Menu

التمرد الصيني بالقوة الإستراتيجية

د. محمد السعيد إدريس

للتمرد الصيني على سياسات الهيمنة والغطرسة والتفرد الأمريكية أوجهاً كثيرة وهذا ما يعطيه الأهمية التي تحظى بها عند الأمريكيين كمصدر أول للتهديد. أبرز، وربما أهم، هذه الأوجه هو ذلك التمرد الاستراتيجي، أي التمرد والتحدي عبر امتلاك القدر اللازم النوعي والكيفي من مصادر القوة الاستراتيجية الشاملة: الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية. فالصين، وعبر هذه المصادر المحورية للقوة، لم تعد قادرة فقط على أن تقول "لا" لسياسات الاستعلاء وإملاء الشروط الأمريكية، بل وأن تطرح نفسها كقوة شريكة، إن لم تكن بديلة، في قيادة نظام عالمي جديد أكثر عدالة وديمقراطية.

وإذا كانت الصين قد أبهرت العالم أول ما أبهرت بقوتها الاقتصادية عندما استطاعت أن تنافس الولايات المتحدة الأمريكية في حجم الناتج القومي الإجمالي الذي يتقدم بمعدلات متسارعة عكس الحالة الأمريكية، حيث من المقدر أن يوازى نظيره الأمريكي حتى عام 2025 أو بعد ذلك بقليل، فإنها باتت تفوق اقتصاديا على الولايات المتحدة وفق مؤشرات أخرى للتقدم. فالميزان التجاري، بين البلدين، يعمل لصالح الجانب الصيني لعدة سنوات متتالية حيث بلغ 418,23 مليار دولار في العام 2018 و404,1 مليار دولار في العام 2022، كما بلغ حجم الاستثمار الصيني في سندات وأذونات الخزانة الأمريكية 1060,1 مليار دولار في بداية عام 2022، وتعتبر الصين المقرض الثاني للولايات المتحدة، وكانت لسنوات هي الدائن الأول للولايات المتحدة، لكن الأخطر من ذلك هو ما تقوم به الآن، بالتعاون مع شركاءها في منظمة "بريكس" خاصة روسيا من أدوار لكسر أهم مرتكزات القوة الاقتصادية الأمريكية متمثلة في الدولار الأمريكي، عبر تكريس سياسة التبادل التجاري بالعملات الوطنية متحررة من الدولار بينها وبين دول هذه المجموعة التي تضم إلى جانب الصين روسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، والسعي لإصدار عملة بديلة للدولار ، وربما تصدر هذه العملة في مؤتمر المجموعة الذى سيعقد في جنوب أفريقيا في شهر أغسطس القادم وعندها سوف يهتز عرش الدولار ومعه النفوذ الأمريكي، إذا أضفنا إلى ذلك التأثير المستقبلي لسياسة "الحزام والطريق" الاقتصادية الصينية التي أطلقها الرئيس الصيني عام 2013 وتهدف إلى "بناء سوق كبيرة موحدة" يجمعها التبادل التجاري والثقافي والثقة وهدفها "تعزيز الازدهار العالمي"، ستكون الصين مع اكتمالها قوة اقتصادية عالمية مؤثرة بشبكة واسعة تضم عشرات الدول، تجمعها روابط التعاون والثقة المتبادلة، باعتبارها عنوانا للدور الصيني العالمي المنتظر.

أما القوة العسكرية الصينية فقد بلغت مستوى أربع القيادات العسكرية الأمريكية للدرجة التي دفعت قائد القوات الأمريكية الإستراتيجية استراتكوم" الجنرال تشارلز ريتشارد إلى القول أمام الندوة السنوية لرابطة الغواصات البحرية وتحديث الصناعة أن "المنافسين مثل الصين يتفوقون على الولايات المتحدة بطريقة دراماتيكية وعلى الولايات المتحدة أن تُصعّد من لعبة الردع الخاصة بها، وإلا ستنهار"، وزاد على ذلك القول: "بينما أقوم بتقييم ردعنا ضد الصين، فإن السفينة تغرق ببطء.. إنها تغرق ببطء، لكنها تغرق، لأنهم في الأساس يصنعون القدرة في الميدان أسرع مما نحن عليه.. ومع استمرار هذه المنحنيات، لن يكون الأمر مهما إلى أي مدى نحن جيدون، أو مدى جودة قادتنا، أو ما مدى جودة خيولنا.. لن يكون لدينا ما يكفي منها، وهذه مشكلة على المدى القريب جداً". وهو ما اعتبر اشارة إلى تفوق الصين في عدد سفنها الحربية، وتسريعها بناء المزيد من حاملات الطائرات.

