Menu

صراعُ المشاريعِ الإقليميّةِ في المنطقةِ العربيّة

الدكتور علي بوطوالة

نشر هذا المقال في العدد 49 من مجلة الهدف الإلكترونية

مقدّمة:

خلَقَ الاتّفاقُ الإيراني السعودي برعايةٍ صينيّةٍ يوم 10 مارس الماضي ردودَ فعلٍ كثيرة، وموجةً من التفاؤل ببداية عهدٍ جديدٍ في المنطقة العربيّة، التي وصلت لدرجةٍ غير مسبوقةٍ من التأزّم والانهيار؛ نتيجةً لهزائم الدول القُطريّة وإخفاقاتها، وشلل الجامعة العربية وفقدانها لزمام المبادرة نهائيًّا، خاصّةً منذ اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة وإلى الآن. هل نحن هذه المرة أمام تحوّلٍ استراتيجي، قد يفتح أُفْقًا واعدًا لإعادة بناء الأمة العربيّة بعد أن وصل التمزّق إلى مداه الأقصى؟ وهل يرى المشروع النهضوي العربي النور، بموازاة المشاريع الإقليميّة كالمشروع التركي والمشروع الإيراني، ناهيك عن المشروع الصهيوني الذي غرسه الاستعمار الغربي لتعطيل النهوض الحضاري للأمّة العربيّة؟ وما هي مهام فصائل حركة التحرّر الوطني العربيّة في هذا السياق؟ 

للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، لا بدّ من التذكير ولو بإيجازٍ بالمقدّمات والعوامل التاريخيّة والبنيويّة المهيكلة للمشهد العربي الحالي، المحبط والبئيس.

1- المشروع القومي العربي: من الصعود إلى النكسة والتراجع

بسبب قرونٍ من الجمود الفكري، والتأخّر التاريخي المتعدّد الأشكال والأبعاد، وجدت الشعوب العربيّة نفسها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عاجزةً عن صدّ الحملات الاستعماريّة الغربيّة التي استهدفتها؛ إذ رغم المقاومة الباسلة لقبائلها، لم تستطع إيقاف الزحف الاستعماري، لكن الصراع بين القوى الاستعماريّة سيؤدّي إلى اندلاع الحرب العالميّة الأولى التي انتهت بتغيراتٍ جيوسياسيّةٍ هائلة، حيث انهارت ثلاث إمبراطوريات؛ الإمبراطوريّة الهنغاريّة/النمساويّة، والإمبراطوريّة الروسيّة، والإمبراطوريّة العثمانيّة. انهيار هذه الأخيرة، سيسمح بتوزيع "تركتها" بين فرنسا وبريطانيا المنتصرتين عبر اتفاقية سايس بيكو السيئة الذكر، وفي هذا السياق، وجدت الحركة الصهيونية في بريطانيا حاضنتها، وفي الإمبراطورية الأمريكيّة الصاعدة، كلّ وسائل الدعم والتطوّر، الماليّة، والسياسيّة، والإعلاميّة، والتكنولوجيّة. في المقابل، أخفقت الانتفاضات الثوريّة في البلدان العربيّة في بلورة مشروعٍ قوميٍّ تحرّريٍّ بإيديولوجيّةٍ تقدّميّةٍ وحاضنةٍ جماهيريّةٍ متماسكة، كما حصل في الصين وفيتنام مثلًا.

التطوّراتُ التي حدثت في أوروبا بعد العقوبات الكبرى، المذّلة والمهينة لألمانيا، إضافةً للتداعيات الكارثيّة للأزمة الاقتصاديّة الكبرى لسنة 1929، أدّت كما هو معلومٌ لاندلاع الحرب العالميّة الثانية، وما ترتّب عليها من تغييرٍ جذريٍّ للنظام الدولي، حيث برزت قوتان عظيمتان، هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وتم تأسيس الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي (1945)، وقبل ذلك تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك العالمي(1944).

