Menu

الدرسُ الثقافيّ العربيّ للأدب الصهيوني: رؤيةٌ نقديّة

حاتم الجوهري

نشر في العدد (49) من مجلة الهدف الرقمية

في مرحلةٍ ما من القرن العشرين اهتمّت الأكاديميّةُ العربيّة بتأسيس أقسامٍ متخصّصةٍ في اللغة العبريّة؛ لتخريج باحثين يستطيعون متابعة ما يصدر في دولة الاحتلال "إسرائيل"، وما تنتجه من كتب، وتحليل ما يجري فيها من أحداث، وجرت العادة أن يتفرّع تخصّص هذه الأقسام إلى ثلاث فتراتٍ زمنيّة؛ تخصّصات عامّة هي اللغة العبرية الحديثة، واللغة العبريّة الوسيطة، واللغة العبريّة القديمة.
وكثيرًا ما جرى على تلك الأقسام ما يجرى على أقسام اللغات الأخرى وآدابها، من حيث التخصّص العام إلى فرعين: وهما الأدب واللغة، حيث فرع اللغة يقوم على نقد الشكل وتحليل اللغة وفروعها في النصوص المعنيّة، والفرع الثاني يقوم على تحليل المضمون والمحتوى وأغراض النصوص وفروعها، وحظيَ الأدب الحديث المكتوب باللغة العبريّة ونصوصه بنصيب الأسد، درسًا وتحليلًا في تلك الأقسام: شعرًا ونثرًا ومسرحًا وقصةً وروايات.. الخ.
وكانت درّةُ التاج في الدرس الثقافيّ العربيّ للأدب العبريّ الحديث/ الأدب الصهيونيّ المرتبط بقيام دولة الاحتلال "إسرائيل"؛ تتمثّل في دراسات تحليل المضمون والسعي للكشف عن النسق القيمي العام الذي تحمله الأعمال الأدبيّة، في محاولةٍ للكشف عن الشخصيّة الصهيونيّة وسماتها الحاكمة ومنظومة القيم التي تحملها، واشتهر هذا الاتّجاه في المدرسة الأكاديميّة المصريّة التي كانت تقف – في مستوى ما - على خط المواجهة مع دولة الاحتلال حتى رغم اتفاقية كامب دافيد.
ومع بدايات القرن الحادي والعشرين ذاع في المشهد العربي صيت ما عُرف بـ"الدراسات الثقافيّة" أو "النقد الثقافي"، وهي الدراسات التي ارتبطت بنشأة الدراسات الثقافيّة في بريطانيا، وتحديدًا مدرسة برمنجهام (جامعة برمنجهام)، ثم تبعها النقد الثقافي، حيث كانت الدراسات الثقافيّة أوسع مجالًا في تعاطيها مع الظواهر الإنسانيّة، بينما ركز النقد الثقافي على الأدب والفنون وتمثّلاتهما إجمالًا. 
ارتبطت الدراسات الثقافيّة البريطانيّة بمذهب الانتصار للهوامش بمختلف أنواعها؛ الهوامش العرقيّة واللغويّة والثقافيّة.. الخ، وتبعها النقد الثقافيّ في تركيزه على قيم الهوامش في الأدب، وعلى الأدب الذي يكتبه الأشخاص المهمّشون أو غير المرتبطين بالتقنيات المعتمدة والمتعارف عليها للأدب.
كانت مدرسة الدراسات الثقافيّة البريطانيّة ردّ فعلٍ لأزمة اليسار في أوروبا الغربيّة في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، وسيطرة المتون الليبراليّة على الحالة الأوروبيّة سيطرةً تامة، حيث طوّر هؤلاء مذهب الانتصار للهوامش؛ نتيجةً لعجزهم عن مواجهة المتون والأفكار المركزية السائدة في الحالة الأوروبية، وكان الاستقبال العربي للدرس الثقافي العام (الدراسات الثقافية) أو الخاص (النقد الثقافي) يسير كالأعمى مقلّدًا النموذج الأوروبي/ الغربي، حيث شاعت الدراسات الثقافية في التعاطي مع التراث العربي وتمثّلاته، وجاء لاحقًا لها النقد الثقافي بالمفاهيم الدوجما نفسها في الحالة الأوروبيّة.
وباعتباري من المتخصّصين – بالأساس - في مجال الدراسات العبريّة تلقّيت دراستي الأولى في أحد أقسامها بمصر، ظهر الصدام المبكّر بيني وبين مقاربات "الدرس الثقافي" أو "النقد الثقافي" للأدب العبري أثناء مرحلة تمهيدي الماجستير في بدايات هذا القرن (عام 2004م)، فطبيعة الأمر أن يعتمد الدرس الثقافي عمومًا - والنقد الثقافي كذلك - على البحث عن منظومة القيم التي تحملها النصوص موضع البحث، وهذا لا مشكلة فيه، لكن تظهرُ المشكلة عند مرحلة إعمال فلسفة الدراسات الثقافيّة ومذهبها عن الانتصار للهوامش، خاصّةً عند تطبيق هذا الدرس الثقافي على الأدب العبري/ الصهيونيّ.
