب الفلسطيني وكفاحه في مواجهته، مقابل تراجعها في فترات ما سمي بمرحلة التسوية أو السلام.
* أنتم تعملون في بيئةٍ معادية، حيث من المعروف أن بريطانيا هي من رعت واحتضنت المشروع الصهيوني، ومدته بأول وثيقةٍ مكتوبةٍ تتعهد بها بإقامة وطنٍ قوميٍّ له في فلسطين، وأسهمت بشكلٍ كبيرٍ في إقامة "إسرائيل" على الأرض الفلسطينيّة: فكيف تعملون وسط هذه البيئة؟
** نعم بريطاينا هي من احتضنت ورعت المشروع الصهيوني، وللأسف إلى الآن متطرّفة في دعمها، والموقف الحكومي الرسميّ مُخزٍ، فعلى سبيل المثال: 60% من أعضاء البرلمان الحزبي البريطاني من المحافظين، معظمهم زار "إسرائيل" بتكلفةٍ مدفوعةٍ من الجمعيّات الداعمة لـها، من ضمنهم وزيرة الداخلية السابقة بريتي باتيل، حيث زارتها 8 مرات على حساب هذه الجمعيات، وكذلك بوريس جونسون رئيس الوزراء السابق وغيرهما، وللأسف رئيس حزب العمال الحالي كير ستارمر، والكثير من أعضاء البرلمان العماليين ولا يتوقّف الأمر عند الدعم السياسي، بل هم يرتبطون مع "إسرائيل" بمشاريعَ اقتصاديّةٍ وتعاونٍ عسكريٍّ كبيرٍ أيضًا، وكذلك نشهد الآن حملةً شرسةً وكاذبةً لمن يهاجم "إسرائيل"، أي يكشف حقيقتها العدوانية، من خلال تبني الحكومة البريطانية؛ التعريف الذي أطلقته منظمةٌ صهيونيةٌ كبيرةٌ وهي: الحملة الدولية لذكرى الهولوكست "المحرقة"، التي وضعت عشرة نقاط للملاحقة بدواعي "معاداة السامية"، من ضمن هذا التعريف انتقاد إسرائيل أو الصهيونية وفرضت على مجالس المدينة تبنيها.
من المشاكل الكبيرة التي نواجهها غير الموقف الحكومي المعروف تجاه دعمه الكامل "لإسرائيل" هو الجهل السياسي في الشارع البريطاني، مثل عموم الشعوب الأوروبية؛ كونها شعوبًا مرفّهة، ومن ثَمَّ الشأن السياسي ثانوي عندها، وبالمناسبة هذا الأمر يطال سياسيين أيضًا، خاصّةً لجهة المعرفة الدقيقة للوضع في فلسطين، وللتدليل على ذلك؛ هناك دراسةٌ أعدتها جامعة چلاسچو باسكوتلندا " للبرفيسور "غريغ فايلو"، حيث ألف كتابين أسماهم "أخبار سيئة من إسرائيل"، ارتكز فيهما على أخذ عيّنةٍ مكوّنةٍ من 300 شخص من البريطانيين، وكانت النتائج صادمة، حيث 9% كان لديهم فكرة عن خلفية الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي" عام 1948م، ووجد 35% يعتقد أنّ هناك أراضي متنازع عليها بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، و1% فقط لديه فكرة عن سرقة المياه وجرائم الاحتلال.
وكذلك أجرى تحليل لعدد 3756 "سطر إخباري"، وجد أنّ 17 خبرًا منها فقط يتحدّث عن خلفيّة الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والباقي يعرض الأحداث فقط، ومن هنا يأتي دور حركة التضامن، وتوعية الشعوب، وعملنا في حركة التضامن لن يحرّر فلسطين غدًا، لكنّه يبني فعليًّا أرضيّةً لتنامي مواجهة المشروع الصهيوني في الأوساط الأوروبيّة.
