في إطار انتقال المناضل من ساحةٍ إلى ساحةٍ أخرى، لا بدَّ أنّ يبحث عن استكمال دوره النضالي والوطني المقاوم، وتجمّع الأسرى في المعتقلات والسجون بعد انتقالهم من ساحة المعركة، دفعَهم للبحث عن كلّ الوسائل والسبل من أجل إثبات ذواتهم، وأنّ قضيّتهم باقيةٌ لن تموت. والانتقال من ساحة النضال المفتوح إلى ساحةٍ مغلقةٍ هو شكلٌ متقدّمٌ من النضال والمقاومة المباشرة، وبناءً على ذلك كان لا بدَّ من جسمٍ منظّمٍ يحمل راية المقاومة المستمرّة، وهذا ما عمل عليه الأسرى في بداية دخولهم السجون الصهيونيّة، حيث عمدوا إلى تنظيم مجتمعهم الاعتقالي وبنائه على المستويات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والتنظيمية والمعيشية كافة. ولأن الأسرى لهم امتدادهم الحزبي خارج السجون، ولهم دورهم الطليعي في عملية التنظيم والتعبئة والتوعية والتوجيه؛ يبرز عددٌ من القيادات داخل السجون من الأحزاب المختلفة، وخاصةً من فتح والجبهة في نهاية الستينيات من القرن الماضي، ووضعوا الأسس التي تنظّم حياة الأسرى، وما زال جزءٌ كبيرٌ من هذه القواعد والأسس حاضرةً في حياتنا الاعتقاليّة لغاية الآن؛ بالرغم من الحرب المستمرّة التي تقودها إدارة مصلحة السجون الصهيونيّة ضدّ الأسرى وقياداتهم وقواعدهم التنظيميّة، واستطاعوا أن يراكموا ويؤسّسوا مبنى تنظيميًّا متينًا قادرًا وحصن الحركة الأسيرة على مر التاريخ. وما وصلنا إليه الآن من حالةٍ تنظيميّةٍ متقدّمةٍ داخل السجون كان سببه الإصرار والتصميم وقوة الإرادة للأسرى وقيادتهم؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الجسم الاعتقالي، الذي يُسمّى قيادة الحركة الأسيرة قد مرّ بحالةٍ من المدّ والجزر حسب واقع القضية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني، وبالرغم من ذلك بقي هذا الجسم لغاية الآن عنوانًا للدفاع الدائم عن الأسرى والحفاظ على حقوقهم، والبحث عن أفضل السبل للعيش بكرامة.
وإذا ما ذهبنا للتفاصيل نقول: إنّ لكل حزبٍ أو تنظيمٍ خارج السجون امتدادَه داخل السجون، خاصّةً فصائل المقاومة، وبالرغم أنّ إدارة مصلحة السجون حاربت هذه التشكيلات داخل السجون، إلا أن الأسرى فرضوا أنفسهم، وأصبح هناك هيئاتٌ تمثيليّةٌ للجسم كله، وكذلك لكل فصيلٍ على حدا، واضطرت إدارة مصلحة السجون للتعامل معهم جسمًا يمثّلُ الأسرى، ويتحدث باسمهم، وقد سُمّيت لجنة الحوار، وكانت مؤلفةً من كلّ ممثّلي الفصائل وهي الجهة الوحيدة المُخوّلة بالحديث مع مصلحة السجون، وصاحبة القرار بكلّ ما يتعلّق بحياة الأسرى ومطالبهم. وقد انعكس الواقع الفلسطيني خارج السجن على تلك التشكيلات داخل السجون؛ فمع بداية نشوء السجون في نهاية الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت الشعبية وفتح والديمقراطية هم من لهم تمثيل، ولهم أطرهم التنظيميّة، واستمر هذا الحال لسنواتٍ طويلة، إلى أن ظهرت القوى الإسلاميّة وانخرطت في النضال الوطني الفلسطيني؛ قبل الانتفاضة الكبرى عام 1987م وأثنائها، حيث ظهر قبلها تنظيم الجهاد الإسلامي، وأصبح لديه أسرى ومعتقلون داخل السجون، ثمّ ظهرت حماس، وبذلك أصبح هناك وما زال خمسة تنظيمات فلسطينيّة لها تمثيلٌ وطنيٌّ وتنظيميٌّ داخل كلّ السجون، وهذا لا يعني أنه لا يوجد هناك تنظيمات أخرى، ولكن أعدادها قليلة، وتنضوي تحت راية الأحزاب الأخرى.
