Menu

تحليلالهجومُ الصاروخيُّ في الشمال ليس منعزلًا: هل يصعد نتنياهو شجرةَ حربٍ لا يستطيع النزول عنها؟

خاص بالهدف - أحمد مصطفى جابر

لا يمكن بحالٍ من الأحوال فصل الهجمة الصاروخيّة على مستوطنات الاحتلال في شمال الضفة الغربية، عن الواقع الجيوسياسي-العسكري الذي بات يشكل المنطقة، ويحدد السمات الرئيسية للمرحة القادمة.

مرحلة، يمكن القول باختزالٍ شديدٍ إنها مرحلة الحرب، ولكن العدو الصهيوني يدرك تمامًا أنها لن تكون حربًا عادية، وأنه سيواجه قوى جديدةً كليًّا بالمعنى التنظيمي والمهاراتي، وهو ما عبر عنه محللون صهاينة بوضوح، في الحديث عن تغير المقاومة وقدراتها الجديدة، مقابل تواتر التقارير عن عجز الجيش الصهيوني، وضعف مهاراته التشغيلية، ونحن هنا لا نتحدث عن القوة النارية؛ إذ يعلم الجميع حجم النيران التي يمكن أن تنتجها أسلحة العدو، ولكن الصهيوني يعلم أن هذا ليس كل شيء. وكذلك يدرك العدو ذاتيًّا أنّ موضوع هوية الطرف مطلق النار من جنوب لبنان ليس مهمًّا، بل هي مجرد ألعاب ذهنية يمارسها العدو الغارق في تحليل المقاومة بما يشبه عمل محلل نفسي ملول، ومملّ في آن معًا.

كما أنها ليست منفصلة، كذلك فإن الهجمة من جنوب لبنان، وإن كانت محدودةً زمنيًّا وجغرافيًّا، حتى لو تجاوزت الأحداث غدًا أهميتها، إلا أنها تظل تعكس مؤشرًا مهمًّا على تحوّلٍ استراتيجيّ يأتي ببطء، ويغير معادلات المواجهة مع المحتل الصهيوني، وهي أيضًا تتكامل بالتأكيد مع المواجهة المحتدمة في الضفة واللد ومدن الداخل وبالأساس في القدس ومع صواريخ غزة، وهذا الانفتاح للجبهات - الذي كما قلنا ربّما ولا يضر أن يكون مؤقّتًا حاليًّا ومحدودًا - إضافةً إلى تحليلات الفشل الصهيوني في الهجمات على سوريا مؤخّرًا وظهور شيءٍ جديدٍ في أفق المواجهة في سماء سوريا لم يتم إدراكه عسكريًّا بعد، ولكنه مؤشرٌ آخرُ مهمٌّ واستراتيجيٌّ شهدنا صداه في شلل الرادار في مطار بن غوريون أول من أمس.

في النتيجة يدرك العدو الصهيوني أنه متّجهٌ نحو صراعٍ متعدد الأوجه والجبهات، لا يقل عن حرب، وهذه الحرب ربما بدأت أحطابها تتقد منذ العام الماضي في بئر السبع يوم نفّذ الفدائي محمد أبو القيعان هجومه الفدائي الذي أسهم في قلب معادلات فهم الواقع في الذهن الأمني الصهيوني، وليس اليوم بالذات. ومنذ ذلك الوقت فإنّ التصعيد يسير بوتيرةٍ حثيثة، لايستطيع العدو تدارك معانيها.