فحينما اهتممتُ بشكلٍ مبكرٍ بدراسة ما عرف بـ"اليسار الصهيوني" وإنتاجه الأدبي، كانت الصورة النمطية المستقرّة عربيًّا عنه حينها - ومن خلال الدرس الثقافي - أنّه أدبٌ للاحتجاج والمعارضة داخل دولة الاحتلال "إسرائيل"، وأنّه أدبٌ مهمّشٌ يطالب بحقوق الفلسطينيين العرب! وهو الشيء الذي لم يقبله عقلي، ولم أجده منطقيًّا، ولم يقدّم لي جُلّ من ناقشتهم أساتذة وباحثين دليلًا حجاجيًّا حاسمًا يدعم هذه الصورة النمطية، سوى ثنائيّة المقارنة النسبيّة بين قيم المركز وقيم الهامش.
من ثمّ اخترت في أطروحتي للماجستير أن أعمل على أدب هذا التيار من خلال دراسةٍ نظريّةٍ وتطبيقيّة (ديوان مدينة الحوت للشاعر يتسحاق لاؤور نشرت بعنوان: خرافة التقدمية في الأدب الصهيوني)، تبحث عن النسق القيمي والمضمون بداخله، أو ما أسماه البعض في حينه "دراسة في النقد الثقافي"، حيث بدأ المفهوم ينتشر في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعد ظهور كتاب الغذامي (النقد الثقافي).
ورغم أنّني اشتغلت بمنهج الدرس الثقافي إلا أنني لم أخضع لمذهبه وفلسفته عن الانتصار للهوامش، كانت منظومةُ القيم التي يطرحها يتسحاق لاؤور من وجهة نظرٍ معينةٍ قيمَ هامشٍ في المجتمع الصهيوني، فقيم المركز تبدو متشددة في موقفها من العرب وقضايا الاحتلال، وقيم لاؤور (ممثل اليسار الصهيوني) تبدو داعمةً للحقوق الفلسطينية تعارض قيم التشدد تجاههم، لكنني لم أقبل بهذا المنهج والمذهب الثقافي الجاهز وفروضه المعلبة وفق التصور الأوروبي/ الغربي للدراسات الثقافية.
إنّما طوّرتُ مذهبًا خاصًا بي في الدراسة؛ يقوم على مقارنة منظومة القيم التي يطرحها يتسحاق لاؤور مع منظومة القيم الإنسانية العامة أو العليا، التي ترتبط بـ: الحق والعدل والحرية.. الخ (وليست فكرة المقارنة النسبية بين قيم المركز والهامش)، وكانت النتيجة التي خرجتْ بها دراستي أن اليسار الصهيوني ولاؤور لا يعارضان فكرة الاحتلال الصهيوني، ولكنهما يعارضان الاحتلال بمفهومه التوسّعي، هما ليسا ضد وجود دولة "إسرائيل" ولكن ضد وجود دولة "إسرائيل" بشكلها العنصري، هما ليسا ضد الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ولكنهما ضد الاستيطان في الضفة الغربية، إجمالًا هما ليسا ضد الصهيونية ومشروع وجود يهود أوروبا والعالم في فلسطين، ولكنهما مع شكلٍ محدّدٍ من الصهيونية! فما خرجت به دراستي أن اليسار الصهيوني كان يسعى لتقديم ما أسميته "احتلالًا تقدميًّا"، لكنّه يبقى في النهاية احتلالًا رغم كلّ شيء!
وقمتُ بالتأسيس النظري والبحث عن القيمة المركزية الحاكمة لهذا التيار مصدر هذا التصور المرتبك، حتى كشفت في الدراسة عن أيديولوجيا "الصهيونية الماركسية" التي قدمها بيير دوفبيرخوف، والأحزاب التي حملتها، ونشأة الحزب الشيوعي الصهيوني في روسيا وما حمله من تسمياتٍ وانشقاقاتٍ متعدّدة، فكانت أزمة القيم في أدب اليسار الصهيوني ترجع لأزمة الأيديولوجيا التي حملها هذا التيار، باعتباره سيقدم نوعًا من الاحتلال التقدمي لفلسطين جرى تعميده في مرحلةٍ ما في الكومينترن، مع توصيات لينين للحزب الشيوعي "الإسرائيلي" في حينه ليقبله داخل الأممية الشيوعية.
واستمرّ منهجي في الدرس الثقافي الحر/ القيمي (غير المرتبط بفلسفة الانتصار للهوامش) للأدب الصهيوني في مرحلة الدكتوراة، حينما تناولت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر دافيد أفيدان والنسق القيمي الذي تحمله (نشرت بعنوان: نبوءة خراب الصهيونية)، لأخرج بنتيجة أن نزعة "الصهيونية العدمية" وقيمها التي انتشرت في دولة الاحتلال بعد حرب عام 1948م وإعلان الدولة، هي تمثل آخر لتيار "الصهيونية الماركسية" الذي انقسم إلى شقين بعد حرب عام 1948م وإعلان الدولة؛ شقٌّ اختار استمرار العمل التنظيمي/ السياسي بفلسفة إصلاحية تسعى لضبط ميول دولة الاحتلال العنصرية والتوسعية، وشقٌّ شعر بنهاية العالم وفشل يوتوبيا الصهيونية الماركسية على أرض فلسطين مع قرار التقسيم، واختار هذا الشق أن يتبني ما أسمته الدراسة بـ"الصهيونية العدميّة" متنبأ بحتمية خراب دولة الاحتلال؛ لأنّها قامت على سلب الحق الوجودي للفلسطينيين، فكان مركز النسق القيمي أنّ هذا التيّار (من خلال دافيد أفيدان) يتبنّى نزعةً عدميّةً عبثيّةً ردًّا على تفكّك يتوبيا "الصهيونية الماركسية" المزعومة مع قرار التقسيم 1947م والحرب 1948م.
