عاشت الإنسانيّةُ منذ سيطرة رأس المال - نمطًا للإنتاجِ مرتكزًا على الأنشطة التجاريّة والصناعيّة والمصرفيّة - حربين عالميتين ماحقتين وفظيعتين أُزهقت فيهما الأرواح بعشرات الملايين، ودُمّر فيهما العمران بصفةٍ جنونيّةٍ لا لشيءٍ سوى لإرضاء نوازع الشراهة التي لا تشبع أبدًا لتحقيق الأرباح بكلّ الوسائل مهما كانت تلك الوسائل غير إنسانيّةٍ ولا أخلاقيّة... فقانون الربح هو القانون الذي يحكم النشاط الرأسمالي، الذي لا يمكن لهذا النشاط أن يتخلّص منه كونه ناتجًا عن شراهةٍ مرضيّةٍ مزمنةٍ لا شفاء منها إلا بالتخلّص من مُحرّكات هذا النظام من أساسها.
حربان عالميتان فظيعتان! فهل كان هذا كافيًا لانتهاء هذا النوع من الحروب العالميّة؟
الأسف... لا.
فقط، أخذت الحرب العالمية مع اكتشاف القنبلة النوويّة ونظيراتها أشكالًا جديدة؛ لأن هذه القنابل قادرةٌ على محق الحياة من فوق كوكب الأرض مرّةً واحدة؛ فأصبحنا نعيش هذا النوع من الحروب بصورةٍ مجزّأة، وهكذا فإنّ ما وقع في سوريا مثلًا منذ 2011 بمناسبة ما سمي بالربيع العربي لا يمكن وصفه إلا بـ "الحرب الكونيّة" لا نقاش فيها بدليلين اثنين:
- أوّلهما: هو مشاركة جيوشٍ رسميّةٍ تابعةٍ لدول الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وتركيا، وإنجلترا، وألمانيا، والكيان الصهيوني، في العمليات العدوانية الجارية هناك، وإن كانت فعاليات هذا العدوان تتم بواسطة الزج بعصابات المرتزقة التي أعطوها هذه المرّة شكل الإرهاب المقنع بقناع التأسلم؛ لأنّ ظاهرة المرتزقة ظاهرةٌ قديمةٌ في الحقيقة، وهذه العصابات المتأسلمة هي عصابات تمت رعايتها ومدها بالمال وبالسلاح في نطاق ما يسمى: الحروب بالوكالة، حتى بلغ تعدادها فوق الأراضي السورية 171 ألف و400 مرتزق من أتراك وعددهم 25800 وسعوديين وعددهم 25400 وتونسيين بعد مؤتمر "أصدقاء سوريا" اللعين بالآلاف أيضًا، ولكن الرقم الصحيح غير متفق عليه بدقة، وعرب آخرين كذلك، إضافةً إلى الشيشانيين والإيجور الصينيين، وحتى بعض الأوروبيين المتأسلمين القادمين من مختلف البلدان الغربية، وأعدادهم بالمئات وفقًا لتقديرات جينا هاسبيل الناطقة باسم المخابرات الأمريكية، وأما الدليلُ الثاني فهو التشاركُ في رد العدوان من طرف الجيش العربي السوري والجيش الروسي والمقاومة اللبنانيّة بقيادة حزب اللّه مع وجود دور ما للدولة الإيرانيّة، فيمكن هنا احتساب عدد الدول والعصابات الموجودة على أراضي ال قطر السوري حتى نفهم أنّها بالفعل حربٌ كونيّة. كما أن ما يقع بأوكرانيا منذ شهر فيفري / شباط 2021، الذي هو مواصلةٌ لما وقع سنة 2014 بالدونباس، هو أيضًا حربٌ كونيّة، فهذه الحرب التي نعيش اليوم على وقعها تتمَّ بين روسيا المدعومة من طرف بيلاروسيا والشيشان بصورةٍ علنيّةٍ ومن طرف الصين وإيران بصورةٍ مواربة، وبين أوكرانيا العائدة إلى النازية بعد ثورتها الملوّنة بلون البرتقال التي تمّت سنتي 2004 و2005، وهي.. أي دولة أوكرانيا ـ مدعومةٌ بصورةٍ لم تعد خافيةً على أحدٍ من طرف كل دول الحلف الأطلسي المتمدد باستمرار وعددها 30 دولة، ولكن خاصّة وبصورةٍ مباشرةٍ تمامًا من طرف الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وبولونيا، وتركيا، وهذه الأخيرة بواسطة طائرات البيرقدار المسيرة.