لم تأت هذه الشهادة من قائد عسكري أمريكي له وزنه ومكانته من فراغ فالقدرات العسكرية الصينية، التي كانت تحتل المرتبة الثانية من الاهتمام بعد أولوية التفوق الاقتصادي للصين، باتت تنافس هذا التفوق الاقتصادي للصين في ظل إدراك صيني متنامي بعنف العداوة الأمريكية للصين. فالجيش الصيني الذي يحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث العدد (مليونين و35 ألف رجل وامرأة" والثاني من حيث الميزانية قرر زيادة مخصصاته بنسبة 7,2% في عام 2023 الحالي، الأمر الذي سيسمح له بمواصلة مهماته التحديثية.

أما من حيث التسليح فالصين تملك 350 رأساً نووياً وفقاً لأرقام عام 2022 كما أوردها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، وتمتلك الصين ثلاث حاملات طائرات، وتحرز القوات الجوية الصينية تطوراً سريعا على الأخص بمقاتلات جديدة مثل "16-J " والمقاتلات الشبح (20J) وهي طائرات "تضاعف على الأرجح" معدل انتاجها السنوي خلال السنوات الثلاث الماضية، أما بالنسبة للسلاح البحري فإن الصين تقدم أحيانا على أنها أول قوة بحرية في العالم من حيث عد السفن قبل الولايات المتحدة. هذه القوة العسكرية هي التي مكنت الصين من امتلاك القدرة على إظهار التحدي القوى للولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي ومجمل إقليم جنوب شرق آسيا، وإجراء المناورات العسكرية قبالة سواحل تايوان، للدرجة التي دفعت جنرالا أمريكيا هو مايكل مينيهان المنتمي إلى سلاح الجو إلى التحذير من المخاطر العالية لنشوب حرب مع الصين عام 2025 على الأرجح بسبب تايوان، وليست هناك شهادة على التفوق العسكري الصيني وبالذات القدرات التسليحية الصينية من التحذيرات الأمريكية للصين من العواقب الخطيرة لأى تورط صيني في امداد روسيا بأسلحة متطورة في حربها في أوكرانيا خشية أن يؤدى ذلك إلى قلب موازين القوى في هذه الحرب لصالح روسيا.

وإلى جانب القوتين الاقتصادية والعسكرية دخلت الصين أيضا ميدان التنافس على التفوق في امتلاك القدرات التكنولوجية المتقدمة والمتفوقة. ردود الفعل الأمريكية العصبية على شركة "هواوي الصينية" العملاقة في إنتاج الهواتف المحمولة وتصنيع أجهزة إرسال الجيل الخامس المرتبطة بالتقنيات العالية وكذلك على تطبيق "تيك توك" التابع لشركة "بايت دانس" الصينية ومنع تداوله على المستويات الرسمية والشخصية في الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية بحجة حماية الأمن القومي خشية "التهديد السيبراني" الصيني، كلها شهادات أمريكية وغربية على ما نجحت الصين في تحقيقه من تقدم في مجال التكنولوجيا المتقدمة، وفى السنوات الأخيرة دخلت الصين مجال التحدي مع الولايات المتحدة في تصنيع "الشرائح الإليكترونية" خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن (أكتوبر 2022) بفرض ضوابط وقيود واسعة على الصادرات التكنولوجية بهدف منع الصين من الحصول على أشباه الموصلات المتطورة . فقد جاء الرد الصيني هو التحدي الذي اتخذه المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي (أكتوبر 2022) لمواجهة الحرب التكنولوجية. ظهر ذلك في خطاب الرئيس الصيني شي جينج بينج أمام هذا المؤتمر حيث رصد المراقبون أن كلمة "التكنولوجيا" وردت في هذا الخطاب 40 مرة، ووعد بتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال التكنولوجيا المتطورة الذي دشنته الصين تحت اسم "صنع في الصين عام 2025" عام 2015 من أجل إعادة تركيز صناعتها على التنافس في مجال التحول إلى التشغيل الآلي والشرائح الإليكترونية الدقيقة.

لقد أدى التنافس والصراع مع الولايات المتحدة إلى تنامى "النزعة القومية التكنولوجية" في الصين ولأول مرة يضيف الحزب الشيوعي الصيني الحاكم فئة جديدة إلى قائمة أولوياته وهى "تحقيق قوة كبيرة مدعومة من التكنولوجيا والعلم والتعليم" وعندما تنجح الصين في ذلك ستكون قد تكاملت عناصر قوتها وعندها ستكون قادرة بجدارة على ممارسة التمرد ضد السياسة الأمريكية.