للإجابة يجب البدء من النهاية؛ فأولى لنا رفع شعار الحريّة باعتبار الشعار في مرحلةٍ معيّنةٍ هو مهمّةٌ ملحّةٌ يتطلب إنجازها أو في طريقها للإنجاز، وبهذا المعنى تصبح مهمّةُ الحريّة والإفراج عن الأسرى بكلّ الوسائل الممكنة المتاحة وغير المتاحة هو عنوانٌ للدور الوطني المطلوب، وهي المهمّة التي درجت العادة في الثورة الفلسطينيّة منذ انطلاقتها للحفاظ على إعلاء شؤونها ووضعها حقيقةً في سلم أولويات التنفيذ، وليس كما سلم أولويات اليوم أو سلم أولويات أوسلو!
فقد حافظت الثورة الفلسطينيّة بكل قواها الوطنيّة على الالتزام الأخلاقي غير المكتوب تجاهَ الأسرى، بالتأكيد على حريتهم وممارستها؛ فالإصرار على تحريرهم من خلال الرهائن، واختطاف الجنود، ووضعهم فعلًا لا قولًا على سلم الأولويات، باعتبار الأسرى هم الجنود والوقود إلى جانب المقاتلين في إطار إنجاز المهمة الاستراتيجيّة والوطنية الكبرى؛ تحرير الأرض وإنجاز الاستقلال.
وللربط ما بين قضية الأسرى، والدور الوطني جدليًّا علينا التأكيد بأن هذه المهمة الرئيسيّة في الإطار الوطني ترتبط وثيقًا بالاستراتيجيّة الوطنيّة العليا؛ فحينما كان الشعار الرئيسي "تحرير فلسطين"، كان منسحبًا منها المهمّة المتكرّرة "تحرير الأسير" وحينما سقط شعار "التحرير"، سقطت "مهمّة تحرير الأسير"؛ فأصبحت ظاهرةً إعلاميّة، أو ظاهرةً متوافقةً مع الشعار المرفوع، وخاصّةً فيما بعد اتفاق أوسلو.
اتفاق أوسلو وضع القضية الفلسطينية في إطارٍ من تعريفٍ هجينٍ مشوّه؛ خلط المفاهيم والقيم؛ فاختطلت قضية الأسرى وهي "قضية الحرية"، وأصبحت قضيّة مساومة. لقد أسّست اتفاقية أوسلو لانهيارٍ أساسيٍّ في التعريفات الأساسيّة، فلم تعد مهمّة التحرير، ولم يعد الاحتلال احتلالًا، بل شريكٌ في عملية تفاوضٍ ومساومات، ولم يعد الأسير سوى ورقةٍ يتم تداولها فلكلوريًّا واحتفاليًّا، وهو الأمر الذي جعلنا لأول مرةٍ في تاريخ الثورة حالات من الأسرى تمضي مدة محكوميّتها 35 عامًا، كصالح أبو مخ، و40 عامًا ككريم يونس، وغيرهم يمضون مدة محكومياتهم، ويفرج عنهم؛ دون أن نتمكن وخلال الـ30 عامًا الأخيرة من إمكانات تحريرهم.
وبناءً على ذلك فقد حوّلت اتفاقية أوسلو قضية الأسرى من قضية حريةٍ إلى قضية خدمات، وتحسين شروط حياة، وقضية إسناد وإحياء مناسبات، ومطالبات، وعرائض، واحتجاجات، وتوجه للمحاكم، وصولًا لتحويلهم لقضية راتب وامتيازات، وهو ما يشير إلى هبوط المعايير الوطنية، وضعف الدور الوطني؛ نتيجةً لجريمة أوسلو، التي أسقطت معها 78% من فلسطين، وأسقطت مهمة التحرير دون أن تتمكن من إزاحة قضية الأسرى عن سلم الأولويات وحسم قضيتهم. لقد درجت العادة في السنوات الأخيرة، التأكيد على وجود قضية الأسرى على رأس سلم أولويات القيادة، وهو أمرٌ يحمل في طيّاته وجهين؛ بقاء هذه القضية على رأس سلم الأولويات، يعني عدم حسم هذه الأولوية وغياب الرؤية الوطنية لإنجاز مهمة التحرير أو مهمة أو قضية الأسرى؛ فلا يمكن فصل قضية الأسرى عن عنوان قضية تحرير الأسرى، التي أصبحت تتداول للأسف تحت عنوان "قضية الأسرى". وثانيًا، إبقائها عنوانًا دائمًا يعني تحويلها لقضية تخدمنا وتشرعن سياساتنا، وبهذا بقاؤها على سلم الأولويات يخدم أصحاب الأجندات؛ لأنّ قضية الأسرى أصبحت قضيّةً تستخدم إعلاميًّا من تيار السلطة ومن تيار المقاومة.