ورغم التخوّف من إمكانية استعمال القنابل الذرية، ولكن مع الجنون الرأسمالي المنفلت من عقاله واللاهث وراء الربح والهيمنة على الدوام والراغب في إبقاء موازين القوى على حالها لفائدة الأوليغارشيا المالية العالمية، وتحقيقًا لما يسمى بـ " القرن الأمريكي الجديد" ولاستدامة القطب الواحد؛ فإنّه لا يمكنُ استبعاد أن تأخذ هذه الحرب الكونية، رغم أنّها مجزأةٌ هي الأخرى ـ كما قلنا ـ شكلها الأكثر خطورة، حيث وفي احتمال اللجوء إلى السلاح النووي ستكون النتائج وخيمةً وكارثيّةً على حياة بني الإنسان كافةً فوق الأرض مرّةً واحدة.
وهنا يكون من الواجب علينا أن نتوقّف ولو لحظة عند معنى الحرب ظاهرةً في الاجتماع البشري، ولعلّه سيكون بإمكاننا القول بلغةٍ مبسطةٍ ودون حذلقةٍ في الكلام: إن الحرب هي تجسيمٌ للجزء الوحشي الذي ما زال ملازمًا لكيان الإنسان، وإن مواصلة ظاهرة الحرب لوجودها هي أنصع تعبيرٍ على أن الإنسان لم يرتق بعدُ إلى المعنى الحقيقي لصفته إنسانًا، وعلى أنه ما زال رغم توفّر ملكة العقل لديه، ورغم كل ما أنتجه المفكرون النيّرون صلبه من رصيد قيمي وثقافي راق... يتصرف كالوحش، لم يغادر بحق ملكوت البهائم الذي نشأ صلبه، الذي عليه أن يغادره تحقيقًا لارتقائه إلى مرتبته إنسانًا.
مفهومٌ هنا أن الإنسان هو مزيجٌ بين بعده الفردي الأناني بدرجاته، وبين بعده الاجتماعي والتعاوني بدرجاته وبتراثه أيضًا، ومفهوم كذلك أن البعد الفردي للإنسان هو الذي يدفعه إلى محاولة توفير أسباب البقاء لكيانه، فإذا تلازم هذا البعد الفردي مع رواسب التوحش لديه، فإن محاولة حب البقاء هذه ستتم عندئذ بواسطة السعي إلى احتكار أسباب البقاء بواسطة السطو على ما عند الغير (الغُورة)، فمن هنا منشأ الجرائم والتنافس غير الشريف بين الأفراد، ومنشأ الغزوات والحروب بين الجموع أكانت هذه الجموع عصابات متشكلة من أجل النهب مثل المافيا، أم قبائل دموية، أم جماعات ملتئمة في شكل دول؛ أما عند الحديث عن البعد الاجتماعي والتعاوني للإنسان، فيجب أن نلاحظ هنا كما لاحظ هذا الفلاسفة اليونانيون ثم عبد الرحمان بن خلدون صحبة غيرهم ممن سبقوهم أو ممن لحقوهم طبعًا... أن هذا البعد مرسوم هو الآخر في برنامج وجود الكائن البشري بصفته ضررورةً لا بدَّ منها لتواصل هذا الوجود.. فالإنسانُ مدنيٌّ بالطبع... كما قالوا جميعًا، ومن واجب الأفراد في هذا النطاق أن يتعاونوا كي يستقيم الاجتماع البشري، ودون ذلك التعاون تتعوّر حياتهم الجماعية إلى حدِّ أنّه يعسر عليها أن تتواصل... ويبقى أن طغيان البعد الفردي هو الذي أنتج الظاهرة الطبقيّة، حيث نجد أن الأفراد المسيطرين قد اندفعوا إلى التجمع في "صورة طبقة مسيطرة" كما قال الفيلسوف الألماني فريدريك أنجلز في كتابه الذي يحمل عنوان "أنتي دوهرينغ"، وهم هكذا ورغم المنافسة الشرسة صلبهم تتكاتف مجهوداتهم لحماية امتيازاتهم ومنهوباتهم ضد المفقرين والمعدمين والمحرومين، وهكذا رأيناهم منذ إقرار المجتمع العبودي مرورًا بالمجتمع الإقطاعي ووصولًا إلى المجتمع الرأسمالي وهم يخلقون الدرك والعسس المدججين بوسائل القوّة