حان الوقت لتأخذ موسكو بقيادة بوتين دورها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما هو في الحالة السورية، بهدف كسر التفرد الأمريكي الإمبريالي الذي طال أمد احتكاره لمساعي التسوية، حيث وصل أخيرًا هذا التفرد في عهد الرئيس السابق ترامب إلى حد شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وكذلك في قضية القدس واعتبارها عاصمة موحدة للكيان، وكان ذلك من نتائج استمرار مراهنة العقلية السياسية العربية على الدور السياسي الأمريكي. وكانت هذه المراهنة قد بدأت بشكل ملحوظ بعد حرب أكتوبر عام 73 وما أعقب ذلك من مسعى سياسي ودبلوماسي نشط، من قبل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الشهير كيسنجر، صاحب نظرية الخطوة خطوة، تكللت بعقد اتفاقية كامب ديفيد، التي اعترفت بها أول دولة عربية بالكيان الصهيوني وشكل ذلك أول انتصار استراتيجي للمشروع الصهيوني وللسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لأنها فتحت الباب لتحول الموقف العربي جذريا من مسألة شرعية الكيان الذي أقيم كجزء من مخطط استعماري في المنطقة...
الآن رغم الأهمية الدائمة التي توليها روسيا للتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، إلا أن هذه الأهمية استمرت تتسم بموقف أخلاقي من دولة عظمى لها مسؤولياتها الدولية، وقد ظل هذا الموقف بدون تأثير سياسي ضاغط على الكيان الصهيوني، لأنه موقف يقوم أساسًا على التوازن بين المحافظة على وجود الكيان الذي اعترف به الاتحاد السوفييتي السابق منذ تأسيسه عام 48 وبين حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وربما العامل الذي كان من شأنه عدم تطوير هذا الموقف لصالح الجانب الفلسطيني هو ضعف قوى اليسار الفلسطيني بشكل عام، مما جعل الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، تميل بشكل دائم للحلول السلمية التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية وبتوافق أيضًا مع سعي قوى الاعتدال العربية.
السؤال هو: هل تبقى روسيا في ظل المتغيرات غير المسبوقة التي تكشف عنها الحرب الروسية الأوكرانية وبداية تشكل نظام دولي بأنها القطب الأعظم في المعادلة الدولية، التي تقوم على أساس تعدد الأقطاب..؟ وهل تبقى أسيرة لموقف التوازن بين طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ أم تنغمس في هذا الصراع مع الحل السياسي العادل الذي يلبي مطالب الشعب الفلسطيني الوطنية، وذلك كترجمة واقعية لانتهاء الهيمنة الأمريكية الإمبريالية في الأزمات السياسية الدولية؟

