تزاحمت التحرّكاتُ السياسيّةُ والديبلوماسيّةُ والعسكريّةُ والتهديداتُ المتبادلةُ بين الأقطاب الكبيرة والأطراف ذات الصلة، مع دخول الحرب الروسيّة الأوكرانيّة عامها الثاني، وبدأت تتضحُ خارطة التحالفات أكثر من ذي قبل، وصارت الاصطفافات جليّة، رغم الوجع الذي تركته الحرب في المجتمعات الغربيّة وانعكاس ذلك في التحرّكات الشعبيّة التي تشهدها العواصم الغربيّة جرّاء ارتفاع نسب التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار السلع الرئيسيّة خصوصًا أسعار الطاقة والغذاء. وزاد من القلق إصرار الحكومات الغربيّة على المضي قدمًا في الحرب، وتقديم المزيد من الأسلحة المتطوّرة إلى أوكرانيا، وإرسال الخبراء لتدريب جيشها، وتضاعف الخوف من إنزلاق العالم نحو حربٍ نوويّةٍ تأتي على الأخضر واليابس، ولا يعرف حجم هول دمارها.
فمع الذكرى الأولى للحرب التي اندلعت في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2022، أعلن جهاز الاستخبارات الخارجيّة الروسي يوم 20 فبراير/ شباط 2023، أن لديه "معلومات تفيد بأنّه منذ ديسمبر 2021، قامت دول الناتو بتزويد القوّات المسلّحة الأوكرانيّة بـ1170 نظامَ دفاعٍ جوي، و440 دبابة، و1510 مركبات قتال مشاة، و655 منظومات مدفعية (..) وأن القوات الروسية دمّرت معظم المعدّات العسكريّة التي قدّمتها الدول الغربيّة لأوكرانيا"، وفق ما نقلته وكالة أنباء نوفوستي الروسيّة. يشارُ إلى أن روسيا قد أرسلت مذكرةً إلى دول الناتو بعد بدء الحرب بقليلٍ أكدت فيها على "أن أي شحنة تحتوي على معداتٍ عسكريّةٍ ستصبح هدفًا مشروعًا للقوات الروسية"، وحذرت موسكو الدول الغربية من أن ضخ الأسلحة في أوكرانيا لن يؤدي إلا إلى المزيد من تدميرها وإطالة أمد الصراع.
إعلان الاستخبارات الروسية جاء بعد قرار الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تزويد أوكرانيا بالدبابات المتطورة والصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، وبدء وصول بعضها فعلًا إلى العاصمة الأوكرانية كييف، كما جاء الإعلان قبيل وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى بولندا (20-22 فبراير/شباط 2022)؛ بهدف توسيع نطاق الحرب لتكون فعليًّا بين روسيا وأوروبا، حيث يعملُ بايدن على الاستعداد لمعركة انتخابات الرئاسة الأمريكية التي تنتظم في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أي بعد ثمانية أشهرٍ من الآن، يريد من خلالها تسويق نجاحاتٍ استباقيّةٍ قد لا تأتي، لمواجهة الجمهوريين الذين يتهيّؤون للانقضاض على البيت الأبيض، وتعويض هزيمتهم في الانتخابات الماضية.
انتصار روسيا في الحرب يعني هزيمةً للولايات المتحدة ولبايدن تحديدًا، ومن ثَمَّ ترجيح هزيمته في الانتخابات، فضلًا عن التعقيدات التي تعاني منها العلاقات الأمريكية الصينية، باعتبارها جبهةً مفتوحةً على احتمالاتٍ عديدةٍ إثر التوتّر الذي شهدته السنوات السابقة وتلبّد الأجواء، وبلوغ واشنطن حالةً متقدّمةً من العصبية في التعاطي مع بكين التي تقترب حثيثًا لتزيح واشنطن من قيادة الاقتصاد العالمي والتربّع على المركز الأوّل. فقد ذكرت الهيئة الوطنيّة للإحصاء في الصين أنّ الناتج المحلّي الإجمالي للبلاد ارتفع في 2021 بنسبة 8,1% على أساسٍ سنويٍّ إلى نحو 18 تريليون دولار أمريكي، رغم التحدّيات بما فيها عودة انتشار جائحة كورونا، والبيئة الخارجية المعقدة (تشير بعض الإحصاءات إلى أن النمو لم يتجاوز 3 بالمئة). أما الاقتصاد الأمريكي فبلغ ناتجه الإجمالي 21 تريليون دولار، وبلغ النمو نسبة 3.2 بالمئة. وباعتماد القدرة الشرائية معيارًا فإنّ الصين تبز الولايات المتحدة وتتقدم عليها. وتشير بعض التحليلات إلى أن حالة العصبية الأمريكية من الصين واقتراب موعد الانتخابات قد تقود واشنطن لمضاعفة الدعم إلى أوكرانيا؛ ليقود ذلك إلى انتصار على روسيا أو منع هزيمة أوكرانيا على الأقل، وتقديم ذلك في الحملات الانتخابية على أنه انتصارٌ أوكرانيٌّ غربيٌّ على روسيا وترويجه في وسائل الإعلام.
