Menu

ثقافةُ الاشتباك.. بديلًا عن ثقافة الهزيمة

د. محمد عليان

نشر هذا المقال في العدد 49 من مجلة الهدف الإلكترونية

يختلفُ مفهوم الثقافة من مجتمعٍ إلى آخر، ومن كاتبٍ إلى آخر، ولا يوجد اتفاقٌ يقينيٌّ على تعريفٍ محدّدٍ وواضحٍ لها، وربّما يرجع سبب ذلك لصعوبة إخضاع الظواهر الإنسانيّة للتجربة المخبريّة على غرار العلوم الدقيقة، والمتعارف عليه أنّه توجد خصائص عامّة متّفق عليها، حيث لكل مجتمعٍ ثقافته الفريدة وطرقه الخاصة، التي تميّزه عن غيره من المجتمعات، وبهذا المعنى تكون الثقافة عمليّة مستمرّة (لا تُنسى)، تنتقل من جيلٍ إلى آخر مع إضافة سماتٍ نوعيّةٍ جديدةٍ عليها تكسبها طابع التراكمية.

 ويمكن محاولة تعريفها: "بأنها إرثٌ اجتماعيٌّ يكتسبه الفرد من المجتمع، أو مجموعة الأفكار والمعلومات والخبرات عن مظاهـر الحيـاة العامة التي تشـكل في النهاية سلوك الفرد السائد بالمجتمع"، أما كلمة الاشتباك تعني الالتحام والمواجهة المباشرة بشتى الأدوات المتاحة للفرد أو الجماعة في مواجهة العدو أو الخصم، والمقصود هنا بثقافة الاشتباك الرئيسي مع العدو الصهيوني، وجعلها ثقافة فعل ثوري جماعي دائم ومستمر، يتم توريثها من جيلٍ إلى جيل، للخلاص الكلي من الاحتلال الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين في ظل حالة التراجع والكسل الثوري التي تعيشها المنطقة العربية برمّتها؛ نتيجة سياسة تزييف الوقائع التي ينساق وراءها المثقف السلطوي للتعبير عنها بواسطة قلمه، أو عبر وسـائل الإعلام المختلفة، الذي لا يتوانـى للدفـاع عن "إسرائيل" باعتبارها واحة الديمقراطية والتقدم التكنولوجي في الشرق الأوسط، وإقامة علاقات طبيعية معها (حالات التطبيع العربية).

وهو ما سيحظى بحيّزٍ إعلاميٍّ كبير، بل ومدعوم من الحركة الصهيونية نفسها، وهذا النوع من المثقفين سيثبت بأن المواجهة ليست في الحقيقة بين يهود وعرب، ولا بين محتل وخاضع للاحتلال، بل بين أصحاب الديمقراطية، والردكاليين أو الأصوليين، مثلما يتم وصف التنظيمات الفلسطينية المُقاومة بالإرهاب بشكلٍ متعمّد ومقصود، وفي المقابل يتم تناسي أن الإرهاب هو الناتج عن الحروب والإبادة الجماعية المنظمة، ويعدّ من جرائم الحرب ضد الإنسانية وفق القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو ما تقوم به "إسرائيل" بشكل منظم ومُمنهج ضد الشعب الفلسطيني، وتقوم به أيضًا حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الديمقراطية الكبرى كما يحلو للبعض وصفها!

المثقّف اليوم والمثقّف المشتبك:

يوجد فرقٌ كبيرٌ جدًّا بين مثقف اليوم والمثقف الحقيقي؛ فالأوّل يتمتع بامتيازاتٍ شخصيّة (أجير) من صاحب السلطان والجلالة، أو بالمعنى العربي المتداول للكلمة مرضي عنه من فوق، ويقدم نفسه على أنه خبير في الأمن وخبير في السياسة... الخ من المسميات الكبيرة التي لا تعبر في كل الأحوال عن مضمون القول والفعل، فهو لا يمتلك الجرأة الأدبية عن كشف الحقيقة وملابستها، وإنما مُسيطر عليه فيما يقول وفيما يفعل، وربما تأتيه الصياغة جاهزة من قبل أجهزة المخابرات، فهو أشبه بآلة صماء موصولة بجهاز الحاسوب يُرسل لها الأمر بالطباعة ومن ثَمَّ تقوم بالتنفيذ وهو حال المثقفين اليوم؛ فمثقفو السلطة كثر ومعروفون بالاسم، والشعب الفلسطيني يعي تمامًا هذا الفعل الكاذب، ويستطيع أن يفرق ويميز بين المثقف الحقيقي والمثقف المزيف، فلا يمكن الكذب على الشعب صباحًا ومساء؛ فالشعوب ليست غبية إلى هذا الحد، فوعيها السياسي يسبق وعي صاحب القرار والسلطة.  