أخطر ما حدث بالنسبة للمنطقة العربيّة، أنّ المشروع الصهيوني، لقي ترحيبًا ومساندةً من كل القوى العظمى على حساب الشعب الفلسطيني والأمة العربيّة. هكذا تم تأسيس، ثم إعلان دولة الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948، أي بعد ستة أشهرٍ فقط من قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947. الصدمة كانت قويّةً على الشعوب والدول العربية؛ ما أدى إلى حرب 1948 بين الجيش الصهيوني المدعوم غربيًّا، والجيوش العربية المفكّكة والضعيفة التسلّح؛ ما أدّى لهزيمتها المذلّة.

هكذا، ستشكّل نكبة فلسطين أكبر صدمةٍ للشعوب العربيّة، ومحفّزًا قويًّا لنشأة المشروع القومي العربي التحرّري، مجسّدًا في تأسيس حركة القوميين العرب، وقبلها حزب البعث العربي الاشتراكي، وخاصّةً في ثورة الضباط الأحرار ب مصر التي قادها الزعيم جمال عبد الناصر في 23 يوليو 1952. سنتان بعد ذلك انطلقت الثورة على الاستعمار الفرنسي بالمنطقة المغاربيّة، وكانت معركة تأميم قناة السويس نقطة التحول الاستراتيجي لصالح المشروع القومي العربي؛ ما مكّن الثورة الناصرية من الحصول على شعبيّةٍ كاسحةٍ وتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا، وإسقاط حلف بغداد، ودعم حركات التحرّر الوطني في المنطقة المغاربيّة وفي شبه الجزيرة العربيّة، وتأدية دورٍ بارزٍ في مجموعة دول عدم الانحياز، وأخيرًا تأسيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة سنة 1964.

إنجازات الثورة الناصرية وتعاظم نفوذها قوى إقليميّة وازنة، سيدفع القوى الإمبرياليّة الغربيّة بقيادة الإدارة الأمريكيّة من جهة، والرجعيّة العربيّة من جهةٍ ثانيةٍ لتنسيق جهودهما لإسقاط النظام الناصري، من خلال ضربةٍ قاصمةٍ يؤدّي فيها الكيان الصهيوني رأس الحربة. حرب الستة أيام التي بدأت في خامس يونيو 1967، وبغض النظر عن سوء تقدير وأخطاء القيادة الناصرية، كانت فعلًا مؤامرةً كبرى جرى إعدادها على مدى سنواتٍ من طرف الاستخبارات الصهيو – أمريكية.

2- من حرب أكتوبر إلى غزو العراق: سقوط التنافس ال قطر ي على الزعامة القوميّة

بقدر ما خلّفته النكسة من إحباطٍ وخيبةٍ للأمل من النموذج الناصري لدى الشباب العربي، بقدرٍ استفزت المشاعر القوميّة، ودفعت النخب العسكرية للقيام بانقلاباتٍ على الأنظمة القائمة في العراق، وليبيا وسوريا، و السودان ، واليمن. لكن أهم ردّ فعلٍ منظّم، علقت عليه الجماهير الشعبية العربية آمالًا كبيرةً تمثّل في بروز الثورة الفلسطينيّة فاعلًا استراتيجيًّا جديدًا من خلال معركة الكرامة. تخوف الرجعية العربية ممثلة بالنظام الأردني من هذه الثورة، وخاصّة من الدور الذي أصبحت تؤديه تنظيماتها اليسارية، سيدفع هذا الأخير إلى شنّ حربٍ عليها في شتنبر 1970، لم تتوقف إلا بالتدخل القوي لجمال عبد الناصر من خلال مؤتمر قمة القاهرة، الذي نظّمه لإيجاد حلٍّ للأزمة بين النظام الأردني، وقيادة الثورة الفلسطينيّة التي قبلت مكرهةً الخروج من الأردن إلى لبنان.