* تأسيسًا على ما سبق: هل تنظر بأهميّةٍ للرأي العام العالمي؟
** بالطبع مهمٌّ جدًّا؛ لأنّ الدول الإمبرياليّة الكبرى وحكوماتها؛ تزداد سياستها الداخليّة المجحفة، من خلال سيطرة طواغيت المال من الرأسماليّين والأثرياء الكبار، وهم القلة على ثروات الغالبية العظمى من الشعوب؛ فالحكومةُ البريطانيّةُ - واحدةً منها - لا تهتمُّ إلا بالأشخاص الذين يقعدون في قمة المجتمع، وباقي الشعب يعطونهم "فتات الخبز" فقط؛ ليقدروا على العيش ليس إلا، ولمنع الثورة ضدها، وهنا يجب فهم جوهر العلاقة والارتباط بالمشروع الصهيوني و"إسرائيل"، من خلال المنظومة الرأسمالية العالمية، ومؤسساتها الضخمة: الشركات متعددة الجنسية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها من الأذرع الاقتصادية والمالية، وإنشاء "إسرائيل" أصلًا شرطيًّا قذرًا يحمي هذه المصالح في المنطقة؛ مع باقي الأنظمة الرجعيّة التي عوضت عن الحاجة لإرسال الجيوش الاستعماريّة، وجو بايدن أكّد هذا، بقوله في ثمانينات القرن الماضي: لو لم تُنشأ إسرائيل لكان علينا إنشائها.
لكن الشيء المهم هنا؛ أقصد فيما يتعلق بالرأي العام وأهميته، أن "السردية" الصهيونية لم تعد تمر دون تحدٍّ حتى في أحلك الظروف، وكلما أسهمنا في كشف جرائم قتل الاحتلال للمواطنين الفلسطينيين كما يجري مؤخّرًا في جنين ونابلس ورام الله والشيخ جراح والمدن الفلسطينية المختلفة؛ لمسنا تغييرًا كبيرًا في الشارع البريطاني مؤيّدًا للفلسطينيين.
ومن المهم هنا شدّ الانتباه إلى أن الأجيال الفلسطينية التي ولدت في أوروبا وأمريكا؛ شكّلوا عنصرًا قويًّا في توجيه الرأي العام في الأوساط الشعبيّة الأوربيّة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ففي مايو 2021م، عند عدوان (حرب) الاحتلال على قطاع غزة؛ كان الشباب الفلسطيني رأس الحربة في المظاهرات التي انطلقت في عموم بريطانيا في مواجهة هذا العدوان (الحرب) على القطاع.
* من الواضح أن هناك مجموعة من النجاحات استطاعت حركة التضامن تحقيقها أو إنجازها: فما أبرز هذه النجاحات والإنجازات؟
** من النجاحات الرئيسية التي يمكن أن أسجلها هنا لحركة التضامن، هي مذكرات التوقيف التي أصدرها مجموعة من المحامين، بحقّ "إسرائيليين" من قيادات جيش الاحتلال من ضمنهم "دان ألموغ"، وهو من القادة الذين شنّوا عدوان (حرب) 2008م على قطاع غزة، وهذا وصل إلى لندن، وفي إطار التواطؤ الكامل مع "إسرائيل" خرج له مسؤولٌ بريطانيٌّ من وزارة الخارجية في مطار هيثروا، وقال له: "لا تنزل من الطائرة"، كي لا يتعرّض للمحاكمة أمام المحاكم البريطانيّة؛ جرّاء الجرائم التي ارتكبها.
كذلك قمنا عام 2015م، بحملةٍ كبيرةٍ ضدّ مصنع "ألبت يو إي ڤي" وهو متخصّص في صنع محركات الطائرات دون طيار، التي يستخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي، في اغتيال الفلسطينيين، وشكلنا حالةً رافضةً له ومطالبةً بإغلاقه حتى بين سكان المدينة التي يقع على أرضها المصنع، واستطعنا إغلاقه عدة أيام، وكثفنا العمل ضده في حملاتٍ متكرّرةٍ على أمل إغلاقه بشكلٍ كامل. وفي السياق هذا، قبل عامين؛ ظهرت حملةٌ جديدةٌ اسمها "العمل المباشر" وهي مجموعاتٌ متهمةٌ من قبل الحكومة البريطانية بالتطرف، حيث هاجمت هذه المجموعة المصنع، وغيره في عدة مدن، بالإضافة إلى المكاتب الإدارية للمصانع؛ يدخلون عليها ويخطون شعارات باللون الأحمر، أي لون "الدم"؛ كناية عن الدم الفلسطيني الذي تسفكه "إٍسرائيل" بدمٍ باردٍ، ونجحت هذه المجموعة بإغلاق أحد هذه المصانع بشكلٍ كاملٍ في مدينة أولد هام بمانشستر الكبرى.
