مدير مركز دراسات أرض فلسطين للتنمية والانتماء/ تونس
كتابات كثيرة تدور حول المسألة القومية، بعضها يذهب باتجاه وصفي ينضوي على حد عال من التبجيل والتثمين. وبعضها يذهب باتجاه النقد، سواء كان النقد من منطلق البحث عن اليات للتطوير والتقدم والبناء، أو من منطلق الهدم والتقويض. وعلى الرغم من المسافة الواضحة بين تلك الاطروحات مضمونا وغاية، الا ان اغلبها يقع في شرك عدم التقاط مفصل العلاقة بين المسألة القومية كفكرة، والمسألة القومية كحركة، بما يترتب على ذلك من خلط بين الثابت والمتغير. وإذا كان من الصحيح ان المسألة القومية العربية قد ولدت كفكرة في سياق حركتها، الا ان الصحيح أيضا ان الفكرة لم تخلق من عدم، او تسقط على ارض جرداء، بقدر ما كانت توصيفا وتقنينا علميا لما هو سابق ومتشكل على مدى قرون طويلة من الزمن. كما ان عملية التوصيف والتقنين في مرحلة تبلور الفكرة لم تكن ترفا فكريا مجردا، بقدر ماكنت استجابة لتحديات قائمة، الأمر الذي يجعل من الربط بين الفكرة والحركة في تناول المسألة القومية مسألة ضرورية. الا ان ذلك لا يشكل مانعا او عائقا امام الفصل بين الناحيتين من اجل استكشاف الجديد الطارئ، بما يمكن من إعطاء المسألة زخمها الفكري والعملي، خاصة وان الفكري والحركي يغنيان بعضهما البعض. لاسيما وان المسألة القومية في الواقع العربي الراهن باتت محاطة بأسئلة كثيرة ومتنوعة، تبدأ بسؤال الجدوى، ولا تنتهي بسؤال القدرة على الاستمرار باتجاه تحقيق الأهداف والشعارات التي رفعتها على مدى عقود طويلة من الزمان.
أولا: المسألة القومية كفكرة: تتلخص المسألة القومية كفكرة في تعريف المصطلح المحدد للأمة العربية بوصفها النتاج الطبيعي للتراكمات التاريخية لكل الحضارات السابقة، بأبعادها الثقافية والاقتصادية، التي بناها الانسان وتجسدت كوقائع ملموسة على هذه الأرض، بمحدداتها الجغرافية المعروفة، بكل ما تتميز به من تواصل وانفتاح. وبالنتيجة فان المسألة القومية واقع تاريخي له وجود حقيقي وفعّال وتعبيرات واضحة، تتجلى في جميع مستويات الحياة الاجتماعية واليومية للشعوب العربية.
وعلى الرغم من ان المسألة القومية كفكرة تتسم بنوع من الثبات، الا ان ثباتها ليس مطلقا، بما يجعلها غير قابلة للتفكير من جديد، فالفكرة في حد ذاتها تواجه تحديات عديدة في مراحل تاريخية قد تطول المسافة بينها، ولكنها تفرض إعادة البحث وتشغيل الفكر من اجل ضمان فاعلية الفكرة وديمومتها وقدرتها على مواجهة عمليات الاستهداف. وفي ظل الواقع العربي فان المسألة التي باتت تبرز في الآونة الأخيرة تتلخص في ضرورة الانتباه الى ان مفهوم التنوع الناتج عن المسار التاريخي لتشكل الأمة، لا يتناقض مع مفهوم وحدة الأمة، ولا يشكل بديلا لها. وهو الأمر الذي يتم الاشتغال عليه من قبل القوى الامبريالية واتباعها، ويقوم على اخذ هذه الخصوصية او تلك وتضخيمها لتصبح موازية مع الكل، ثم العمل على ان تكون متناقضة ومتصارعة معه. ويمكن ان نلحظ هذا الاشتغال على المستوى الفكري في مصطلح يبدو بسيطا وعابرا من نوع (الأمم والقوميات العربية المختلفة) والذي يسعى الى تقويض المفهوم بادعاء ان كل من المكونات العرقية تشكل امة بحد ذاتها. ان القاعدة الأساسية لنقد ونقض مثل هذه الاطروحات، من الضروري ان تنهض على أساس ان العروبة كإطار جامع ومستوعب للتعددية والتنوع، ذات دلالات ثقافية بالأساس، ولم تعد ذات طابع عرقي ضيق ومحصور في إطار محدد. الأمر الذي يفتح المجال لتجسير التناقض / التعارض بين الطابع المشترك بين كل أبناء الأمة، وبين الذاتية والخصوصية التي تتجلى في واقع تاريخ المجموعات الإنسانية بشكل واضح، مما يستوجب طرح المسألة القومية في حدها الفكري باتجاه ديمقراطي وإنساني قادر على خلق التوافق والتناغم بين العام والخاص.
