ها نحن مرة أخرى نلتقي بهذا الوصف للبراغماتية بأنها ديمقراطية وأمريكية. هنا تلتقي السياسة بنظرية المعرفة. ذلك لأن تعارضات الفلسفة التقليدية تستجيب لتصور إقطاعي عن الثقافة. ربما يتعلق الأمر بأن ترى في التصور التقليدي الذي يسعى إلى المواجهة والثنائيات المتعددة (الروح/الجسد؛ الوقائع/القيم؛ الضرورة/الصدفة؛ الواقع/المظهر، إلخ..) انعكاس أو إسقاط الظروف الاجتماعية والسياسات للتنظيم القديم، غير المتكافئ، لمجتمع النظم. ويتذكر رورتي في هذه النقطة ما قاله ديوي: "لقتنعت بأن كل ما هو خطأ في الفلسفة الأوروبية التقليدية كان نتيجة لموقف التمسك بصورة قديمة للعالم ناتجة عن مجتمع غير متكافئ وتستجيب لاحتياجاته. بدت له الثنائيات القاتلة في التقليد الفلسفي طبقايا وتعبيرات عن التقسيم الاجتماعي الذي يعارض ، صمن البشر، أولئك الذين يتأملون والذين يعملون، طبقة مرفهة وطبقة منتجة". (رورتي، 1995، ص: 27).
وهنا بالذات نرى كيف أن البراغماتية هي انحياز لعملية العلمنة. إنها ترفض أي فكرة عن عملية أو نظام طبيعي يجب فهمه من أجل التصرف. على العكس من ذلك، عندما يتعلق الأمر بوضع المثقفين "في خدمة الطبقة المنتجة بدلاً من خدمة الطبقة المرفهة"، سوف "تتعامل البراغماتية مع النظرية على أنها مساعدة للممارسة بدلاً من أن ترى في الممارسة نتاج تدهور النظرية". (رورتي، 1995، ص: 29).
ها هنا، تعتبر البراغماتية كحركة فكرية تستجيب للعلمنة أمرا أمريكيا على وجه الخصوص: "ما يعارض الأوروبيين والأمريكيين يمكن أن يُنظر إليه على أنه معارضة بين الميل الإقطاعي لاعتبار أفعالنا في خدمة القوى العليا لأنها لازمنية، والميل الأمريكي إلى اعتبار إلا على مضض واجب الولاء لكل شيء فوق زمني". (رورتي، 1995، ص: 48).
ذلك أن هناك ثلاث سمات تميز البراغماتية: رفض كل جوهرانية (تظهر البراغماتية نفسها على أنها معادية للجوهرانية ومناهضة للتمثيلية)؛ رفض ثنائيات الطبيعة؛ رفض أي إكراه خارجي ومتعال، وتأكيد الطبيعة العرضية لجميع منطلقاتنا. ويوضح رورتي أن هذا هو التوصيف الذي يفضله: "البراغماتية هي المذهب الذي بالنسبة له لا يخضع البحث لأي إكراه، باستثناء إكراهات المحادثة - لأي إكراه كلي، ناتج عن طبيعة الأشياء، عن العقل أو عن اللغة، ولكن فقط تلك الإكراهات التفصيلية التي تنبثق من ملاحظات محاورينا في البحث".
بهذا المفهوم، يمكن القول بأن البراغماتية تستجيب بشكل فعال لروح أمريكا. لأن أمريكا في الأساس قوية بعرضية أصولها. دولة جديدة، تم اختراعها، انطلاقا من مبادرة الإرادة، تخلق باستمرار دون الاضطرار إلى الولاء ودون أن تكون مسؤولة عن ثقل وقت الأنظمة ووزن الماضي الذي يبرر نظاما يلزم، أمريكا بمثابة تجربة.
"هذا البلد وأبرز فلاسفته يقترحون علينا أنه يمكننا، في السياسة، إحلال الأمل محل هذه المعرفة المحددة للغاية التي اعتاد الفلاسفة أن يحاولوا الحصول عليها. لطالما كانت أمريكا دولة موجهة نحو المستقبل، وهي دولة لا تزال تفرح بخلق ذاتها في الماضي القريب نسبيا". (رورتي، 1995، ص: 18).