لقد أسّست أوسلو أيضًا لانهيارات حتى في مفهوم الأسير لنفسه؛ من مقاتل حرية، لأسير أو سجين، ومن اعتبار ساحات السجون ساحةَ صراعٍ إلى اعتبار السجن استراحة مقاتل، ومن اعتبار العلاقة ما بين السجان والأسير علاقةً صراعيّة، إلى إمكاناتٍ لإيجاد قواسمَ مشتركةٍ لإدارة واقع السجون المستدام.
ماذا يعني ذلك؟
في ظلّ غياب أي مشروعٍ لتحريرهم تحوّل السجن إلى حالةٍ دائمةٍ في وعي الأسير وذهنه؛ يسعى بهذه الحالة للنضال المطلبي لتحسين شروط حياته، لا الضغط الدائم والتحشيد لأجل حرّيته، وهو ما أسس لمظاهر جديدة لم يعتدها في السجون، ورغم ذلك فإن الأسرى يبقون على الحد الأدنى من الوعي القائل بضرورة النضال الموحد ضد السجان؛ رغم انعكاس مظاهر الحياة الخارجية والترهل النضالي، والانقسام على الأسرى.
بهذا الإطار، وفي ظل هذا الفهم، يمكن تحديد الدور الوطني المطلوب، أي أن المطالبة بالحرية واعتبار الدور الوطني هو تحرير الأسرى؛ تصبح قضيةً دعويةً في إطار فهمنا للواقع الوطني، بدليل أن قضية التبادل المنتظرة تراوغ فيها بعض القوى على مدار 10 سنوات تقريبًا، دون البحث عن بدائلَ حقيقيّةٍ تؤُمّن الحرية لهم، وبهذا تحولت قضية حرية الأسرى لخطاب إعلامي.
ما الدور المطلوب حاليًا؟
إعادة تعريف قضية الأسرى باعتبارها قضيّةَ حريّة، أي تداول القضية باعتبارها "قضية تحرير الأسرى"، لا قضية الأسرى مفهومًا عامًّا فضفاضًا لا حدود واضحة له، وكذلك البحث في الخيارات كافةً ووضعها على سلم الأولويات، أي على رأس سلم الأولويات تصبح حرية الأسرى، ويصبح الدور الوطني المطلوب هو تجسير الهوة بين الحرية وممكناتها، ومتطلبات تحقيق هذه الحرية وتكتيكاتها، وأشكال تأمين الحرية عبر العمل العسكري والضغط السياسي والنضالي، والتوجّه للمؤسّسات الدوليّة.
في الآونة الأخيرة تَحولّت قضية الأسرى من قضية حريةٍ لجزءٍ من الثوابت الفلسطينيّة، وهو عكسٌ وانقلابٌ على مفهوم سلم الأولويات؛ فالصراع مع الاستعمار والاحتلال والصهيونية دام 100 عام، وربّما يدوم مئة عام أخرى، يمكن ترسيخ ثوابت خلالها، دون أن تتحول قضية الأسرى إلى قضية حريّة دائمة، ويمكن في إطار ذلك تأسيس لجانٍ محيطةٍ لخدمة القضية الأساسية "تحرير الأسرى" وخدمة وجودهم وحفظ كرامتهم وكرامة ذويهم وأهاليهم، والدفاع عنهم عبر شبكةٍ من الفعاليات والمؤسّسات التي تعمل لتأمين حرية الأسرى، وتحسين شروط اعتقالهم، وتثبيت تعريفهم "أسرى حرب".