ثانيا: المسألة القومية كحركة: تتبدى المسألة القومية كحركة في مجموعة الأطر والادوات السياسية التي تعتمدها او تعتمد عليها الأمة من اجل تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المنبثقة عن الفكرة ذاتها، ومواجهة التحديات التي تنتصب امامها وتعمل على تقويضها. ومن الملاحظ ان النقد غالبا ما ينصب على الجانب الحركي ليأخذ في طريقه الجانب الفكري، وذلك من خلال التركيز على حالة العجز والتشتت التي تعانيها القوى القومية بوصفها التعبيرات الأساسية عن الجانب الحركي للمسألة القومية، والوصول من خلال ذلك الى القول بان الفكرة ذاتها لم تعد صالحة، او تجاوزها العصر. ومن الجلي ان الجانب الحركي للمسألة القومية يتسم بكونه الأكثر مرونة، وقابلية للتغيير منذ ظهور القومية العربية كحركة تحرر واستقلال قومي، من نير الإمبراطورية العثمانية تحت لواء الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين. ويتبدى الان في مختلف القوى القومية المنتشرة على الساحة العربية بعنوانيها واسمائها المتعددة.
ثالثا: ما هو الواقع؟ ما هو الجديد؟ تتبدى الإشكالية التي تواجهه المسألة القومية في بنيتها الحركية، وليس اطروحتها الفكرية، وذلك لا يعني ان الاطروحة الفكرية قد بلغت حد التمام الذي ليس بعده مجال للتطوير. فهناك قضايا عديدة تحتاج الى إعادة نظر وتناول، وانما المقصود ان الجانب الحركي في حال صلابته وصحته سيمضي بالضرورة نحو الانتباه الى الجانب الفكري، وسيعمل من اجل معالجة قضاياه التي تستدعي المعالجة. لكن المشكلة تتلخص في ان الواقع الحركي للمسالة القومية ليس على تلك الدرجة من الصلابة التي تمنحه القدرة على تلك المعالجة. ولا يحتاج الامر الى اجتهاد كثير، وقدرة ثاقبة على الملاحظة ليدرك المرء ان المسألة القومية على المستوى الحركي تعاني من عديد الإشكاليات التي يمكن رصد أهمها فيما يلي:
1 ــ التحدي التنظيمي: تتجسد الحركة القومية في بنى تنظيمية منشرة تقريبا في اغلب البلدان العربية، لكنها تعاني من نوعين من التشتت، الأول التشتت الداخلي أي على مستوى ال قطر الواحد للبنى التنظيمية، هذا التشتت الذي يصل في حدوده الدنيا الى وجود أكثر من تنظيم قومي في بلد واحد تحت حجة / تيارات مختلفة/ وفي حدوده القصوى وجود أكثر من تنظيم قومي داخل البلد الواحد وجميعها تحمل ذات الاسم بزيادة او نقصان كلمة. والثاني التشتت الخارجي ويتبدى في تفكك العلاقة بين تلك القوى على مستوى الوطن العربي، وفي عدم القدرة على الانتظام ضمن إطار جبهوي واحد قادر على تنظيم الجهد، وان وجدت هذه الأطر فهي تسميات بلا مسمى في اغلب الأحيان. وكل ذلك يحد من الفاعلية النضالية لتلك القوى التي بات كثير منها يكتفي بالاسم والعنوان القومي بديلا عن الممارسة الفعلية.