وهكذا تكمن مفارقة أمريكا في أن قوتها ترجع تحديدا إلى حقيقة أنها تجرب ذاها باستمرار وأن تطورها ذاته يتم في مطاردة الأفضل دائما لمستقبل يشكل المعيار الوحيد لعملها. الأمل بدلاً من المعرفة: هذا الإعلان جذري. "استبدلت بالأمل والمستقبل ما استثمرته أوروبا في الميتافيزيقا والإبستيمولوجيا. فعوض المحاولة الأفلاطونية للخضوع للزمن، تعلق الأمر بالأمل في إنتاج مستقبل أفضل" (رورتي، 1995، ص: 50).
لا يتعلق الأمر هنا باستبدال نظرية بأخرى، ضمن متتاببة تأخذ فيه الممارسة بطريقة ما مكانا جديدا في السلسلة الميتافيزيقية المعرفية..؛ الله، العلم ... لأننا بالتعريف لا نعرف شيئا عن المستقبل. لذلك من المستحيل معرفة أي من معتقداتنا ستكون مبررة غدا. هذا بالفعل ما يدل عليه تأكيد الاحتمالية لجميع نقاط البداية لدينا. "ليس أكثر من التطور البيولوجي أو تطور متطلبات الفضاء الحيوي، لا يتحدد التطور الثقافي وتطورات متطلبات التبرير وفقا لقانون. يتم تحديد أحدها مثل الآخر بشكل عشوائي من خلال سلسلة من الحوادث، أحيانا تكون سعيدة، وأحيانا غير سعيدة:". (رورتي، 1995، ص: 51).
الامل الذي يتعلق به الأمر ، الذي يتخلص إذن من أمل المعرفة، هو أمل بحت باحد الأشكال؛ "الأمل في أن ننجح في خلق عالم جديد، يمكن أن يعيش فيه أحفادنا، عالم لا يمكننا تصور سماته أكثر مما لم يمكن لنا نحن أنفسنا أن تتصورنا الأنواع التي سبقتنا خلال التطور". (رورتي، 1995، ص 52). باختصار، يسير الأمل هنا في اتجاه وسائل "للسيطرة على العابر بدلاً من السجود للأبدية" (رورتي، 1995، ص: 54).
البراغماتية إذن هي في الواقع من نظام الفعل والقرار، الذي يسعى إلى الجمع المناسب وليس التطابق أو التماثل مع حقيقة ما أو قيمة ما تقف خارج نظام الفعل، والتي من شأنها بالتالي إضفاء الشرعية على القرار أو الاختيار. ومن هنا نرى أن البراغماتية لا يمكن اختزالها في الأداتية. هذه الأخيرة التي تفصل نظام الغايات عن نظام الوسائل، والتي لا زالت تسعى إلى بعض مطابقة ما، وملاءمة ما، وبالتالي إلى نقاط مرجعية خارجية.
على العكس من ذل، فإن البراغماتية التي يتم تصورها على هذا النحو هي تأكيد على الممارسة الصارمة من خلال افتراض الصدفة، من خلال تأكيد العرضية. لكن ذلك، للتذكير، لا يرقى إلى اختزال البراغماتية في النسبوية لأن "المستقبل الأفضل" الذي يتم إنتاجه بعد ذلك يحدث فرقا. من غير المجدي، بالطبع، البحث عن نقطة ما للمقارنة يمكن من خلالها تحديد الطريقة الأفضل. الشمولية تقتضي ذلك: كلمة الأفضل هي كسائر العبارات التي لا تشير إلى العالم ولا إلى تمثيلات العالم، بل إلى عبارات أخرى. أفضل نتيجة لقرار متخذ هو ببساطة ما يجعل إمكانا يحققه ضمن مجموعة من الإمكانات. التعددية، المنافسة، المستقبل: البراغماتية تستجيب بفاعلية لتصور ليبرالي مناسب عن الثقافة ما جعل رورتي يقول إن "الأمريكيين قدموا لنا أفضل الأفكار حول كيفية التوفيق بين أمل التنوير وبيولوجيا داروين. (رورتي، 1995، ص: 54).
(يتبع)