والعنف لحماية تلك المنهوبات التي يخزنونها في مطامير الحبوب القديمة أو في أرصدة البنوك والمصارف الحديثة التي حلّت محلّ تلك المطامير؛ وهم لنفس الهدف وبغاية الاستزادة فيما يستحوذون عليه يلجأون إلى الغزوات والحروب ضدّ أجوارهم من الشعوب... بل وتحملهم خطاهم إلى أبعد من هؤلاء الأجوار مثلما رأينا ذلك مع التوسع الإمبراطوري للإسكندر المقدوني في أنماط الإنتاج السابقة . وهو ليس الوحيد في هذا الباب ـ كما مثلما رأينا هذا مع إمبراطوريتي فرنسا وبريطانيا زمن التوسع الرأسمالي والاحتلال المباشر لأراضي الأمم والشعوب، أو مع الامبراطورية اليانكية الأمريكية الغاشمة التي أعقبت ذلك عند بلوغ رأس المال مرحلة الاستعمار الجديد الذي يتم وفق قوانين "بروتن وودز" التي وقع إقرارها سنة 1945 بعد نهاية الحرب الرأسمالية العالمية الثانية، تلك التي جعلت الدولار يُعوّض الذهب، وأرغمت الشعوب أن تأتي صاغرةً وذليلةً تقريبًا لتطلب القروض من خزّانات المال الضخمة لصندوق النقد الدولي وللبنك العالمي، وفقَ شروطٍ مجحفةٍ وقاضيةٍ بخبثٍ منقطع النظير على السيادات الوطنيّة... أما مع بلوغ المرحلة العولميّة وسيادة القطب الواحد بعد انتصار الليبراليّة وعودتها إلى الساحة تحت مسمى: الليبراليّة الجديدة، وبعد إسقاط النقيض الحضاري الداخلي لأوروبا المتمثل في الاتحاد السوفييتي على وجه الخصوص... فإن الأمور بلغت أقصى مداها... لأن هذا تزامن أيضا مع تفجر الثورة التكنولوجية الجبارة ومع التطوير المذهل لوسائل التواصل والاتصال ما أدخل تغييرات في البنى التحتية كما في البنى الفوقية تجاوزت المعادلات التي عرفتها البشرية مع الثورة الصناعية وخلقت معادلاتٍ جديدةً تمامًا ما زال الفكر الثوري المناهض لمساوئها يتهجاها بصعوبةٍ بالغةٍ بغاية أن يهتدي إلى ما ينقضها بصورة منهجية صحيحة، كما بغاية أن يقيم مكانها وبواسطة منجزاتها، لكن بعد إصلاحها عالمًا جديدًا ويبعث في الوجود فوق كوكب الأرض إنسانًا جديدًا قادرًا على التحكم بواسطة رصيد قيمي مُحيّن في نوازع توحشه؛ فإذا كانت الحرب بهذه الصفة هي العنف المتبادل بين فريقين، وإذا كان العقلاء من البشر ينادون بإنهائها حتى يستتبّ مكانها السلم بين البشر، فهل يعني هذا أنه يجب علينا التنديد في كل حرب بالفريقين المتصارعين؟
هنا لا بدَّ لنا من إدخال معيارٍ فاصلٍ وضروريٍّ بين الحرب الظالمة وبين الحرب العادلة، فالحربُ الظالمة هي الحرب التي يشنّها طرفٌ عدوانيٌّ على طرفٍ آخر؛ بهدف نهب خيراته وإخضاعه لسيطرته، أما الحرب العادلة فهي الحرب التي يخوضها طرفٌ مُعتدَى عليه ومظلوم لردّ ذلك العدوان ولصدّ ذلك الظلم، وهنا فإن ميثاق الأمم المتحدة الذي شارك الاتحاد السوفياتي في صياغته، وهو الذي قاوم ببطولة الغزو النازي ودفع من أجل دحر هذا الغزو أكثر من عشرين مليونًا من أبنائه... ينص، أي هذا الميثاق، ولعلّه ما كان لينص على ذلك لولا دور الفكر الاشتراكي ـ في المادة 51 منه على ما يلي:
"ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول... في الدفاع عن النفس إذا اعتدت قوة مسلحة عليهم".
فالمقاومة هي بهذه الصفة حالةٌ وجوديّةٌ؛ لأنّها تعني الدفاع عن النفس ضدّ محاولات محقها وإزالتها من طرف الغاصبين والظالمين والمستبدّين.
وهكذا فإنّ التنديد بظاهرة الحرب ترسّبًا للوحشية لدى الكائن البشري؛ يجب أن يتجه فقط نحو الحرب العدوانية الظالمة ، وأما حروب التحرر الوطني والقومي ، ومقاومة المظالم مهما كان نوعها حسب الظروف فيجب إدراجها في نطاق التحركات الرامية إلى رد صولة الصائل وإقرار العدل... إذ لا يمكن انتظار أن يُسلّم الظالم بظلمه من تلقاء نفسه، وقد سبق للشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي أن قال: "إنه لا عدل إلا إذا تعادلت القوى / وتعادل الإرهاب بالإرهاب"... و"الإرهاب" لدى هذا الشاعر كما عبر عنه في ثلاثينيات القرن العشرين مأخوذ في معناه النبيل فعلًا مقاومًا... وليس في معناه المنحرف الذي ركزته على أيامنا هذه وخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر /أيلول 2001 الدعاية التضليلية للامبريالية المتصهينة.
ووصولًا إلى ما وقع منذ إقرار القطب الواحد بعد السقوط المدوي سنة 1991 للاتحاد السوفياتي وزحف العولمة وشركاتها متعدّدة الجنسيات التي تحتكر تقريبًا أوجه التجارة العالمية كافةً وجل فعاليات الإنتاج الصناعي ومعظم ثمار الثورة التكنولوجية المتعاظمة، فإنّ الأمر بلغ مبالغ من العدوان والتوحش... كان الفكر عاجزًا عن تصوّرها بهذا الشكل... وحتى بالعودة إلى الفيلسوف الألماني كارل ماركس، فمن المعلوم أنه كان تنبأ بأن الاحتكار سيجعل الثروة تنحصر بالضرورة بين أيدي كمشة من الأفراد الرأسماليين، وهو ما رأيناه مع ظهور الأوليغارشيا المالية العالمية، حيث تحتكر عائلة واحدة على سبيل المثال هي عائلة روتشيلد نصف ثروات العالم لوحدها (تخيلوا!) هذا دون ذكر عائلات: واربورغ، وأورانج، وبيل قاتس، وجورج سوروس، وحتى الوافد الجديد زوكربارغ وهو لقب مستعار معناه جبل السكر، وليس بلقيه الحقيقي، كما إن هذا الفيلسوف الألماني (ونعني دائما كارل ماركس) تنبأ بأن الطبقة الحضرية أو البورجوازية ستسعى إلى خلق عالم على مثالها تحت طائلة المحق لمن يقف في طريقها... ولكننا رغم ذلك لا نظن أن هذا الفيلسوف كان بإمكانه أن يتكهن بأن الأمر سيصل إلى حد إلقاء قنبلتين ذريتين بناقازاكي وهيروشيما بدون وجود ما يدعو إلى ذلك عسكريًّا، وفقط بهدف إخضاع الأمة اليابانية، أو بأن الفظاعات التي ستتسلط على شعب العراق، وخاصة أثناء احتلال بلده سنة 2003 من طرف الأطالسة ستصل إلى حد تقتيل مليونٍ ونصف من أبناء هذا الشعب (أرجوكم هنا أن لا تستمعوا إلى هذا الرقم بلا مبالاة!)، وإلى تشويه آلاف الأجنّة، نتيجة رمي قنابل اليورانيوم المنضد أو المخفف، وإلى تعريض الوطنيين هناك إلى الفظاعات المعروفة التي مورست في سجن "أبو غريب"... وهذا قليل فقط من الكثير الذي تعرض إليه هذا الشعب العربي.
لقد هدفت الإمبريالية المتصهينة في نطاق مشروعها الهيمني والعولمي الذي يقتضي إزالة الحواجز أمام حرية ترويجها لسلعها ولأفكارها، هدفت قلنا: إلى محق الدولة ـ الأمة، والدولة عموما بغاية الوصول إلى اللادولة (الصومال مثالا) أو الحصول على الأقل على دول هزيلة أو ضعيفة أو رخوة (وهو ما نراه ماثلًا أمام أعيننا في هذه الفترة من التاريخ في أمثلة كثيرة)، ففي هذا النطاق تأتي موجات الثورات الملّونة بألوان القرنفل (البرتغال) والورد (جورجيا) والبرتقال (أوكرانيا) والياسمين (في المثال التونسي بعد اختراق الانتفاضة العفوية لفقرائها)، وهي الموجات التي شهدت توهّج شرور نيرانها المستعرة مع تعدّد ملابسات ما سمي بـ"الربيع العربي" ب ليبيا واليمن والبحرين، ومع ما شهده القطر العربي السوري في نطاقها ـ على وجه تخصيص الكلام ـ من تقتيل مجاني لعشرات الآلاف من أبنائه، أومن تهجير بالملايين للمواطنين، أو من تدمير للعمران وللآثار أو من سرقة للطاقة النفطية والغازية، وحتى للمصانع بعد تفكيكها من طرف تركيا في حلب، أو من حصار جائر أمريكي باسم حصار القيصر... وهو الحصار الهادف إلى حرمان هذا البلد من تشغيل مطاره للتواصل مع الخارج وإلى حرمانه من العودة إلى الاكتفاء الغذائي الذي كان ينعم به قبل العدوان أومن تطوير أية بادرة تنموية بصورة جدية.
وعندما نتطرق – كتقدميين - بمثل هذه الروح المدعومة بمعرفة دقيقة لكافة نوايا الإمبريالية المتصهينة إلى موضوع الحرب والموقف منها، فإنه يصبح من واجبنا حتما أن نضع الاعتبارات الوطنية والقومية للأمم والشعوب في الصدارة في هذه المرحلة من مراحل التاريخ، وأن نتفهّم ـ ولو بروحٍ نقديّةٍ أحيانًا للأخطاء التي يمكن أن تقع ـ ردّة فعل إيران وفنزويلا والجزائر وروسيا والصين والهند والبرازيل، إزاء محاولات إذلالها وإخضاعها، فبهذا أيضًا يجب أن نتعامل مع ما يقع بأوكرانيا منذ فيفري/ شباط 2022... فما وقع هناك لم يبدأ مع هذا التاريخ، وإنما يجد بداياته في تنصيب رئيس برتبة عميل على رأس الاتحاد السوفييتي هو المسمى ميخائيل غورباتشوف، الذي أوكل إليه مشغلوه في أواسط الثمانينات من القرن العشرين مهمة تخريب المنجز الاشتراكي الكمي وليس النوعي، بذلك التجمع للأمم الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي، ويجب أن نفهم هنا أن ذلك كان دائمًا في نطاق محاولة الرأسمالية خلق عالم على مثالها، فلما انتهت مهمة ذلك العميل رمزيًّا بسقوط "جدار برلين"، فقد نصبوا بعده بوريس يلتسين، وهو مجرد سكير عربيد وفاسد ماليًّا، وقاموا حينئذ بمنح روسيا الاتحادية رتبة عضو ملاحظ باجتماع "السبعة الكبار" ثم تمت ترقية (!) هذا البلد إلى رتبة عضو ثامن مرة واحدة، فلما تمكنت مجموعة فلاديمير بوتين من الإمساك بمقاليد السلطة، وهي مجموعة قومية النزعة وأوراسية المبدأ، فإنهم ناصبوها العداء وأطردوا روسيا من مجموعة الكبار كما يسمون أنفسهم، ثم طوقوها بالثورات الملونة في كل جوارها ومحيطها من جورجيا وبولونيا، وصولًا إلى أوكرانيا، وجعلوا أغلب المجاورين لها ينخرطون بالحلف الأطلسي، وهو حلف عسكري صريح من مهامه الحرب على الشعوب لا مصافحة هذه الشعوب والابتسام في وجهها، وهكذا فمع نجاح "ثورة البرتقال" الملونة بأوكرانيا ثم مع تنصيب شخص هو فلودمير زيلنسكي الذي لا يخفي ميولاته الصهيونية، دون أن يمنعه ذلك من التحالف مع حزب النازيين الجدد الذين كانوا ارتكبوا المجازر الفظيعة سنة 2014 بالدونباس في حق الناطقين باللغة الروسية، ومع توجه الحلف الأطلسي إلى ضم أوكرانيا إلى صفوفه، بحيث سيصبح هذا الحلف واقفا على عتبة باب البيت الروسي الأورتودوكسي والأوراسي، تكون قد تجمعت جملة من الاستفزازات بل من العمليات التمهيدية التي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى انفجار الوضع بالصفة التي نحن عليها شهود، مهددة الكرة الأرضية كلها بالفناء لأنه اتضح عمليًّا أن المواجهة ليست روسية أوكرانية بل روسية أطلسية، وسببها أن الأوليغارشيا المالية العالمية قد استشعرت إمكانية سقوط عالم القطب الواحد الذي ما انفكت تخطط لقيامه، وإمكانية قيام عالم متعدد الأقطاب بقيادة روسيا والصين ومن يمكن أن ينضم إليهما مثل إيران والهند والجزائر وفينزويلا والبرازيل... وهو تعدد يمكن أن يكون برؤيةٍ تاريخيّةٍ صحيحة، مفيدًا لقضايا التحرر من الهيمنة والاستغلال؛ وهنا فإنه بمثل تفهمنا للموقف الروسي كان تفهمنا قبل ذلك لما جرى بسوريا، وتحليلنا له على أنه لم يكن ثورة مثلما ذهب إلى ذلك المخدوعون بشعارات الشكلانية الحقوقية التي تروج لها مراكز الدراسات (الثينك تانكس) الإمبريالية، وإنّما كان هجومًا إمبرياليًّا صهيونيًّا بواسطة وكلاء من المتأسلمين السياسيين المخدوعين والممولين من طرف الرجعيات العربية بغاية إسقاط دولةٍ كانت تهدّد بأن تصبح بدايةً لنهوض القومية العربية ونواة لإقامة دولة ـ أمة لهذه القومية... مثلما كان الأمر مع العراق قبلها الذي وقع ضربه لهذا السبب بالذات...