2 ــ تحديات المهام: تشكل المهام المطروحة امام القوى القومية في جوهرها، تطويرا للاستجابة لذات التحديات التي انبثقت امام الحركة القومية في بداياتها، متجسدة في الهجمة الاستعمارية، ولكن بعد ان استطاعت تلك الهجمة من تحقيق مجموعة إنجازات متمثلة في تكريس الدولة القطرية التابعة، والعمل على تحويلها في الراهن السياسي الى موقع جديد لتموضع للكيان الصهيوني الذي تم استيلاده بالتوازي مع عملية استيلاد الدولة القطرية، بما يستدعيه ذلك الى تفكيك وتفتيت عراها الداخلية، بعد تفكيك عراها القومية، من اجل توفر كل عناصر الاطمئنان والاستمرار والهيمنة للكيان الصهيوني. ذلك يطرح ضرورة التوقف امام الشعار الثلاثي الجامع بمفرداته الثلاثة، تحرير الأرض والقضاء على التبعية والوحدة العربية. لا يشك أحد في صحة مفاصل الشعار الثلاثة التي تبقى الأمة معطوبة من دون تحقيقها، ولكن ماهي الاشتقاقات العملية اليومية لهذا الشعار التي يمكن ان تنزل به من اليافطة المعلقة الى خطى الناس وحناجرها وقبضاتها في شوارع ومواجهات النضال اليومي، بما يعنيه ذلك من قدرة على الاستجابة للتحديات بمستوييها العام والتفصيلي. وبمعنى ادق كيف نشتق من الشعار العام مهام يومية محددة، تستطيع القوى القومية من خلال الاشتغال عليها تجسيد حضورها الدائم في ميدان الفعل النضالي والجماهيري.؟
3 ــ تحدي التقييم: بات واضحا ان الساحة ليست خالية على القوى القومية فقط، هناك قوى أخرى موجودة في الساحة. الإشكالية الأكثر وضوحا في الراهن السياسي هي القوى ذات الطابع الإسلامي، والتي كثيرا ما توصف بقوى الإسلام السياسي، بغض النظر عن دقة المصطلح من عدمه. ومن الملاحظ ان هناك خلطا وتعميما في قراءة هذه القوى وبالنتيجة في تحديد الموقف منها. وإذا كان من الصحيح ان بعضها يقف في الموقع النقيض تماما، الى حد انه يذهب في تعريق القومية العربية بالقول: " حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين. وهي صدى للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوروبا". لكن الصحيح أيضا يستدعي امتلاك القدرة على فهم وقراءة كل ساحة بخصوصيتها وعمقها التاريخي، بل وقراءة كل قوة من هذه القوى بخصوصيتها وساحتها وممارساتها. ان الخارطة التفصيلية إذا لم تكشف عن مواطن ومواقع استفادة، فستكشف عما يسمح بخوض الصراع ضد هذه القوى دون الانزلاق الى الخندق الذي تريد، والذي يتحول فيه خطاب الصراع الى اصطدام مع وجدان ومعتقدات الناس.
خاتمة:
ان التقاط مفصل العلاقة بين الفكري والحركي بوصفهما حدي المسألة القومية يشكل أرضية ضرورية لنقل المسألة القومية برمتها من الحضور الكامن على مستوى الوجدان العام، الى الحضور الفاعل على مستوى الممارسة اليومية النضالية الكفيلة بتحقيق الشعارات التي مضى على رفعها عقود طويلة ومازالت مجرد يافطات مرفوعة، وفي هذا السياق يشكل التقاط القوى القومية للتحديات المطروحة امامها مدخلا لابد منه للإجابة على التحديات المفروضة والخروج من المأزق الراهن.

