صدفةً... أغراني العنوان لمشاهدة هذا الفيلم الخيالي: "نازيّون في مركز الأرض"، ورغم خياليّة الفيلم، لكنّه لم يخرج علينا بكائناتٍ فضائيّة، كما عوّدتنا السينما الهوليوديّة، بل الذين ينزلون من الفضاء، هم بشرٌ لا نعرف إن كان من الصواب القول: إنّهم بشرٌ مثلنا، لكن في تفاصيل الفيلم نكتشفُ أنّهم كانوا بشرًا يعيشون بيننا، لكن بفعل الحروب الهوجاء التي تدور بين البشر، وكثرة الغزوات المسعورة التي حرقت الأخضر واليابس، فقد هربوا من الكرة الأرضيّة منذ أكثر من سبعة عقود، واستقروّا في غيتو مُغلقٍ خاصٍّ بهم داخل الفضاء، وكلّهم أملٌ أن يعودوا مجدّدًا إلى الأرض.
هذه الفانتازيا السينمائيّة جعلتني أتساءل لماذا الأرض ومن هؤلاء؟ خاصّةً عندما عرفت أن هذه العودة لن تكون إلّا غزوًا جديدًا، غزوًا فضائيًّا لكن بأيادٍ بشريّة، يأتينا من الفضاء لكن كلّ ما فيه أرضي، وعلى شيءٍ من استرداد ما كانت عليه فئةٌ من البشر، وفي الزمن الغابر كانت على سطح هذه الأرض، في غزو العالم وإخضاعه كاملًا تحت أحذية الجنود المدجّجين بأسلحةٍ فضائيّةٍ حديثة، يسلخون الوجوه ويزجون فروات الرؤوس، لهم متعة القتل الحداثوي؛ ويزينون صدورهم بشاراتٍ نازيّة. طوابير من البشر تمشي سيرًا على الأقدام إلى معتقل أوشفيتز. تذكّرت قصصًا من يوم النكبة الفلسطينية، كيف اقتلعوا من الأرض، روى لاجئٌ في المخيّم أنّه كان يصعب التفكير في المشي، لم يكن يشعر بقدميه، فعندما يترك الإنسان أرضه بالقوّة، ترتبط أقدامه بطلقات الحرب، بالفعل، مثل الذي كان يهيمون في الأرض، التقطت صورًا فوتوغرافيّة، لوجه مشحونٍ بالضياع يعني دون أرض، يتحوّل إلى الجسد الإنساني الجميل إلى هيكلٍ عظميّ، يرتفع ويحلّق في هواء المنفى، كلّ من نزح على عجل، كان يركضُ بملابس النوم الخاصّة به، ولا يسمع سوى نباح كلابٍ ضالة. هناك شوهد رجال الغستابو ينهبون مكتبه بناءً على أوامر جوبلز، وزير الدعاية النازية، يترجم مقولته الشهيرة: "كلما سمعت كلمة ثقافة تحسّست مسدسي" ويستجيب الضابط برتبة رفيعة فيمزق كتابًا لمحمود درويش، بعدما قام مترجمُ الجيش بقراءة قصيدة:
علَى هَذِهِ الأَرْض مَا يَسْتَحِقُّ الحَياةْ: تَرَدُّدُ إبريلَ، رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي
الفجْرِ، آراءُ امْرأَةٍ فِي الرِّجالِ، كِتَابَاتُ أَسْخِيْلِيوس، أوَّلُ الحُبِّ، عشبٌ
عَلَى حجرٍ، أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ، وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ.
بدأت التّعامل مع ما تقدّم بجديّةٍ مفرطة، وعلى قدر ما من التجهّم، لم يعد الأمر مدعاة للضحك، ولم أعد أحتمل أكثر هذا التناقض بين الكآبة والسخرية، بين الضحك والبكاء، وهذا الخيال الواقعي الجارح في تقديم هذا الغزو في قالبٍ كوميديّ، وهو ليس إلا فيلمًا يمزج الخيال العلمي بالكوميديا، ولعلَّ هذه الخلطة كانت ناجحةً في إشغال مخيّلتي، وإن كان الفيلم فكّر حقًّا بما كنت أفكّر فيه، ورموزه تخفي الكثير من المعاني ضمن هذا السياق، لا بل إنّ الأمر يتعدّى ذلك ليكون الفيلم بمثابة نظرةٍ مستقبليّةٍ ساخرةٍ لما ستصير إليه دولة "إسرائيل" اليوم أو ما هي عليه الآن، طالما أنّ ما نشاهده بوصفه استشرافًا مستقبليًّا ولا يأتي من العدم.
