بينما كان الشباب الفلسطيني يشحذون ارادتهم متسلحين بعظامهم ولحمهم ودمائهم، في مواجهة محتل فاشي لم يبقى وسيلة قمعية إلاّ واستخدمها في مواجهة من عبر حاجز الموت واليأس أملاً بالحياة والحرية والكرامة.
تصر السلطة على الإبقاء على موقعها الرمادي إعلامياً بينما تخوض حرباً إعلامية وسياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية مستترة أحياناً وعلنية أحيان أخرى بهدف كي الوعي الوطني الفلسطيني، ووضع كل المعيقات أمام تطوير الانتفاضة الحالية، وتواصل التعامل مع ثورة الشباب المنتفض على أنها جهة شعبية تعمل السلطة بأجهزتها الدبلوماسية والأمنية على استثمارها ضمن السقف السياسي الذي حددته لها اتفاقات أوسلو الاقتصادية والأمنية.
ولعل ما لحظه المراقبين لسلوك السلطة وقضية احتجاز جثامين الشهداء الأكرم منا جميعا،ً حمل العديد من الدلالات التي أكدت من جديد على رفض السلطة لأي محاولة للخلاص من روحية اتفاق اوسلو وسياقاته وارتهاناته.
ما جرى أثناء متابعة ومعالجة ملف جثامين الشهداء وتحويلها من قضية نضال وعنوان للاشتباك السياسي والحقوقي والميداني مع الاحتلال الصهيوني- كما يقوم بذلك اهالي الشهداء بالفعل- إلى قضية ( تنسيق) تخص كل عائلة شهيد على حده يجري من خلالها ابتزاز ومساومة أهالي الشهداء على شكل ومواعيد وطريقة تشييع جثامين الشهداء، والالتفاف على اللجنة الوطنية لاستعادة جثامين الشهداء ومطالبها الوطنية والإنسانية.
هذه التجزئة تأتي من ذات الطريقة التي يحكم فيها كل شيء في بلادنا منذ توقيع اتفاقية اوسلو وهيكلة ونظم عمل وفلسفة وجود السلطة الفلسطينية وفقا لروحيتها لا نصوصها فحسب.
هذه الطريقة حضرت في معالجة ملف المحاصرين في كنيسة المهد، وكذلك معتقلي المقاطعة، لم تجلب لشعبنا سوى مزيداً من التشظى والانقسام وكسرت العديد من الخطوط الحمراء التي رسمتها مسيرة العمل الوطني بأبعاد عدد من المحاصرين في كنيسة المهد بناء على الرغبة الصهيونية والتي بقت قضيتهم عالقة حتى اللحظة في إطار السعي لإدخالها في حيز النسيان كما سلم رموز للحركة الوطنية الفلسطينية في المقدمة منهم القائد أحمد سعدات ورفاقه الأربعة للاحتلال على خلفية نشاطهم الوطني المقاوم.
أن ما يجري في معالجة قضية جثامين الشهداء والمحتجزين لدى قوات الاحتلال جاء ليؤكد مرى أخرى بأننا لا يمكن لنا الخلاص والقطع مع اتفاقات أوسلو وملحقاتها الأمنية، طالما استمر العمل بذات العقلية والروحية التي جاءت بها وكرستها على مدار أكثر من عشرين عام، وإلاّ فليخرج أحد المسؤولين ممن قبل دور مساومة أهالي الشهداء بالوكالة عن الاحتلال لينقل لهم شروط الاحتلال لتسليم الجثامين وطريقة تشيعهم، وليجيب عن أسئلة الجمهور ل فلسطين حول مبررات معالجة هذا الملف المقدس بهذه الطريقة المهينة لشعبنا وقواه وعن الأسباب التي وقعت بهم لانتقاء وتقسيم الملف بعيداً عن اللجنة الوطنية لاستراد جثامين الشهداء.
وإن كانت هذه السلطة فعلاً جزء لا يتجزأ من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية فما هي مقدرة المستوى السياسي على تنفيذ قرارات وتوصيات المجلس المركزي الأخير والذي نص صراحة على وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وضرورة القطع مع اتفاقات أوسلو.
استمرار هذا السلوك في ملف جثامين الشهداء وغيره يثير تساؤلات حقيقية حول الجهة صاحبة القرار والسيادة على الأجهزة الأمنية ومقدرتها على وقف التنسيق الأمن.
وأخيراً لقد أجاب شعبنا على خيار التسوية بانتفاض شبابه وخيارات شهدائه التي ستبقى لعنة تطارد كل من ساوم عليها أو حول من أعراس شهدائنا لوسيلة ضغط وابتزاز لذويهم.
وعلى فصائل العمل الوطني والإسلامي أن تجيب وبصراحة من هذا الخيار بعيد من الخطابات الرنانة والشعارات الفضفاضة، مطلوب من هذه الفصائل ترجمة آمال وتطلعات شعبنا إلى برنامج كفاحي قادر على حماية مصالح جماهير شعبنا والوفاء لدماء ووصايا شهداءه.