وفاة عبد الناصر في نهاية ذلك الشهر، وانقلاب السادات على النهج الناصري، وأخيرًا التدبير الكارثي لنتائج حرب أكتوبر من طرف السادات، كل تلك الأحداث، سمحت لهذا الأخير بالقطع نهائيًّا مع التوجّه القومي التحرّري، والارتماء في أحضان الولايات المتّحدة الأمريكيّة، متوهّمًا أنّها وحدها ستخرجه من الأزمة الخانقة التي قاد إليها بلاده، بتشجيعٍ من الأنظمة الخليجيّة. أهم عاملٍ أسهم في مضاعفة تأثير هذه الدول على مسار المنطقة العربية، تمثل في ما أصبحت تتوفر عليه من ثروةٍ نقديّةٍ هائلةٍ بعد الصدمة البتروليّة الأولى، والمتمثّلة في إيقاف تصدير البترول للضغط على الغرب، مساندة لمصر، التي أدّت إلى ارتفاع أسعار البترول من ثلاثة دولارات للبرميل، قبل حرب أكتوبر 1973 إلى ثلاثين دولار دفعةً واحدة، وأصبح لمنظمة الدول المصدرة للبترول سلطةٌ اقتصاديّةٌ قويّةٌ بقيادة السعودية. تأثير السعودية داخل الجامعة العربية سيتزايد بعد اتفاقية كامب ديفيد، وتورط العراق في حربٍ عبثيّةٍ طاحنةٍ مع إيران، وتعرّض الجزائر لأزمةٍ اقتصاديّةٍ خانقةٍ في منتصف الثمانينات. لقد تجلّى تأثير السعودية على الخصوص بصياغتها لما سمي بمبادرة السلام السعودية (مشروع فهد)، التي صادق عليها مؤتمر قمة الدول العربية سنة 1981، وإشرافها على اتفاقية الطائف التي أنهت الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وحشد الدول العربية وراءها في مواجهة العراق خلال حرب الخليج الأولى لإخراجه من الكويت سنة1991.

المفارقة، أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتوقيع اتفاق أوسلو، وتراجع اليسار العربي، واختفاء تأثيره، ستجعل أحداث 11 شتنبر2001 العربية السعودية في عين الإعصار الأمريكي؛ بسبب انتماء معظم الانتحاريين لها، وخضعت من ثَمَّ لابتزاز الإدارة الأمريكية، خاصّةً بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق واستجابت لكل الطلبات الأمريكية بما فيها تمويل الحرب على سوريا.

3- من إجهاض الربيع العربيّ إلى التعامل العقلاني مع الواقع:

في الوقت الذي وصل فيه التنافس العقيم بين المشاريع القطرية العربية الى أفقٍ مسدود، وأدّى إلى هدر طاقاتٍ وإمكاناتٍ هائلة، انفجرت ثورات الربيع العربي، حاملةً آمالًا عريضةً في الحريّة والديمقراطيّة والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكنّها كانت ثورات دون تنظيماتٍ سياسيّةٍ مؤطّرةٍ وموجِّهة، ودون بديلٍ واقعيٍّ قابلٍ للتنفيذ، مما جعلها سهلة الاختراق والتحريف. لقد كان من المفروض أن تستفيد دول المنطقة من دروس انهيار أنظمة الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، لكن بؤس العقلية العشائريّة سيتجلى بأسوأ ما يكون في التآمر الممنهج لدول الخليج على دول ما كان يسمى بدول الممانعة في ليبيا و سوريا واليمن، ومحاولة تخريب ما حقّقته قوى المقاومة العربيّة في لبنان وفلسطين والعراق.

