Menu

نشر في العدد 49 من مجلة الهدف الإلكترونية

التحذيرُ الأصعبُ في إسرائيل...!

أكرم عطا الله

بشكلٍ لا يثيرُ كثيرًا من المفاجأة حذّر معهد القدس للاستراتيجيّة والأمن في إسرائيل بأنّ على الدولة أن تستعدّ للحرب وبشكلٍ فوري! أما لماذا؟ فقد شرح التقرير كل الأسباب التي تقف خلف تحذيره، وهي أسبابٌ أحدثت ما يكفي من التغيير في صورة الدولة ومناعتها التي لم تكن تتعامل مع أخطار الجوار باعتبارها تهديداتٍ فوريّةً في ظل موازين القوى التي حافظت على تفوّقٍ كبيرٍ لصالح إسرائيل.

ما الذي تغيّر ليرفع المعهد مستوى التحذير؟

يقدّم المعهد إجابته من نقاطٍ أحدثت قدرًا من الصدع في الستار الحديدي الذي كان ينظر له جابوتنسكي نهاية عشرينات القرن الماضي، وأقامه بن غوريون في منتصف القرن وحافظ عليه الورثة، بات يتعرّض لتآكلٍ بفعل عوامل التعرية.

يقول المعهد: "الصراع على الإصلاح القضائي ألحق ضررًا هائلًا بدولة إسرائيل. في المستوى السياسي اهتزت صورة الإسناد الأمريكي، وفي المستوى الاقتصادي طرأ تآكل في التصنيف الائتماني للدولة".

وبالإشارة إلى القطاع الأهمّ في الدولة يضيف "يبدو أن قطاع التكنولوجيا العليا الذي هو محرّك النمو الأساس الذي رفع دولة إسرائيل إلى قائمة العشرين دولةً الأغنى في العالم، يواجه مصاعب متزايدة في تجنيد رأس المال.

يشير المعهد للتصدّع الحاصل في المجتمع الإسرائيلي واحدًا من أسباب تراجع المناعة القوميّة: "الخطاب الجماهيري في إسرائيل بلغ ذرى جديدة من التطرف، وفوق كل شيء الوحدة الوطنية تصدّعت في أعقاب استخدام الجيش الإسرائيلي أداةً في الصراع السياسي" ويضيف أيضًا أن "إسرائيل تبدو في الخارج مجتمعًا ممزّقًا، آخذًا في فقدان قدرة أدائه، دول صديقة بينها تلك الموقعة على اتفاقات إبراهيم، التي علّقت آمالها على الحضور الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة تنظر بدهشةٍ إلى المواجهة الداخليّة التي تشهد ظاهرًا على أنّه في دولة إسرائيل توجد تهديدات من شأنها أن تفكك قدرتها العسكرية.

"أعداء إسرائيل يزدادون ثقةً، ويتوقعون للتوتّرات الداخليّة في الدولة اليهوديّة أن تؤدي بالفعل إلى سياقات التدمير الذاتي، وفقًا لنظرية "بيت العنكبوت". كما يحذّر المعهد من أن الأمور تحصل "بينما من أجل تحولات في الميزان الإقليمي والعالمي، يصبح المحيط الاستراتيجي لإسرائيل إشكاليًّا بل وخطيرًا أكثر، مما كان منذ عشرات السنين".

يفصل المعهد ويطرح الأسباب لتحول المحيط الاستراتيجي لإسرائيل إلى إشكالي لها أكثر فأكثر: " إيران أكثر ثقة بنفسها، سواء بسبب القمع الناجع للاضطراب الداخلي أو بسبب الارتباط الاستراتيجي بروسيا والصين، الذي يترجم إلى اتفاقاتٍ مع دول عربية، وعلى رأسها السعودية".

"سوريا، حليفة إيران، تعود لتقترب من الجامعة العربية. فضلًا عن ذلك، تواصل طهران التقدم نحو جمع المادة المشعة لسلاح نووي، تفهم بأن الولايات المتّحدة مشغولةٌ في أماكن أخرى، مثل أوكرانيا والصين، وتقلل دورها في الشرق الاوسط ".