والجديرُ بالذكر أن هناك أربعة تنظيماتٍ في السجون الآن يعملون بشكلٍ مركزي؛ أي أن لهم قيادةً مركزيّةً على مستوى السجون وقرارهم واحد وتمثيلهم واحد، وهم الجبهة الشعبية وحماس والجهاد الإسلامي والديمقراطيّة، وهذه الفصائل عندها هيئاتٌ منتخبةٌ من مؤتمرات تعقد كل سنتين إلى ثلاث سنوات، ويتم انتخاب قياداتهم. أما حركة فتح ما زالت لغاية الآن لم تستطع أن تُشّكل جسمًا تمثيليًّا واحدًا أو هيئةً موحّدةً لها على مستوى السجون، مع العلم أنّها خلال العامين الأخيرين استطاعت أن تُشكّل عنوانًا تنسيقيًّا فيما بين ممثلي فتح في مختلف السجون، ولكنّه لم يرتقِ إلى مستوى العمل الموحّد، وما زال هناك تناقضٌ بين عددٍ من قيادات فتح في السجون، ومع ذلك استطاعوا أن ينظّموا بعض الأمور الخاصة والعامة مع إدارة مصلحة السجون، وتنظيم عددٍ من قضاياهم الاعتقاليّة، ونسج علاقاتٍ تنسيقيّةٍ مع باقي الفصائل.
أما عن لجان الحوار أو اللجان الوطنيّة للحوار، فقد كان الشكل الذي يميّز قوة الحركة الأسيرة ووحدة موقفها سنواتٍ طويلة، ولكن في السنوات ما بين 2004 - بعد فشل الإضراب المعروف في تلك السنة - وعام 2021؛ فقد كانت تلك اللجان تعيش حالةً من التراجع، واستبدَلَت في كثيرٍ من السجون ممثّل المعتقل، وأصبح ممثّل كلّ فصيلٍ هو الذي يدير علاقاته مع إدارة مصلحة السجون بشكلٍ منفرد، وهذا ما أضعف هذا الجسم الموحّد، وعلى وجه الخصوص بعد حالة الانقسام الذي عاشتها الضفة وغزة، الذي انعكس بانقسامٍ داخل السجون، حيث أصبح هناك أقسامٌ في السجن الواحد تديرها فتح، وأقسامٌ أخرى تديرها حماس، وباقي الفصائل تعيش في الأقسام هنا وهناك، وهذا بدوره ترك أثرًا على نشاط اللجان التمثيليّة وفاعليتها ومواقفها، ولكن في العامين الأخيرين تمَّ إعادة تنظيم جسمٍ يمثّل الأسرى، وقد سُمّيَ "بلجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة" وقد أدار حتى الآن ثلاثة معارك مع إدارة السجون في آذار 2022، وفي أيلول 2022، وفي آذار 2023، وقد نجح في تحقيق عددٍ من الإنجازات، وأوقف الهجمة من مصلحة السجون بعد أحداث النفق في جلبوع، وكذلك بعد وصول "بن جفير" وزيرًا للأمن القومي ومسؤوليته عن الأسرى الفلسطينيين، الذي هدّد بتنفيذ العديد من الإجراءات بحقّ الأسرى.
