هي لحظة خاطفة، تنقلنا من زمن إلى زمن آخر، فيه تتوقف الحياة عن فعلها اليومي، يتوقف فيها كل شيء، تحيلنا إلى مشهد يتحرك ببطء، في الطريق إلى المشفى أُمني النفس، أن في الأمر خدعة، وأن الخبر مفتوح على كل الاحتمالات، لربما كانت غفوة صغيرة، يعود فيها أحمد لعائلته وأصدقائه، بعد امتحان الموت.
الأمنيات تأخذني بعيدًا، لكن تصديق الخبر لم يكن في أي حال من الأحوال على لوائحها، فقط البحث عن معجزة لن تأتي لتعيدني إلى الزمن الأول، زمن أحمد ولقائتنا الدائمة والمتجددة.
في يوم العيد ولأننا غريبين في بلد غريبة، كنا نلتقي، ويتلاقى الأبناء، ولم يكن يفصلنا عنه سوى يوم واحد، يوم واحد فقط، لكننا خرجنا من المشفى بعد ساعات قليلة، ومعنا أحمد محملًا في نعش، وأوراق الدفن، لم تكن تلك الأوراق في هذه المرة، مقالة جديدة لأحمد، يكتبها وهو يرقب الأعداء في كل يوم، كنا اتفقنا على مشترك بيننا وبلهجة عامية؛ أين سيذهب الأعداء "كاعديلهم على السنسلة"، من ٧٥ سنة ونحن نجلس عليها، وذات يوم "كان أحمد مؤمنًا اعتقادًا جازمًا به"، إننا سندخل البيت ونحصي الغرف، غرفة غرفة، ونعيد ترتيبه، كما ساحته التي سنملأها بالزهور، ونترك للربيع استكمال المشهد، وبعدها سنتقلع قبور آبائهم الأوائل من بين حقول زرعنا.
مات أحمد جابر والصورة واضحة، لا يعكرها تهريج السياسيين والمثقفين المنبطحين من أبناء جلدتنا، "كله لغو" وجبال الخليل ماثله أمام عينيه، يراها رؤي العين؛ أحمد الذي ولد وعاش في المنافي، كان يسكنها وتسكنه، يعرف أهلها، وعائلتها وعشائرها؛ يطل على أفراحهم وأتراحهم، ويعلم الأبناء صلاة العودة إلى الديار.
أحمد المثقف الكاشف لزيف الآخرين المدعين؛ عاش حتى اللحظة يدافع عن أهمية ودور المثقف في معارك الحرية والتحرير، بعد أن ملأها أشباههم بالعي، وقلة الحياء، لهذا دفع ضريبة الموقف أضعافًا مضاعفهً، والذي يعرف أحمد حق المعرفة؛ أنه لم يساوم لا بالكبيرة ولا حتى بالصغيرة؛ لم يفتح هذا الباب أصلًا، لهذا وطن النفس على البقاء؛ بعيدًا عن كل ما تقدمه المؤسسات من مغريات، وبقي ملتصقا بالمحبوبة: الأم فلسطين.
عندما نقول: أن أحمد جابر كان فلسطينيًا، لا نقصد الانتماء البيولوجي والعائلي؛ كان فلسطينيًا بقدر ما كانت تريد فلسطين منه، على عكس من اداروا ظهرهم لها، أو تعربشوها بحثًا عن جاهٍ أو سلطةٍ ومالٍ، لهذا كان عليه دومًا تحمل أثر الموقف، ولأنه الباحث عن الحرية؛ كان المعادي الموضوعي لأي سلطة كانت، حتى لو احتكمت لمعايير عادلة.
أحمد كان يميز ما بين العدو والصديق؛ تمييزًا واضحًا، وكما للأعداء مراتب، هم أيضا الأصدقاء؛ الصديق هو من يجاري أحمد في تفاصيل حياته اليومية، في علاقة متبادلة، هكذا كنت أفهم رؤية أحمد لموضوع الصداقة، إضافة إلى المعيار الأكبر والكاشف وهو فلسطين؛ فأحمد صديق كل من انتمى لفلسطين؛ انتماءً حقيقيًا...
دائمًا وأمام كل عملية فدائية، كان أحمد يكتب "عاش الفدائي"؛ اليوم عرفت أن الحياة بالنسبة لأحمد مرتبطة بالموقف، وربما أحياء بيننا، لكنهم أموات، ومن مات من أجل فلسطين عاش؛ عاش أحمد... عاش.

