Menu

حول أهمية الحزب وضرورة الوعي المعمق بالماركسية

غازي الصوراني

من بديهيات العمل الثوري، أن النضال بأشكاله السياسية والكفاحية كافة، لا يمكن أن ينتظم، ويصبح ذو فعالية وقوة، إلا إذا اعتمد مبدأ التنظيم (الحزب)، ذلك أن هذا الأمر يعد في الدرجة الأولى، المبدأ الأساسي الأول لتأسيس قوة ملموسة للجماهير الطامحة إلى تغيير وضعها، أو إلى الحصول على تشكيل آخر للدولة أو السلطة (اشتراكي أو ديمقراطي أو اي تشكيل آخر).

وهكذا، فإن التنظيم أو الحزب هو أحد أبرز وأهم الشروط للنضال السياسي التحرري والطبقي.. فلا نضال بدون حزب مُنظم يقوم على تنظيم الجماهير وفق برنامج الحزب، الذي يجب أن يضم ما لا شك فيه على الإطلاق وما هو مثبت فعلًا، وعندئذ يكون البرنامج ماركسيًا كما يقول لينين ... ولكن قبل كل شيء لا بد من تأكيد الحقيقة الموضوعية اللينينية: لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية.

إن جماهيرنا الفقيرة الكادحة التي ترفع في وجه النظام الحاكم راية المطالبة بحقوقها تأمينًا لمستقبلها، وترفع في وجه العدو الصهيوني راية النضال من أجل الحرية والاستقلال وتستهدف تحقيق أفكارها (أيديولوجيتها ومثلها العليا)، إنما هي بحاجة إلى التنظيم كأسلوب وحيد لخلق الإرادة الجماعية... فالحزب أو التنظيم هو السلاح الأمضى والوحيد الذي يوفر عناصر القوة للجماهير الشعبية الفقيرة لمواجهة قوى الاستبداد والظلم وادواتها.

وطالما أن الحزب الطليعي (المعبر عن مصالح ومستقبل الفقراء والمُستغَلِّين والمُضطهَدين) هو تنظيم كفاحي بالمعنى السياسي للكلمة، فهو بالضرورة يجب أن يخضع للقوانين والأنظمة التي تحكم أساليب وطرق التحرك حسب كل مرحلة أو ظرف، لضمان حركة صعوده وتقدمه من ناحية، وتوفير سبل التوسع والتجنيد والبناء وتعبئة الطاقات من ناحية ثانية.

وبدون هذا الحزب فإن الطبقات والشرائح الاجتماعية المُستَغَلَّة والمُضطهَدَة، ستظل أسيرة للظلم الاجتماعي والقهر الوطني والطبقي وكأن هذا الوضع قدرًا محتومًا... وطالما لم تنجح الجماهير الفقيرة في أن تنفض عنها هذه الحتمية، وطالما لم تدرك بعد، بصورة كاملة، الظلم الاجتماعي الذي يكبلها ويذلها، فهي عاجزة عن التطلع نحو التحرر والانعتاق.

لذلك، فإن الوعي والإدراك الحسي لظروف الظلم والاضطهاد والاستغلال الطبقي هو المحرك القوي لصراع الطبقات عبر التاريخ... ومن أجل ألا يبقى صراع الطبقات في حالة من الغموض أو الانكفاء في وهم الحتمية أو الاقدار، فهو بحاجة إلى أساس من الوعي والإدراك والبرمجة والتخطيط والتنظيم كشرط أول لا بد منه لذلك الصراع... وهنا أهمية الحزب، فالحزب الثوري هو بمثابة القائد المثقف الجمعي العضوي المعاصر، وهو أيضًا صاحب الرؤية السياسية، والإطار القادر على ممارسة التغيير الثوري، فهو الحامل لأكبر ثروة من المعارف (المعرفة النظرية ومعرفة الواقع بكل تفاصيله، والمعبر عن إرادة جماهير العمال والفلاحين الفقراء وكافة المضطهدين، باعتباره أداة رئيسية من ادوات التغيير الثوري التحرري والديمقراطي الطبقي...).

مستلزمات القيادة الحزبية

1. وحدة القيادة وانسجامها الداخلي (وحدة الفكر ووحدة العمل) وفق أسس الديمقراطية ومنهجها.

2. الاهتمام بالتركيب الاجتماعي للقيادة الحزبية، بحيث تظل النواة الكادحة هي قلب الهيئات القيادية المركزية والمحلية.

3. ارتفاع المستوى العلمي للقيادة الحزبية والتعرف العميق على الظواهر الاجتماعية ومتابعة متغيراتها.

4. توفير كل الاهتمام بالنواة التنظيمية والفكرية في الحزب، فهي العمود الفقري في هيكله التي تشكل العقل المفكر له، إلى جانب الرقابة الداخلية.