"السيطرة التامة على كامل الأرض" هذا هو هدف الغزاة منذ أن نشأت الحركة الصهيونيّة، وإلى الوقت الحاضر، الأرض هي العمود الفقري للغزو الصهيوني، واحتلال الأرض عام 1948، ثمَّ عام 1967، والاستيطان المستمرّ في الضفّة الغربيّة، معركة الأرض الذي أشعل الشرارة الأولى في يوم الأرض في 30 آذار عام 1976، ولم تتوقّف مواجهات عارمة رفضًا لمخطّطاتٍ إسرائيليّةٍ لمصادرة عشرات آلاف الدونمات تمهيدًا لبناء مشاريعَ استيطانيّةٍ على أراضيهم، وتحت ذريعة "تطوير الجليل" وتطوير النقب المسمّى بـ"مخطّط برافر". أعادني فيلم نازيون في مركز الأرض، إلى جنوح الصهيونيّة بطريقةٍ نازيّةٍ بالتعامل مع الأرض مركزًا روحيًّا للبداية الفظيعة، ونظرهم أنّ الشخصيّة اليهوديّة أصيبت بالذبول والطفيليّة؛ لأنّها فقدت علاقتها بالأرض الزراعيّة وبأيّ عملٍ منتج.
لكن النازية ليست من الفضاء، بل هي من قلب الحضارة الغربيّة ولها أشقاء وأحفاد جدد، والصهيونيّة شبيه لها، وذلك ما يفيد بأنّهما (النازية والصهيونيّة) حركتان عنصريتان أوروبيتان الأصل والمنشأ وانطلقتا من نظرية التفوق والنقاء العرقي، وعملتا على مقاومة اندماج اليهود وعزلهم وتهجيرهم إلى فلسطين، وأكّد ذلك فيلسوف النازية الفريد روزنبيرغ في كتابه «محاكمة اليهود في العصور المتغيّرة» على هذا القاسم المشترك بين النازية والصهيونيّة، وكتب يقول: «يجب تقديم العون الفعال للصهيونيّة حتى يمكن نقل أكبر عددٍ من اليهود الألمان سنويًّا إلى فلسطين". والصهيونيّة لم تنزل من الفضاء بل من حركةٍ عنصريّةٍ أوروبيّةٍ لتغزو مركز الأرض التي قامت على ادّعاءٍ دينيٍّ صهيونيٍّ استعماريّ، يرتكز على "وهب الله الأرض لليهوديّ" وتماهي النازية في الصهيونية. وهذا لا يتّسق مع الطبيعة الاستعماريّة الّتي شهدتها المنطقة، الّتي كانت تنطلق من مبدأ أنّ المستعمِر هو الّذي صنع الأرض، لذلك لا يسعد المستوطن بن غفير أكثر من حرق بلدة حوارة، لكنّها لن تكون الأولى ولا الأخيرة؛ وهو يحلمُ بتحقيق حلمه منذ أن حدّثه جدّه عن الهولوكوست، لا يفرحه شيءٌ أكثر من قرار المجلس الوزاري عندما صادق على طلبه بالموافقة على تحويل 9 بؤرٍ إلى مستوطنات، ويخرج منشرحًا مصرّحًا"... ولكن هذا لا يكفي ونريد المزيد".. هوايته قتل الشهداء مرتين، لا يشفي غليله إلا احتجاز جثامين، ولا هوسه السادي إلا المطالبة بإعدام الأسرى وبالكرسي الكهربائي... نازيٌّ جديدٌ لا جذور له، لا تعرفة الشوارع العتيقة ولا بطاح الأرض الخضراء، لا يطيق عشبها ويحقد على أعشابها، لذلك ينتقم من هذه الأرض سلبًا ونهبًا وتهويدًا، كما يعبث فيها تقتيلًا وتقطيعًا وتجزئةً ونسف بيوت؛ لأن الأرض كنايةٌ عن قيمة الوطن الفلسطينيّ ومحور الصراع وأسلوب حياة كاملة، مرتبطة بالبنية النفسيّة والجسديّة لشعبٍ عربيٍّ فلسطيني.