يضاف إلى ذلك، أوروبيًّا، تراجع الاقتصاد الألماني الذي يعتبر الأكبر في أوروبا. فقد حقّق الاقتصاد هناك نموًّا 0.5 بالمئة في الربع الأخير من عام 2022، وفق الأرقام الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء الفيدرالي الألماني، الذي عدّل أرقام النمو عام 2022 من 1.9 بالمئة إلى 1.8 بالمئة. وفي سياقٍ متّصلٍ بالحرب، قال رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية أن ألمانيا خسرت 100 مليار يورو عام 2022 نتيجة تداعيات الصراع في أوكرانيا والزيادة المرتبطة في تكاليف الكهرباء في أوروبا. هذا الوضع الضاغط قاد المستشار الألماني أولاف شولتز إلى انتقاد حلفائه لعدم إمدادهم أوكرانيا بالدبابات رغم مرور عدة أشهر على تعهّدهم، وممارسة الصغط على ألمانيا للقيام بذلك، وفق ما ذكرته صحيفة فايناشال تايمز التي أضافت أن شولتز يشعر بخيبة أملٍ متزايدةٍ من حلفائه، بعد أن تخلوا عن التزاماتهم إلا قليلًا منهم.
من جانبٍ آخر، يبحث بايدن عن ثغراتٍ يزج فيها بولندا في حربٍ مباشرة، تتحوّل فيما بعد إلى حربٍ روسيّةٍ أوروبيّةٍ مباشرة أيضًا. ويرى المحلل الروسي ألكسندر نازاروف أنه "في حالة نشوب حربٍ بين بولندا وروسيا، ستضطرّ الأخيرة لاقتحام الممر المؤدي إلى كا لينين غراد عبر أراضي دول البلطيق، وهو ما يضمن لبولندا ألا تكون في حالة حرب وحدها مع روسيا، على الأقل ستكون هناك 3 دول أخرى وربما أكثر".
زيارة بايدن لبولندا سبقتها بقليل تصريحات لرئيسة وزراء فنلندا سانا مارين، عدّتها روسيا تصريحاتٍ تحريضيّةً ومستفزّة. أكّدت مارين لإحدى محطّات التلفزة أنّ خسارة أوكرانيا للحرب تعني عقودًا من الحروب ورسالة خاطئة. وأضافت أنّه "إذا لم تنتصر أوكرانيا في الحرب، فسنرى عقودًا من الحروب إذا ما أرسلنا هذا النوع من الرسائل بأنّه بإمكانك غزو بلد آخر والاستفادة من ذلك. لهذا، فمن المهم للغاية أن تنتصر أوكرانيا في الحرب، وعلينا التأكد من هذا النصر بالفعل"، لكنّها استدركت قائلة "أننا لا نفعل ما يكفي (..) يتعين فعل المزيد، علينا أن نتأكد من نصرهم، وأن نقدم للأوكرانيين كل ما يحتاجونه للانتصار في الحرب".