كما نقوم بحملاتٍ مستمرةٍ ضد بنوك ومصالح اقتصادية تدعم "إسرائيل"، الحملة المهمة ضد صندوق النقد اليهودي، الذي أسهم وما يزال في تطهير الفلسطينيين عرقيًّا من قبل نكبة ١٩٤٨م، إلى الآن وما زال يحظى بصفةٍ جمعيّةٍ خيريّةٍ بريطانيّة، إلى جانب الوقفات والاعتصامات والمظاهرات وأشكال التضامن الأخرى.
ومن الجدير ذكره، أن حملة التضامن في مدينة شيفيلد وبريطانيا عمومًا، لا يقتصر نشاطها على الفعل الميداني، فمن ضمن النشاطات المهمّة التي تنفذّها، هي الندوات والمحاضرات الدورية التي تناقش قضايا مهمّة، مثل: اللاجئين والمستوطنات وسرقة المياه وسياسات القتل اليومي... الخ، وباستمرار نستضيف شخصياتٍ فلسطينيّةٍ ودوليّةٍ للحديث عن الصهيونية وخطرها فكرًا إقصائيًّا غربيًّا، إلى جانب إنتاج أفلام تتناول وتعرض للسردية الفلسطينية، مثل فيلم "العراقيب"، الذي يعرض لمعاناة أهالي قرية العراقيب المستمرة، وآخر عن معاناة الصحفيين الفلسطينيين ونحن الآن بصدد إعداد فيلم عن معاناة وشجاعة الصيادين في قطاع غزة، في مواجهة بطش البحرية الإسرائيلية، وهذه الأفلام لها تأثير كبير جدًّا، لجهة التوعية بالقضية الفلسطينية والمعاناة المستمرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بقطاعاته كافة.
إلى جانب كل ما سبق؛ نقوم بحملات التبرع المالي؛ لدعم جمعياتٍ ومؤسساتٍ مجتمعيةٍ تعمل في فلسطين، ونقدم لهم إسهاماتنا؛ انطلاقًا من كوننا شركاء وامتداد لهم وليس متبرعين أو ممولين، وطبيعة الأنشطة التي تقوم بها هذه الجمعيات تطال فئات وشرائح مهمة من مجتمعنا منها الأطفال والمرأة على وجده الخصوص، ومن أكثر المشاريع التي نعتز بها على هذا الصعيد: المكتبة المتنقلة للأطفال التي تنفذها جمعية لو بطلنا نحلم بخان يونس، ومسرح الأطفال الذي تنفذه جمعية آفاق جديدة بمخيم النصيرات إضافة بالطبع لمشاريع الدعم النفسي عبر مركز قيس للدعم النفسي للأطفال والدعم التربوي وغيرها من المشاريع التي نتشارك فيها.
* هذا الحديث الهام عن طبيعة نشاطاتكم والإنجازات التي تتحقق على صعيدها؛ يفتح لسؤال عن مستوى التكامل ما بين كل من الدور الشعبي الذي تقومون به، والدور الرسمي للسفارات الفلسطينية، ومنها على مستوى الجالية الفلسطينية عمومًا؟ وبالتالي كيف ترى مستقبل حركة التضامن؟
** السفارات الفلسطينية مقصرةٌ في كل مكان، وليس على مستوى بريطانيا فقط؛ فللأسف الشديد السفارات جزء من السلطة وهي لا تتحدث إلا باسمها، رغم إننا نقدر خطاب السفير الفلسطيني لدى بريطانيا الذي يقدمه للصحف ووسائل الإعلام حديثًا؛ فهو قوي ويدافع عن القضية الفلسطينية بشكلٍ جيد، لكن عن دور السفارة العملي وسط الجالية في بريطانيا وفي الشارع البريطاني؛ يكاد يكون معدومًا، حيث لا تشعر برابط قوي أو ملحوظ بين السفارة والجالية الفلسطينية.
أما على صعيد الجالية ودورها؛ فهي أيضًا تعيش حالة الانقسام الفلسطيني، وينعكس عليها، ومن ثَمَّ على مستوى ترابطها ودورها وأدائها في حشد التضامن مع شعبنا الفلسطيني في الأرض المحتلة، وهذا بدوره يضعف ويشتت جهد الجالية الفلسطينية في بريطانيا وأوروبا عمومًا.