بعد الانتهاء من الفيلم، صادفت ذكرى يوم الأرض الخالد، والأفكار لم تهدأ، لقد ارتفعت تجاه السماء، وعادت إلى الأرض، وذهبت غربًا وعادت شرقًا، ولكن عندما ترى الغزاة وعصابات الاستيطان تلتهم الأرض، أتخيّل هتلر الإسرائيلي ابن النازية مازال حيًّا، وكلّ ما يقوم به لإعادة بناء الهيكل ليس سوى خرافة، فهو يتحيّن الفرصة لمعاودة غزو العالم مجدّدًا؛ الأمرُ الذي قد نشاهدُهُ يومًا في الفيلم عن جيشٍ يرتدي الزيّ العسكريّ النازي، والدرّاجات ذات المقعد الجانبي الإضافي، وسيارات «فولكس فاغن» إضافةً إلى المسدّسات والرشاشات التي استخدمها النازيّون في الحرب العالميّة الثانية، ولنشاهد في الوقت نفسه ما له أن يكون عتادًا حربيًّا على اتّصالٍ بأدواتٍ أخرى وأنواعٍ معدّلةٍ من الرشاشات التي ستكون جميعًا وفية للموديل النازي.
وستذاع عبر القنوات والفضائيّات التلفزيونيّة رسالةٌ إلى العالم مصدرها مستوطنة في ضواحي القدس ، هذه الرسالة هي لم تكن إلا خطابًا لهتلر، وسرعان ما تندلعُ الحرب في سبيل الحق، وتسمع تحية وسط الضجيج «عاش هتلر»، لنتقلب إلى "مات هتلر" قبل أن يعلن بن غفير ترشحه أمينًا عامًّا للأمم المتّحدة بعد أن نال جائزة نوبل بوصفه ممثّلًا للكهانية العنصريّة، وهو يعطي دروسًا في علم الجريمة والاحتلال والفاشية التي تتسيّد كلَّ شيءٍ في مجتمعٍ يجري تحشيد جميع أفراده في خدمة غرضٍ واحدٍ يتمثّلُ بمحاربة أبناء الأرض. لقد أوصى قادة الصهاينة أن يذهب يهودي المنفى إلى فلسطين؛ ليعمل بنفسه ويزرع أرضها بيديه، فيزيل ما علق بذاته في الشتات، ويكون آخر اليهود في المنفى.
وهكذا، فإنّ اليهودي ينبغي أن يفلح الأرض بيديه لا ينتدب عاملًا عربيًّا، وإن فعل ذلك فإنّه يتنازل عن الأرض ويصبح لديه قابلية للتفريط بها، بل يكون شريكًا في هدم الفكرة الصهيونيّة من أساسها. ومن هنا تظل الأرض ليست مجرد مناسبةٍ بل دعوةٌ للتجذّر بها، أي أن تلامسها بنفسك. ثم اقتحام الأرض، أي أن تزرعها بنفسك. أوّلًا: إنّ الصراع مع الصهيونيّة وتجسيدها السياسي هو على امتداد أرض فلسطين التاريخيّة. وثانيًا: إنّ أفعال العنصريّة الصهيونيّة ستضع كلّ الشعب الفلسطيني أمام تحدي الاشتباك التاريخي الشامل مع دعاة "اليهود فوق الجميع" النسخة الجديدة للنازية "ألمانيا فوق الجميع"، و"أرض الميعاد" في مواجهة "أرض الأجداد". وثالثًا: إنّ الوحدة الوطنية والشعبيّة والإنسانيّة على مساحة الحريّة الكونيّة هي ناظم ونسق الصراع المتكامل والمركب هو العامل الأقوى في مسيرة صراعنا مع العدو الصهيوني.
قبل أن ينتهي العرض الأخير لفيلم "نازيون في مركز الأرض" إنهم في مركز الأرض، يقيمون الحواجز ويرفعون الجدران يفرقون التلاميذ عن مدارسهم والفلاح عن أرضه، إنهم يقتلعون الزيتون، لذلك لا بدَّ أن تستيقظ الأرض، أن تتمرّد، أن يولد الرفض، النازيون قد عادوا من الرايخ الثالث إلى الهيكل الثالث! حان الوقت لهزّةٍ كبيرةٍ مصحوبةٍ بهديرٍ مخيف، ويلفظهم مركز الأرض، لغة كل أبناء الأرض تنطلق في صرخةٍ واحدةٍ وقبضةٍ واحدة، تبشّر بالنصر على هتلر الإسرائيلي؛ أو على النازي الأخير.

