Menu

في السودان الصراع على السلطة السياسية خارج نطاق الانتماء القومي

محمّد جبر الريفي

من الطبيعي أن يحدث الصراع المسلح الجاري الآن على السلطة السياسية في السودان في إطار معسكر واحد لا تتناقض سياسي أو فكري بينهما، وهو إطار الجيش، وذلك لأن الانقلاب على نظام البشير السابق، قد تم بتحالف قوتين داخله؛ إحدى القوتين القوات المسلحة التي يقودها الجنرال عبد الفتاح البرهان، والأخرى قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. وهكذا أصبح النظام السياسي السوداني محكومًا منذ نشأته برأسين؛ كل منهما له طموحاته في السيطرة على السلطة السياسية، خاصة وقد تم إبعاد القوى المدنية، ممثلة بالأحزاب السياسية والنقابات، خاصة نقابة المحامين والمهنيين وعدم مشاركتهم في نظام الحكم، الذي أصبح خالصًا للعسكر، الذي يقودهم الفريق البرهان الذي ارتمي في أحضان الكيان الصهيوني العنصري العدواني وعقد اتفاقية تطبيع معه   التي وجدت الرفض من الشعب السوداني بكافة قواه السياسية..

لقد كان الأمل الذي انتظرناه كجماهير عربية تهمها مصالح الأمة العربية في مواجهة تحديات التحالف الأمريكي الإمبريالي الصهيوني ومخططاته في السيطرة على المنطقة العربية وإبقائها ضمن واقع التخلف الحضاري والتجزئة السياسية، هو أن يجري الصراع بين الأحزاب السياسية والقوى المدنية في السودان كجبهة واحدة؛ لإسقاط النظام السياسي العسكري الحالي بقيادة البرهان وحليفه حميدتي، اللذان بتصارعان كلاهما الآن على سلطة استبدادية؛ انحرفت بعيدًا عن مصالح الشعب السوداني، حيث أزمة الحكم، تدار من قوى خارجية يهمها أن ينسلخ السودان عن ارتباطه القومي؛ فالسودان الذي عقد في عاصمته الخرطوم مؤتمر القمة بعد حرب يونيو حزيران 67، والذي عرف بمؤتمر اللاءات الثلاث: لا تفاوض ولا اعتراف ولا صلح مع الكيان الصهيوني العنصري العدواني؛ تدار فيه الأحداث السياسية العسكرية خارج نطاق الانتماء القومي. وهنا نشير إلى إمكانية حدوث الوساطة الإسرائيلية باقتراح أمريكي لحل أزمة الحكم بين كلا الجنرالين البرهان وحميدتي، اللدان لهما علاقة سياسية وثيقة بدولة الكيان الصهيوني، إضافة إلى التدخل الإثيوبي، الذي يهمه إنجاز سد النهضة الذي يحد من تدفق مياه النيل في مصر، وكان الأولى أن يكون هناك تدخلًا عربيًا؛ لحقن دماء الشعب السوداني، من جراء الاقتتال الدامي، حيث أسفر القتال الدائر في العاصمة الخرطوم وأم درمان عن آلاف القتلى وآلاف الجرحى، التي تكتظ بهم المستشفيات، التي توقف بعضها عن العمل؛ بسبب نفص الخدمات الطبية، في حين يتوالى نزوح آلاف  السودانيين خارج المدينتين، إلى ملاذ آمن؛ سواء في داخل البلاد أو إلى الدول المجاورة، خاصة جمهورية التشاد..

نقول كان من الأولى أن يكون التدخل لوقف القتال الدموي؛ لحقن دماء الشعب السوداني المتضرر الوحيد من جراء هذا الصراع، من الجانب العربي من الجامعة العربية، ومن مصر الجارة القريبة من السودان، والتي يربطهما مصالح مائية مشتركة في مواجهة مخطط أديس أبابا بخصوص سد النهضة؛ لتقليص حصة كلاهما والمدعوم بأطر فنية إسرائيلية..

بعد أكثر من عشر أيام من القتال، لا نسمع من وكالات الأنباء، إلا عن طلب أمريكي بوقف القتال وإعطاء فرصة لحل الصراع بين الجنرالين البرهان وحميدتي، وكذلك طرح مبادرة للمفاوضات من جانب دولة جنوب السودان؛ تعقد في العاصمة جوبا، وكذلك في الجانب الإنساني، عن مناشدة الأمم المتحدة، لتقديم المساعدات المالية، وذلك في وقت به غياب عربي ملحوظ، من دول الخليج العربية الثرية!!