هكذا تزج واشنطن العواصم الأوروبية في حرب مباشرة مع روسيا لتتكسب منها وتبيع المزيد من السلاح والأعتدة المتصلة بالحرب وتسيطر على الجميع، وتحذر في الوقت نفسه الآخرين من الوقوف على الحياد حتى، ولجم أي تحرك ينزع فتيل انتشار الحرب، فضلا عن تقويضها وإنهائها، وتقف أمام أي علاقات مع روسيا. ولأن حالة انفلات الأعصاب قائمة مع الصين لأسباب كثيرة سبق ذكر بعضها، فقد وجدت واشنطن ضالتها في بكين وصبت جام غضبها على محاولاتها للتوسط مع أوروبا في الأزمة الأوكرانية ما يعني سحب بعض البساط من واشنطن التي تريد مزيدا من الحرائق لتحاصر روسيا وتحشرها في زاوية. أعلنت الصين أنها تقوم بزيادة دورها لتسوية الأزمة الأوكرانية، ولذلك قام كبير دبلوماسيي الصين بجولة في العواصم الأوروبية الرئيسية وموسكو وأعلن أن بلاده لديها خطة سلام هدفها إيقاف الحرب الدائرة والتي أثرت على علاقة بكين بالدول الأوروبية، إلا أن الإدارة الأمريكية وجدت في التحرك الصيني هذا تحديا لسياستها واختراقا لمناطق نفوذها، فسارع وزير الخارجية انتوني بلينكن إلى تحذير بكين من مساعدة روسيا، في قفزة على الحقائق، بل اعتبر محاولة قيام بكين بوساطة لوقف الحرب بأنها "مشكلة في غاية الخطورة"، وأن "هناك أشياء لا يمكن ولا ينبغي للصين أن تفعلها". بلينكن شدد أكثر قائلا: "نعني بهذا توفير معدات عسكرية لروسيا.. أو التحايل المنهجي على العقوبات الخاصة بالغرب والتي تهدف للضغط على روسيا من أجل وضع حد لهذا العدوان"، وفق وصفه. لكن الصين لم تصمت على هذه التحذيرات، فقالت على لسان رئيس لجنة الشؤون الخارجية باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم "أن بكين لن تمرر أية محاولات أمريكية لتهديد العلاقات الروسية الصينية"، وشدد على أن بكين مهتمة بإيجاد حل سلمي سريع للصراع في أوكرانيا ومستعدة للعب الدور الأكثر نشاطا في هذا الشأن"، بل ذهبت بكين بعيدًا عندما قالت إنها "لن تقبل أية تعليمات أو تهديدات أو ضغوطات أمريكية على الحكومة الصينية تهدف للتأثير على العلاقات الروسية الصينية".
روسيا التي تشعر أنّ الغرب يستهدف وجودها لم تنتظر الضربة الاستباقية الأمريكية أو الغربية النووية أو الكلاسيكية، بل وجدت في توسع أوروبا وزيادة دعمها لأوكرانيا فرصةً مناسبةً للتأكيد على جديتها القصوى في مواجهة هذا الاستهداف الوجودي. ففي ديسمبر الماضي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل مفاجئ أنه "فيما يتعلق بالحرب النووية فإن هذا التهديد آخذ في الازدياد" وقال أمام مجموعة من القيادات العسكرية والسياسية أنه "إذا لم تستخدم روسيا أسلحتها النووية أوّلًا، فمن المؤكّد أنّها لن تستطيع استخدامها ثانيًا". وأوضح أنّ العقيدة الأمريكيّة الخاصة بضربةٍ نوويّةٍ استباقيّةٍ في الظروف الراهنة، تجبر روسيا أيضًا على النظر في إمكانية تطبيق مثل هذه العقيدة؛ لأنه بعد الضربة الاستباقية الأمريكية لن يكون لدى روسيا فرصةً للرد".
ثمة خسائر ومصروفات كبرى أنفقتها الدول على هذه الحرب وأخرى تكبدتها المجتمعات بسبب الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية. فقد بلغت المساعدات العسكرية التي قدمتها الدول المتحالفة مع أوكرانيا أكثر من 443 مليار دولار حتى نهاية ديسمبر الماضي، بخلاف المساعدات التي تم تقديمها في يناير وفبراير هذا العام، التي تبلغ عشرات المليارات، فضلًا عن القروض الميسرة لأوكرانيا. كما أن الاقتصاد العالمي أصيب في مقتل من حيث الانكماش والتضخّم وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسيّة، كالمواد الغذائية والطاقة، وتقدر كلفة الحرب حتّى نهاية العام المقبل أكثر من 2.8 تريليون دولار.
بعض الخبراء يرون أن الحرب لن تنتهي هذا العام، بل ستواصل استنزافها لكل الأطراف الأوروبية وروسيا وعلى الاقتصاد العالمي أيضًا، بينما ستقود واشنطن المشهد بطريقةٍ تتكسّب منها وتبعد منافسيها وخصوصًا الصين من دائرة التأثير والاستفادة من الوضع الجديد، ومنه إعادة الإعمار وإعادة تزويد حلفائها بالأعتدة، وفي هذا فوائد جمة لها. والسؤال الكبير يتمحور حول حجم الجحيم الذي ستتعرض له البشرية مع استمرار الفتيل مشتعلًا، بينما تستمر حكومات الغرب في ممارسة الجنون.