حول الماركسية والواقع الراهن

في ضوء ما تقدم، فإن على الكوادر الحزبية في كافة الأحزاب والحركات الماركسية في وطننا العربي أن تضع نُصب عينيها هدفًا أوليًا ورئيسيًا لرؤيتها الأيديولوجية، يتلخص في العمل على استعادة الماركسية لدورها ككاشف لحركة الواقع وكمنظر لها، وبالتالي كمحدد لرؤية تهدف إلى تحقيق التغيير الذي يتطلع إليه أحزابنا وجماهيرنا الشعبية في تجاوز هذا الواقع العربي المهزوم والمأزوم، لذلك يجب أن نعمل من أجل أن تستعيد الحركة الماركسية دورها الثوري.

هذه هي المهمة الراهنة، وهذا هو الهدف الراهن في ظل هذا الانهيار الذي طال الحركة السياسية التقدمية العربية، وأفضى الى إعادة صياغة الوطن العربي، وبالتالي فإننا في لحظة تفاقم التناقضات الطبقية محليًا في مجتمعاتنا ضد أنظمة التبعية والاستغلال في بلادنا من جهة، وكذلك تفاقم التناقضات الطبقية والصراعات السياسية عالميًا بين أطراف كوكبنا ومراكزه من جهة ثانية، خاصة وأن رأس المال الإمبريالي الأمريكي، يخوض حربه ضد الشعوب وضد الطبقات العاملة في مختلف الأمـم.

لهذا يجب العمل- في إطار الصراع الطبقي العالمي- على تفعيل وبلورة "الذات الوطنية والقومية"، (بمعنى تحقق الأمة/الدولة) لإعادة صياغة العلاقات الدولية، انطلاقًا من تحقق "الذات القومية" في مضمونها الجديد الذي تتداخل فيه مصالح الطبقة العاملة والفلاحين مع مصالح الأمة في إطار اقتصادي/اجتماعي يعبر عن مصالح العمال والفلاحين. هنا يتداخل المطمح القومي، مع مطمح تأسيس عالم إنساني (أممي) وتحقيق الترابط العضوي بين مختلف الأمم لتأسيس عالم خال من الاضطهاد والاستغلال والحروب.

في ضوء هذا التحليل - فإن كافة الشعوب والطبقات الفقيرة والمضطهدة في كل بلدان الأطراف -في لحظة إعادة صياغة الأهداف التي تعبر عن الطبقات المعنية بالصراع ضد النظام الامبريالي الرأسمالي، ومن أجل تأسيس نمط إنتاجي بديل، اشتراكي وديمقراطي.

وإذا كانت بعض أو معظم الحركات الماركسية – في العديد من بلدان العالم – قد تراجعت أو ارتدت أو انهار معظمها، والباقي منها عاجز، فإن إعادة تأسيسها هي المسالة الحاسمة الآن، هي الهدف الراهن. وإذا كانت صورة الاشتراكية قد اهتزت أو تراجعت، فإن الوقائع التي نعيشها اليوم، توضح الضرورة التي تفرض أن تعود الاشتراكية حلمًا ممكنًا، وإن تظل مطمح البشرية عمومًا، والمضطهدين والكادحين والفقراء خصوصًا، ذلك إنّ الرأسمالية في ظل العولمة الأحادية الإمبريالية، تزداد توحشًا واستغلالًا ونهبًا وقهرًا  للشعوب، وهي تسعى إلى تكريس الظروف التي تمنع تطور الأمم والشعوب في الأطراف، لتكريس تخلفها وتهميشها، والرأسمالية هنا قوة إعاقة هائلة وقوة قتل... وكلما تراجعت الحركة الاشتراكية ازداد طابع الرأسمالية، توحشًا ونهبًا واستغلالًا وتحطيمًا لقيم الديمقراطية والحرية والعدالة المزعومة، ما يعني أن الخيار البديل هو الاشتراكية أو استمرار بربرية العولمة الراهنة. فإذا كان الخيار القديم لدى الحركة الماركسية يتمثل في أن الاشتراكية في المراكز هي التي ستحل اشكالية الصراع الطبقي العالمي، وتساعد الأمم المتخلفة على النهوض، فإن انسداد أفق الاشتراكية في المراكز (في ظل العولمة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي) يفرض انتقال مركز الثورة إلى الأطراف، لأن تحقق الثورة في الأطراف هو المدخل (الرئيسي) لإعادة تكوين المراكز على أساس اشتراكي. وإذا كان الصراع ضد الرأسمالية في المراكز هو صراع تدرجي مطلبي الآن، فإن الصراع ضدها في الأطراف هو صراع ثوري، وسوف يبقى الوضع في المراكز، بالنسبة للطبقة العاملة والطبقات الوسطى في وضع ملتبس تجاه ثورية الأطراف.

لكن، صياغة واضحة للمشروع الاشتراكي العالمي سوف تسهم في تجاوز هذه الخشية وتدفع المراكز إلى الانخراط في مشروع اشتراكي أصبح أكثر أهميةً - وإلحاحًا- من أي وقت مضى، الأمر الذي يفرض تعزيز الحركة المناهضة للرأسمالية والحرب وللعولمة التي تفرضها على العالم، من أجل تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية.