يحضرني وأنا أتابع موافقة قيادة السلطة الفلسطينية على حضور مؤتمر الشيخ، بحضور ممثلين عن الكيان الصهيوني ومصر والأردن، وبإشراف أمريكي، المثل الفلسطيني القائل "المبلول لا يخشى من رشق المطر"، فالسلطة الفلسطينية لا تأبه للانتقادات الموجهة لها من مختلف الفصائل على نحو: أنها تتنكر لقرارات المجلسين الوطني والمركزي، وللقرارات الصادرة عن كونفرنس بيروت – رام الله، بشأن سحب الاعتراف ب (إسرائيل) والتحلل من اتفاقيات أوسلو ومشتقاتها، ومن التنسيق الأمني، ومن اتفاق باريس الاقتصادي، وإنها بمشاركتها في المؤتمر المذكور تقدم خدمة مجانية للاحتلال.. الخ. فقيادة السلطة تدرك كل ما تقدم من انتقادات، ولسان حالها يقول: "اصدروا ما شئتم من بيانات ومن تصريحات منددة، وسأظل على سابق عهدي في الوفاء للإدارات الأمريكية وللكيان الصهيوني، وسأظل ملتزمةً بالتنسيق الأمني المقدس وسأظل أرفع شعار رفض المقاومة ذات الطابع الشعبي العنفي والكفاح المسلح، وسأظل أقاوم بشدة اندلاع انتفاضة جديدة، وسأعمل على تكميم الأفواه في الضفة الغربية، والزج بأصحاب الرأي المخالف في المعتقلات، وسأظل ملتزماً بقمع المظاهرات، رغماً عن الدستور، واللي مش عاجبه يشرب من ماء البحر الميت".
نعم قيادة السلطة، لا يعنيها الانتقادات بشأن تقديمها خدمات مجانية لاحتلال "خمس نجوم" ولا يعنيها الانتقادات، بأن السلطة الفلسطينية باتت كياناً وظيفياً في خدمة الاحتلال، ولا يعنيها أن سلوكها المدان شعبياً وفصائلياً، يعمق الانقسام في الساحة الفلسطينية، ويساهم في انقاذ العدو من أزمته الداخلية-التي باتت تهدد وجوده، على حد تعبير رئيس الكيان الصهيوني حاييم هرتزوغ - وكل ما يعنيها هو كسب رضا العراب الأمريكي، ورضا الدول المانحة وليس أكثر. فقيادة السلطة منسجمة مع نهجها السياسي، في مرحلة ما قبل أوسلو، ومرحلة ما بعد أوسلو وحتى اللحظة الراهنة، ومن يقرأ نهج أبو مازن على امتداد مسيرته السياسية، ومذكراته لا يتفاجأ بما يصدر عنه من مواقف، فهو صادق مع نفسه ومع برنامجه، في أنه ضد الكفاح المسلح وضد العنف الثوري، وصادق في تصريحاته، بأنه أول من فتح باب اللقاء مع الإسرائيليين منذ سبعينات القرن الماضي، وحسب فاروق القدومي أحد أبرز القادة التاريخيين في حركة فتح والمنظمة، "بأن أبو مازن لم يغبر حذائه في أية قاعدة من قواعد الفدائيين".
وإذا كان من عتب، فإنه موجه لقواعد فتح، التي بالضرورة تحن لمنطلقات "فتح" في ستينات القرن الماضي، وموجه للقيادات التاريخية فيها، التي عايشت مرحلة المقاومة الميدانية في فلسطين وفي لبنان، مثل محمود العالول وعباس زكي وغيرهما، وليس موجهاً للأسماء الراهنة التي تطلق على نفسها لقب "قيادات"، والتي باتت تتربع بالطول والعرض على السلم القيادي لحركة فتح، وتتنافس فيما بينها على خلافة الرئيس، خاصةً بعد أن تبوأ ضابط الارتباط بالكيان الصهيوني، موقع أمانة السر في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لماذا مؤتمر شرم الشيخ؟
فيما يتعلق بمؤتمر شرم الشيخ، المزمع عقده يوم الأحد (19) مارس (آذار) المقبل قبل بدء شهر مضان، نشير إلى أن عقده جاء ترجمة لقرار مؤتمر العقبة في 26 (فبراير) الماضي، والذي نص على عقده في فترة لاحقه، لكن عقده مبكراً الأحد القادم جاء في ضوء ثلاثة عوامل هي:
1- العامل الفلسطيني المقاوم ممثلاً بتكثيف العمليات الفدائية: فعمليات المقاومة في اطراد كمي ونوعي، كتلك التي حصلت في حوارة وأريحا وجنين و القدس ، والتي وصلت إلى قلب تل أبيب مؤخراً، أهالت التراب على قرارات مؤتمر العقبة، وحيث بات من المؤكد أنها ستزداد في شهر رمضان، باعتباره محطة لتفعيل الفعل المقاوم والانتفاضي. وبات مطلوباً من أجهزة أمن السلطة في مؤتمر شرم الشيخ، إعادة الاعتبار لقرارات العقبة بشأن قمع المقاومة وتفعيل التنسيق الأمني، لكن هذه الأجهزة قدمت عربوناً مقدما بقمعها مظاهرات نابلس، وبقمعها مسيرة الشهيد بطل عملية حوارة "عبد الفتاح خروشة" على النحو الذي قمعت فيه سلطات الاحتلال مسيرة جنازة الإعلامية شيرين أبو عاقلة، حيث أسقطت نعش بطل عملية حوارة على الأرض بعد الخروج به من مستشفى رفيديا في نابلس، كما أسقطت قوات الاحتلال نعش أبو عاقلة على الأرض بعد خروجه من المستشفى الفرنسي في القدس في 14 مايو (أيار) 2022، وقبل أن يوارى جثمانها الثرى.
2- الكيان الصهيوني: في الوقت الذي يعاني فيه الكيان الصهيوني الغاصب، من انقسام داخلي هو الأول والأخطر في تاريخه منذ إنشائه عام 1948، جراء الانقلاب القضائي يسعى نتنياهو وشريكاه في الائتلاف الحاكم المتطرف "سيموريتش وبن غفير" إلى الهروب إلى الأمام من خلال (أولاً) المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، لتنفيذ الخطة الأمريكية الأمنية بحذافيرها التي تهدف إلى تفعيل التنسيق الأمني من خلال غرفة عميات فلسطينية - إسرائيلية مشتركة بإشراف أمريكي ومن خلال تدريب (5000) عنصر أمني فلسطيني، ليتولوا قمع المقاومة وتحديداً في مدينتي جنين ونابلس (وثانياً) بزيادة عمليات اقتحام المدن والمخيمات والبلدات في الضفة الغربية، وارتكاب عمليات القتل والاغتيال لكوادر المقاومة، التي بلغت أرقاماً غير مسبوقة، مقارنة بعمليات القتل والاغتيال في العام الماضي، بهدف توحيد ساحة الكيان ضد خطر المقاومة، على أمل الحد من التظاهرات بمئات الألوف في الكيان الصهيوني.
3- الإدارة الأمريكية: تريد الإدارة الأمريكية من المؤتمر تهدئة الأوضاع في فلسطين ومنع نتنياهو من ارتكاب مغامرة جديدة، للهروب إلى الأمام كارتكاب حماقة في شمال فلسطين المحتلة ضد لبنان، أو حماقة عدوان على إيران، حتى تتفرغ لموضوع أوكرانيا الذي بات يؤرقها جراء الانتصارات الروسية، وصمود روسيا في وجه العقوبات الغربية وللبحث في سبل الرد على الاتفاق السعودي الإيراني، الذي تم بوساطة صينية، وقلب الطاولة على المخططات الصهيو أميركية في المنطقة.
واللافت للنظر أن مؤتمري العقبة وشروم الشيخ، لم ولن يوفرا غطاءً للسلطة في البعد السياسي، حيث بات محسوماً أن القمتين أمنيتان بامتياز، وأن ورود عبارة "التزام الطرفين بالاتفاقيات السابقة" كانت بمثابة ورقة التوت، التي لا تكفي لتغطية العورة المكشوفة، حيث بات معلوماً أن موقف الحكومات الصهيونية، ابتداءً من حزب العمل إل حزب كاديما إلى الليكود إلى ائتلاف (لابيد -نفتالي بنيت - بيني غانتس)" وصولاً إلى حكومة الاتلاف الراهنة بزعامة نتنياهو، هو ضد حل الدولة والدولتين، وأنها ترى في الضفة الغربية مجالاً حيوياً للكيان الصهيوني.
بقي أن نشير إلى أن قيادة السلطة الفلسطينية، التي تراجعت بشكل مخزي عن طرح موضوع الاستيطان في مجلس الأمن، مقابل وعود أمريكية بالحد من الاستيطان، وبالضغط على (إسرائيل) بإعادة أموال الضريبة للسلطة الفلسطينية، تحاول أن تباهي بقرار قمة العقبة، الذي ينص على مناقشة وقف بناء (10000) وحدة استيطانية لمدة (4) شهور وعلى مناقشة وقف تشريع (9) بؤر استيطانية، متجاهلةً حقيقة أن المسألة مرتبطة بنقاش مسألة الاستيطان فقط، وليس وقفه، الأمر الذي حدا بنتنياهو أن يصرح بعد عملية حواره بأن قمة العقبة لم تنص على وقف الاستيطان.