كما ويقوم هذا الجسم الاعتقالي بعددٍ من النشاطات الوطنيّة والتنظيميّة، ويصدر مواقف في كل المناسبات الوطنية، ويشارك شعبنا همومه في كل القضايا؛ أي أن نشاطه لم يقتصر على داخل السجون، وإنما هناك دورٌ مميّزٌ خارج السجون، ونحن نعرف جميعًا أن للأسرى وقيادتهم دورًا بارزًا في هذا الشأن، وما قدّمه الأسرى عام 2006 من وثيقة الأسرى، التي تَحوّلت إلى وثيقة الوفاق الوطني خير دليلٍ على قدراتهم وإمكاناتهم وتأثيرهم على الواقع الفلسطيني، وعلى جماهير شعبنا.
كلّ ما تقدّم يدفعنا للقول: إنّ الأسرى باتجاهاتهم وتوجيهاتهم وأفكارهم ووعيهم فرض نفسه على نشاط قيادة الحركة الأسيرة وفاعليتها، وذلك من خلال الاستعداد والالتزام العالي والحديدي والانضباط الواعي، حيث كان لا يمكن للحركة الأسيرة بتشكيلاتها المختلفة أن تحقّق أي إنجاز، وتحمي حقوق الأسرى ومصالحهم، وتوفير ظروفٍ معيشيّةٍ كريمة، والحفاظ على الكرامة دون هذا الجسم المتماسك والواعي لدوره الوطني والحزبي والاجتماعي.
ونحن في الجبهة الشعبيّة نرى في ساحة السجون ساحةً متقدّمةً للنضال مع العدو، ونعدّ أن العلاقة مع إدارة مصلحة السجون هي علاقةُ صراعٍ دائم؛ ندافع عن حقوق الأسرى في هذا الخندق المتقدّم؛ للمواجهة المباشرة مع العدو، وهذا يوجب علينا الاستعداد والجاهزية الدائمة للمواجهة، وكنا وما زلنا وسنبقى في ذات الخندق، ونسعى دومًا لطرح العديد من المشاريع لمواجهة العدو وإجراءاته، وقد تمثل ذلك في خطواتٍ تقوم بها الجبهة في السجون وحدها، وكان آخرها الإضراب المفتوح عن الطعام للأسرى الإداريين في تشرين أول 2020، حيث خاض 30 رفيقًا باسم الأسرى الإداريين جميعًا الإضراب، تحت عنوان "تسليط الضوء على ملف الاعتقال الإداري". كما وكان للجبهة دورٌ بارزٌ ومهمٌّ في تنظيم الإضرابات المفتوحة عن الطعام، وفي العديد من المشاريع الاعتقاليّة والسياسيّة، ومن أهم هذه المشاريع كان وثيقة الأسرى التي تَحوّلت إلى وثيقة الوفاق الوطني، بعد أن تبنّتها فصائل العمل الوطني خارج السجون، كما وأسهمنا وما زلنا في تثبيت قيادة موحدة للسجون، ونعمل لغاية الآن على توحيد الحال داخل السجون، وتنظيم الأسرى في جسمٍ واحدٍ يدير العمل الاعتقالي، ولجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة تُشكّل أساسًا لإعادة التمثيل الجماعي والمركزي لكل الفصائل أمام إدارة مصلحة السجون، وهذا الجهد والعمل دون باقي الفصائل واستعدادها وحرصها على حال الحركة الأسيرة والحالة الوطنيّة العامة لا يمكن أن يصل إلى غاياته، ونحن على ثقةٍ أن هذا الجسم هو السد المنيع الذي يحمي الأسرى وحقوقهم، ويحقق الإنجازات والحقوق، ويحافظ على الكرامة، ويستمر في الحفاظ على الأسير عنوانًا من عناوين المقاومة والنضال، وعدم السماح للعدو بتنفيذ سياسته في تفريغ الأسرى من محتواهم الوطني والإنساني داخل تلك المَعَازِل.