ما يسهم في هذه الرؤيا، أن العدو في ركضه نحو حربٍ لا يريدها ويسعى لتجنبها، ويعتقد أنه يحتاجها أيضًا، يتلقى إغراءاتها  لتخرجه من أزمته الداخلية، فيما يقف مترددا في مواجهة خطورتها  وعدم جدواها، وهو يفسر أن الأزمة السياسية التي يمر بها في الأشهر الثلاثة الماضية "تشجع" أعداءه  على مهاجمته، خصوصًا مع تقويض قوة الردع التي يعمل الكيان الصهيوني جاهدًا للحفاظ عليها منذ حرب لبنان الثانية عام 2006، وقوة الردع هذه تجابه تهديدًا خطيرًا لا يقلّ استراتيجيّة، يتمثل في تقويض الإجماع القومي الصهيوني بفعل الأزمة السياسية. حيث بصرف النظر عن القوة العسكرية للكيان، التي تم الحفاظ عليها بالتأكيد، بفضل الدعم الأمريكي الهائل في الأساس، فإنّ جميع المكونات الأخرى للأمن قد تضررت بشكلٍ كبير. ينعكس هذا ميدانيًّا ليس في هجمات المقاومة الكبيرة على كل الجبهات، بل أيضًا زيادة في الجرأة مثل طائرات دون طيار، ربما مسلحة، تخترق الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي المجال الأمني للاحتلال. وحتى إرسال التهديدات عبر الحدود، مثل الهجوم على مفترق مجدو – الذي ما زال غامضًا رغم الشرح المثير للسخرية من قبل العدو- في آذارمارس من هذا العام، وهذا برأي العدو يشير إلى زيادة الجرأة والأهم من ذلك، المخاطرة لأن أيًّا من هذه الأحداث قد يكون بداية الحرب القادمة.

في تفاصيل حدث اليوم:

ظللت صواريخ المقاومة التي انهمرت بالعشرات من جنوب لبنان على مستوطنات العدو شمال الضفة الغربية، على احتفاله بعطلة عيد الفصح، هذا الاحتفال الذي دشنه بهجومٍ إجراميٍّ سافر على المسجد الأقصى، بشكلٍ وحشي، عكس عقيدة المحتل بأنه يستطيع أن يفعل أي شيء في أي وقت دون حساب.

ولكن الحساب يأتي، والرد الأولي من المقاومة الذي اعتقد العدو أنه قمعه بقصف غزة، لم يكن سوى جزءٍ من الرد، عبر صواريخ الشمال في رسالةٍ واضحةٍ إلى العدو وداعميه بأن الأمر لن يجري هذه المرة كما تريد، وإن قواعد اللعبة قد تم بالتأكيد تغييرها.

كما جاء في الأنباء، فقد أطلقت صواريخ اليوم (الخميس) من لبنان على العديد من المستوطنات الصهيونية على الحدود الشمالية، بما في ذلك مستعمرات شلومي وباتز وحانيتا وغورين وروش هنكارا وعبدون وغيرها. وزعم العدو أنه اعترض بعض الصواريخ فوق شلومي ونهاريا. بينما نقل مستوطنون صهاينة في الشمال أنهم سمعوا بوضوحٍ أصداء انفجاراتٍ قويّة. وبحسب التقديرات الصهونية ، فإنّ تنظيماتٍ فلسطينيّةً من جنوب لبنان تقف وراء إطلاق النار، وليست هذه المرة الأولى. وأفادت تقارير العدو أن الصواريخ التي انهمرت على المستوطنات هي من طرازي غراد وكاتيوشا، ما يعيد لذاكرة العدو ومستوطنيه الهجمات المماثلة طوال فترة السبعينات.

بعد القصف المدفعي الذي نفذه جيش العدو على ما زعم أنه مصادر إطلاق الصوريخ صرح مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه يتم إطلاعه بانتظام على الأحداث الأمنية في الوقت الحالي وسيجري تقييمًا للوضع مع رؤساء جهاز الأمن، بما في ذلك وزير الحرب المقال يوآف جالانت ، الذي ذكر أنه "أرسل تعليماتٍ أوليةً إلى رئيس الأركان والجهاز الأمني".

يذكر أن هذا الهجوم هو الأول بهذه الكثافة منذ نحو عامين في آب / أغسطس 2021 ، عندما تم إطلاق أكثر من 20 صاروخًا على شمال الجولان وإصبع الجليل، ومنذ ذلك الحين تم إطلاق صاروخ واحد.

يبقى الوضع متوترًا، وبانتظار رد العدو على ما يحدث، فإن  أمامه خيارين، إما أن يبتلع الضربة ويصمت؛ بسبب وضعه الداخلي المتأزم وعجزه الفعلي عن خوض حربٍ متعددة الجبهات، بما فيها الجبهة الداخلية، أو أن يخوض مغامرةً جنونيةً؛ يصعد فيها شجرة حربٍ لن يستطيع النزول عنها، في ظل أزمةٍ سياسيةٍ تمزق إجماعه القومي، وجيشه، وفي مواجهة أعداء يتعلمون من الماضي ويتحدون معًا، ويدركون نقاط ضعفه وعوامل فشله.