ليس هناك ما يمكن أن يلقي الضوء على واقع إسرائيل الداخلي ومحيطها يكون أقرب للحقيقة بأفضل مما جاء في تحذير المعهد، وكل تلك العوامل مجتمعةً أدّت وتؤدي إلى تآكل قوة الردع، وتعيد طرح الأسئلة المبكرة لبن غوريون حول قدرة إسرائيل على العيش في ظل محيطٍ معادٍ، وكيف يمكن صهر مجموعات المهاجرين مختلفي الثقافات حد التناقض من العيش في دولةٍ واحدة، والتعايش مجتمعًا موحّدًا بات واضحًا. إنّ مئة يوم من حكومة المتطرفين أعادت إسرائيل للوراء أكثر من سبعة عقود، وأعادت نبش أسئلة التاريخ التي اعتقد الإسرائيليون أنه تم دفنها وللأبد، في ظل ثلاثة عوامل استندت إليها.

العوامل الثلاثة التي طمأنت الإسرائيليين كانت تتمثل في: جيشٍ قويٍّ قادرٍ على ردع أعداء إسرائيل، ومجتمعٍ متماسكٍ تمكن جهاز قضاء قوي من تحقيق التوازن بين عناصره، والعامل الثالث كان ضعف الدول المحيطة بإسرائيل وهشاشتها.

بات واضحًا أنّ هناك تغيراتٍ كثيرةً طرأت في العقود الأخيرة، صحيح أنها لم تحدث فجأة، بل كانت نتاجًا من التطوّر الهادئ لسنواتٍ طويلة، لكن الحكومة الأخيرة كشفت عنها الستار؛ فالمجتمعُ المتماسك ينقسم الآن إلى مجموعتين سكانيتين تتلاشى بينها القواسم المشتركة، وتتصارعان على هُوية الدولة والمحيط الإقليمي؛ آخذٌ بالتغير، حيث تزداد فيه القوى والحركات المعادية لإسرائيل قوةً وجرأةً في مواجهتها؛ إذ لم تعد فيها إسرائيل تستسهل الحروب كما السابق "ما حدث بعد الصواريخ التي أطلقت من لبنان، والجدل الذي دار، وطبيعة الرد الإسرائيلي الحذر بعدها يجسد حسابات إسرائيل الحذرة من الحرب، أما الجيش الإسرائيلي، فبات يشهد قدرًا من الجدل تحذير بعض قطاعاته برفض الخدمة، ولكن الأساس هو أن الجيش القوي لم يكن سوى انعكاسٍ لمجتمعٍ متماسك، واقتصادٍ قوي، وبات كلاهما يتعرضان لهزة بسبب الصدع الحاصل في إسرائيل.

التحذير الذي يصدره المركز جاء ما يشبهه على لسان أكثر من عسكري سابق، وأكثر من كاتب، وهو يعكس حالة الجدل والمناخات التي تعيشها إسرائيل، وحالة التلعثم التي يمكن رصدها في الفضاء العام في إسرائيل، المرتبطة جميعها بالشعور بتآكلٍ في قوة الردع وحيرة إسرائيل التي لم تحسم بين استمرار الصمت، وتجنّب الذهاب لحرب، وفي تلك كلفتها التي يقرأها أعداء اسرائيل أن الصمت هو نتيجة ضعف، فيزدادون جرأةً وما بين استعادة قوة الردع، وتلك تستدعي الخروج من حالة الصمت والذهاب لحرب، وتلك نتائجها ارتباطًا بالمتغيرات الداخلية والخارجية وشكل الحرب متعددة الجبهات لا تجعلها مضمونة، وقد تكون نتائجها أكثر كارثية وتزيد من تآكل الردع.

لم يُحسم هذا الجدل في إسرائيل، لكنها ما زالت تقف في ذروته، وهنا تبقى كل التحذيرات مهمةً، فلقد استمرّت إسرائيل بعنصر الردع والقوة، ولكن هل يقصد الإسرائيليون أن تبادر إسرائيل بالحرب لاستعادة القوة؟ أم تجهّز نفسها لأي هجومٍ يباغته فيها الآخرون؟

هناك فرقٌ كبيرٌ أساسه أنّ قوة إسرائيل لم تعد كما السابق... الزمن يتغيّر!.