الحرب إذا، فهذا شعار صحيح، ولكننا نعني بهذا الحرب العدوانية الظالمة، ولا نعني بذلك حرب الدفاع عن النفس، أو حرب رد صولة الصائل، أو حرب التحرر من التهديدات الهيمنية، أو من الهيمنة والاحتلال... وليحيا السلام ، فهذا أيضًا شعار صحيح، ولكننا لا نعني به سلام الاستسلام الذي قد يسميه البعض "سلام الشجعان" ، وإنما السلام بمعناه الأممي الذي ينهي السياسات العولمية القسرية والإلحاقية لرأس المال وللأوليغارشيا المالية العالمية، ويقيم وفقًا لعبارة المفكر الثوري الروسي فلاديمير إيليتش لينين "تحالفًا مقبولًا عن طواعية بين جميع الأمم... تحالفًا لا يسمح بأي عنفٍ تمارسه أمّةٌ ضدّ أخرى"... فهذا ما يوجب تكثيف الدعاية لفائدته، والنضال دون هوادة من أجله، إبرازًا للبعد الذي غيبته الساسات الفردانية لرأس المال ألا وهو البعد الاجتماعي والتعاوني، وهو البعد الذي نجده متجسّمًا منذ القديم في مستوى البنى الفوقية في مشاعر الإيثار ومحبة الآخر وفي تضحية الفرد بنفسه من أجل الجماعة، وحتى بغاية المزيد من الفهم ـ في تجربة مثل تجربة "الطويزة" في ربوعنا التونسية، التي لها ما يشبهها في كل أصقاع الأرض لا شك في ذلك، كما نجده بصورة أوضح ـ ونعني البعد الاجتماعي دائمًا ـ في تجربة الصعاليك العرب بالحجاز قبل انبثاق الدعوة المحمدية، وفي دولة القرامطة الاشتراكية بالبحرين (القرن العاشر بالتقويم المسيحي قبل ظهور الرأسمالية الأوروبية)، كما في موجة التجارب الاشتراكية للقرن العشرين من التقويم المسيحي التي تمت بالاتحاد السوفييتي وبالصين الشعبية وبامتداداتهما بكوبا الصامدة وبكافة دول "أمريكا" اللا تينية اليوم، كما في تجربة "الجماعة" ليوليوس نييريري بتنزانيا أو في تجربة "الناس النزهاء" لتوماس سانكارا ببوركينا ـ فاسو... إنه ولو شئنا التبسيط، وهو هدفنا دائما قدر الإمكان: البعد الذي عاينه أحد علماء الأنثروبولوجيا عندما عرض لعبة على بعض الأطفال بإحدى القبائل الإفريقية البدائية... البدائية قلنا... الموجودة جنوب الصحراء، تتمثل في أن وضع أمامهم سلة مليئة بالثمار وبالطيبات، ثم طلب منهم التنافس والتسابق، وربما التزاحم والتشاجر للحصول عليها فإذا بهم أمسكوا بأيدي بعضهم وساروا نحو السلة بهدوء ثم تقاسموا بكامل السماحة ما يوجد فيها، فلما سألهم عن السبب أجابوه بكلمة واحدة هي: "أوبونتو" التي تعني بلهجتهم "نحن مع بعضنا"... ويمكن ترجمتها بلغة فلسفية بأن الفرد لا يمكن أن يكون إلا مع الجماعة، وأنه لا يمكن أن يكون سعيدًا على حساب شقاء الآخرين... هذا هو البعد الاجتماعي الذي سحقه البعد الفردي للإنسان، ذلك الذي طورته السياسات الطبقية للأنظمة العبودية والإقطاعية الذي حافظت عليه الرأسمالية بعد تزيينه بالمساحيق الحقوقية الشكلانيّة... وهي المساحيق التي لئن شكلت تقدّمًا طفيفًا بالنسبة لما كان سائدًا قبلها، فإنها لم تحرّر الإنسان بصورةٍ فعليّة... فمهمة تحرير الإنسان ما زالت مطروحة، وهي المهمة التي يطرحها الاشتراكيون على أنفسهم رغم عثراتهم في هذه التجربة أو الأخرى.
إذن الفكر الاجتماعي والتعاوني لبني الإنسان، ولنفهم أن هذا معناه: عاشت الاشتراكية التي تعلي هذا البعد الاجتماعي دون أن تسحق البعد الفردي لـ"لإنسان"، وإنما تهذبه بواسطة ثورةٍ قيميّةٍ تلجم نوازع توحشه، وعاشت الأممية المناهضة للسياسات القسرية للعولمة الرأسمالية، ولتسقط الحروب العدوانية الظالمة، والنصر لجميع معارك تحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي ومن الهيمنة الاستعمارية.