الكتلة المالية الضخمة التي توفّرت لدول الخليج وفي مقدّمتها السعودية بفضل ارتفاع أسعار البترول والغاز(أكبر ناتج داخلي خام في المنطقة)، إلى جانب امتلاكها لترسانةٍ عسكريةٍ ضخمة، جعلها تُقْدِم على شن الحرب على اليمن، بدعوى الدفاع عن الشرعية، ومحاربة النفوذ الإيراني. بعد ثماني سنوات من الحرب واضطرارها لسحب جزءٍ من احتياطاتها الخارجية، لمواجهة ارتفاع تكاليف الانفاق العسكري، وارتفاع ديونها العمومية لـ250مليار دولار سنة 2021، وتعرض منشآتها النفطية للقصف، وتراجع الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى أضعف مستوى (1,7مليار دولارسنة2021، بدل 13,8مليار دولار قبل الحرب) وصلت إلى مأزقٍ كبير.

تزامن هذا الوضع المقلق للقيادة السعودية مع التحوّلات الدوليّة الجديدة بعد جائحة كورونا، والحرب الدائرة في أوكرانيا بين روسيا والحلف الأطلسي، وبروز إيران و تركيا قوتينِ إقليميتين لهما تأثيرٌ ملموسٌ في العلاقات الدولية، هذه المعطيات إضافةً لطموحها للالتحاق بمجموعة البريكس، جعلتها تستجيب للوساطة الصينية لعقد اتفاق مع إيران، وتسوية الخلافات بينهما. هذا الاتفاق لا يعني مع ذلك أن السعودية قد غيرت توجهها بـ180درجة، بل فقط قلّصت من اعتمادها المطلق على الولايات المتّحدة الأمريكيّة، التي تأكّد دائمًا إنّها لا تهتمّ إلا بمصالحها، ومصالح قاعدتها الأماميّة في الشرق الأوسط، دولة الكيان الصهيوني.

في هذا السياق تحاول تكريس زعامتها للمنطقة بالانفتاح على سوريا وانتزاع قرار إعادتها للجامعة العربية خلال مؤتمر قمة الدول العربية المزمع عقده في شهر مايو القادم بالرياض، لكن يبدو أن التناقضات داخل مجلس التعاون الخليجي نفسه تعرقل ذلك حتى الآن.

خاتمة: في الحاجة لقطبٍ قوميٍّ عربيٍّ وازن

من منتصف الخمسينات من القرن الماضي، حتى منتصف السبعينات منه كانت جمهورية مصر العربيّة هي التي تشكّل هذا القطب، حيث ومنذ مساهمتها البارزة في تأسيس مجموعة عدم الانحياز بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، حتى زيارة السادات للقدس، ظلّت مصر زعيمة المجموعة العربية دون منافس. محاولة العراق في عهد صدام حسين ملأ الفراغ الذي خلفته مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد، وتوقيف عضويتها في الجامعة العربية لم تنجح كما يعلم الجميع؛ لأنّ الزعامة الإقليميّة تحتاج للحكامة الرشيدة، إضافةً للقوة العسكرية والثروة الاقتصادية والسياق الاقليمي المناسب.

معطيات الوضع الدولي الراهن المطبوع باحتدام الصراع الاقتصادي والجيواستراتيجي بين المحور الأوراسي الصاعد بزعامة روسيا والصين، والمحور الغربي بقيادة الإمبرياليّة الأمريكية، تؤشّر لوجود لحظة مناسبة لبلدان الجنوب، ومنها البلدان العربية لتعزيز سيادتها، والحد من ابتزاز الغرب لها، هذا يقتضي أوّلًا وقبل كل شيء، تصفية الأجواء بينها، وإعادة بناء النظام العربي على أسس الديمقراطية والتعاون، والشراكة الاستراتيجيّة، والتكامل الاقتصادي، وتركيز جهودها في المرحلة الأولى على تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.

في هذا الأفق، تتحمل مكونات حركة التحرر الوطني العربية، مسؤولياتٍ جسيمةً في إنجاز ما يطرحه المشروع النهضوي العربي من مهامٍّ نضاليّةٍ متعدّدةٍ على المستويات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية والجماهيرية، وفي مقدّمتها بناء إطارٍ سياسيٍّ قوميٍّ تقدّميٍّ موحّد.