وكذلك من المعضلات الكبيرة التي تواجهنا؛ هي افتقارنا لوجود إعلامٍ قويٍّ يدعم الجهد التضامني الدولي أو حتى يبرز المعاناة اليومية الفلسطينية في الأرض المحتلة. للأسف إن الجهات التي تمتلك المصادر لتشكيل أجهزةٍ إعلاميّةٍ قويّة؛ فاشلةٌ جدًّا في هذا المجال، مثل: السلطة الفلسطينية والمنظمات الفلسطينية الأخرى. الصهاينة بلا شكّ إمكانيّاتهم أكبر، ولكن هذا ليس مبرّرًا، لعدم القيام بالمهمّة المطلوبة إعلاميًّا.
خطابنا لا يجب ألا يستجيب للحدث فقط، بل يجب أن يُرسخ في أذهان الناس حول العالم طبيعة إسرائيل دولةً مجرمة حرب، نعم مجرمة حرب، وتكراره في كلِّ خطابٍ إعلاميّ، سواءً ارتكبت جرائم جديدة أم لم ترتكب؛ فالسجل الصهيوني مليء بالجرائم من نكبة ١٩٤٨، حتى يومنا هذا. مثلًا مرّت جريمتا إعدام الطفلتين جنى زكارنة وفلة مسالمة في جنين ونابلس وكأنهما جريمتان عاديتان، طفلتان عمرهما ١٥ عامًا؛ تعانيان من التوحد يقتلهما قناصان صهيونيان وقبلهما بعام قتل الشاب إياد الحلاق الذي يعاني من إعاقة جسدية، وقصة الطفلة الغزية عائشة اللولو مريضة السرطان ذات الخمس سنوات، والتي مُنٍعَت والدتها من مرافقتها لمستشفى المقاصد ب القدس ، والتي استشهدت وحدها دون أن يكون أحد من أهلها حولها، حيث كانت كفيلة بنزع أي صفة إنسانية عن إسرائيل لو استخدمت بالشكل الإعلامي الصحيح. وبالطبع هذه الحالات هي أمثلة جديدة من آلاف الحالات؛ للأسف مرت دون أن يدان مرتكب هذه الجرائم أو يتخذ بحقه إجراءات رادعة.
يجب أن نصم آذان العالم بإعلام ينطلق من فلسطين؛ يّذكر بهكذا جرائم بخطابٍ علميّ هادئٍ غير عاطفيٍّ مليء بالكرامة، خالٍ من الكراهية، وفي الوقت نفسه تذكير العالم الغربي بنفاقه وازدواجية معاييره ودعمه لهذه الجرائم ومشاركته بها.
في كل الأحوال؛ حركة التضامن ستستمر كما هي، والقلب الأساسي للحملة هم من اليسار البريطاني، وكنا أول مبادرين في نوڤمبر ٢٠٢٢؛ لتشكيل ائتلاف من أربع مجموعات لجعل منطقة شيفيلد خالية من العنصرية "الإسرائيلية" شاركنا فيها إتحاد النقابات العمالية واصدقاء فلسطين في حزب العمال وكايروس الممثلة لبعض الكنائس المسيحية. وعليه؛ حملة التضامن ستستمر في استقطاب المتضامنين، وكشف جرائم "إسرائيل"، ودعم الفلسطينيين.
* أخيرًا؛ ما هي رسالتك لشعبنا الفلسطيني في الأرض المحتلة؟
** الرسالة الأولى: لا تفقدوا الأمل؛ رغم الوضع شديد القسوة والإحباط؛ فالقضية الفلسطينية محقّة جدًّا، وتستحق منا النضال المستمر وتحمل المعاناة لأجلها ولا تسمحوا لمحاولات الاختراق الفكري الشرسة التي تحاول تصوير القضية وكأنها انتهت أن تنجح.
الرسالة الثانية: أتمنى من أبناء الشعب الفلسطيني، ألا ينجرفوا وراء الانقسام القائم، حتى وإنّ كانت القيادات منقسمة لأهداف فئوية وحزبية وشخصية؛ يجب ان يتوحد الشعب الفلسطيني خلف قضيته وحقوقه وأهدافه الوطنية.
الرسالة الثالثة: نبذ ومواجهة الزمرة التي ارتبطت مصالحها بصفقات اقتصادية وسياسية مع العدو الإسرائيلي، وصولًا إلى محاولات تصفية القضية على عتبات مصالحهم هذه، وهنا يجب أن يكون الأساس في ذلك هو إعلاء المصلحة الوطنية على أية مصلحة حزبية أو فئوية.