ثم أخذت الدرس الثقافي إلى مسافةٍ أبعد في الدراسات الصهيونيّة؛ حينما طبقت منهج البحث عن النسق القيمي ومقارنته بالنسق القيمي الأعلى المفترض إنسانيًّا، على مساهمة ومقاربة سارتر للمسألة اليهوديّة/ الصهيونيّة في كتابه الذي قمت بترجمته والمعنون: "تأملات في المسألة اليهوديّة"، فبالإضافة إلى عمليّة الترجمة والتحقيق قدّمت دراسة نقديّة سبقت الكتاب بعنوان: "سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجودي للفلسطينيين"، كشفت فيها عن هشاشة المنطق أو الحجّة أو النسق القيمي الذي قدّمه سارتر، ودعمه للمشروع الصهيوني باعتباره التمثّل وذروة الوعي الوجودي الجمعي لليهود في العالم، أو ما أسمته الدراسة "الصهيونية الوجودية"، وذلك وفق مقارنةٍ قيميّةٍ بسيطةٍ مفادها أن هذا التحقّق الوجودي ليهود العالم في فلسطين.. جاء على حساب التحقق الوجودي للفلسطينيين، وأنّه سيخلق وجودًا مأزومًا وقلقًا للصهيونيّة لن يستقرّ إلا بتفكّكها، فكان المنهج الضابط مقارنة النسق القيمي لسارتر بالنسق القيمي الحر أو الموضوعي، الذي أثبت هشاشة فلسفة سارتر عن الصهيونية الوجودية ومنطقها(الذي اعتمد على مقارنة قيم المركز الأوروبي تجاه المضطهد/ الهامش الأوربي والصورة النمطية ليهود أوروبا).
وتكاد تكون قد مرّت عشرون عامًا بين مرحلة التمرد على مسلمات الدرس الثقافي العربي للأدب الصهيوني في مرحلة دراستي للتمهيدي، وبين عام 2023م م حين طورت المنهج الثقافي ومنحته الكثير من صفة العمومية في مسارٍ آخر يهتم بالحالة العربية نفسها باسم "الدراسات الثقافية العربية المقارنة" باعتبارها فلسفةً للمشترك الثقافي العربي واستعادة اللحمة في "مستودع هويته".
لكن يبقى أن الدرس الثقافي العربي للأدب العبري الصهيوني، ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؛ مازال خاضعًا رغم كل شيء للعديد من مسلمات الانتصار للهوامش وفلسفتها إرث المسألة الأوروبية ومدرسة الدراسات الثقافية البريطانية، خاصةً في مجال الدراسات النسوية/ الجندرية للأدب العبري، وما عرف بدراسات أدب الاحتجاج، وأدب المعارضة، وأدب ما بعد الصهيونية، وأدب المهاجرين الشرقيين وجدل الأشكيناز (المركز) والسفارديم (الهامش).. الخ.
ويظل النموذج المطلوب في الدرس العربي للأدب العبري الصهيوني غائبًا لحدٍّ بعيد، لم تستقرّ مفاهيمه النقديّة بعد وفق الدرس الثقافي الحرّ الذي لا تقيّده فلسفة الانتصار للهوامش ومتلازمات المسألة الأوروبيّة، يظلّ الجهد النقدي العربي النظري أو التأسيسي في مجال الدرس الثقافي للأدب العبري/ الصهيوني – والمشروع الصهيونيّ عامة - غير كافٍ، ويسير الباحثون فيه في ركاب الشائع والنمطي في المشهد النقدي العربي الذي ينقل عن السياق الأوروبي/ الغربي نقلًا حرفيًّا، لكن يبقى الأمل دومًا في استعادة "الذات العربيّة" لنفسها وتطور مدرسة عربية ذات فلسفة واضحة وخاصة بها، في مقاربة الدرس الثقافي للأدب العبري/ الصهيوني.
مع الإشارة إلى جهد الرواد من الدراسات العربيّة غير الأكاديمية التي اتّسمت بخصوصيتها، وقدرتها على ضبط مذهبها النقدي والثقافي وفق نسق المقاومة والصمود وقيمهما، وهو من نجده في دراسة غسان كنفاني الرائدة عام 1967 عن الأدب الصهيوني (في الأدب الصهيوني)، وفي دراسة غالب هلسا عام 1995 (نقد الأدب الصهيوني)، وغيرهما.