  أما الثاني ونقصد به المثقف المشتبك أو الحقيقي فهو لا يتمتع بأي امتيازاتٍ ولا يقبل بالمساومة البتة على مبادئه التي يؤمن بها، وتجده دائمًا منحازًا إلى طبقة الضعفاء والفقراء، والمهمّشين في ظل عالم تسوده القوة والوحشية في التعاملات الناتجة عن الفكر الرأسمالي والكمبرادور الذي أصبح يتحكم في وسائل وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، بغرضٍ تجاريٍّ أو سياسيٍّ بحث، ومن ثَمَّ لا يُسمح لأي مثقف إلا أن يدور في هذا الفلك، وغير ذلك يجب التعامل معه على الهامش، بحيث يصبح عاجزًا عن قول الحقيقة ويصيبه حالة من اليأس والإحباط، تجعله ينعزل بنفسه؛ بسبب وضع العراقيل أمامه للاتصال بأكبر عدد من الجماهير خصوصًا في وسائل الاتصال المرئية، وفي الجانب الآخر تجد المثقف المزيف يحظى بظهور إعلامي بارز ومدعوم من قبل وسائل الإعلام المختلفة، لا لشيء إلا لشغل الجمهور بكلام معسول يحرفه عن تحقيق أهدافه والمطالبة بحقوقه العادلة، حيث بالكاد تجد وسيلة إعلام عربية واحدة على الأقل تشبع حماسك القومي العربي وتوجهك الاتجاه الصحيح تجاه قضايا الأمة العربية.

 فقد سعى مثقفو وسائل الإعلام إلى شغل الشارع الفلسطيني مدّة ستة عشر عامًا في قضية الانقسام والمصالحة، وقضايا أخرى، وتحويل قضيتهم العادلة من قضية سياسية بحتة إلى التعامل معها على أساس أنها قضية إنسانية، تتطلب مساعدات وهبات لنجدة الشعب الغلبان صاحب الأرض الحقيقي وسيدها، واليوم بكل أسف يسعى مثقفو السلطة إلى تحويل القضية إلى قضية ضمن نطاق أوسلو المحدود على 20% من أرض فلسطين التاريخية المقطعة إلى أجزاء، والمحصورة في كانتونات معزولة، المتحكم الوحيد فيها قوة الاحتلال على الأرض، ونسوا أو تناسوا أن 80% من الشعب الفلسطيني يعيش في اللجوء والشتات، مثقفو أوسلو عملوا طلية ثلاثين عامًا على شطب منظمة التحرير الفلسطينية وتحويلها إلى جثةٍ هامدة، هذه المنظمة التي تشكل الكيانية الفلسطينية التي دفع الشعب الفلسطيني ثمنها دمًا من أجل الوصول لها؛ لكي تصبح الممثل الشرعي والوحيد له، ومن ثَمَّ تحقيق أهدافه المشروعة في التحرير والعودة من خلالها، أليس من العيب والمعيب أن ينزل مستوى سقف التحدي عند هذه القيادة إلى مستوى هذا الحضيض من التنازلات وراء الأخرى؟ نحن لا نلوم مثقفو اليمين السياسي، بل اللوم كل اللوم على مثقفي اليسار الفلسطيني الذين ينساقون إلى مثل هذه الترهات مخالفين مبادئهم الثورية التي يتشدقون بها ليل نهار، ألا يخجلون من أنفسهم؟ ألا يخجلون من ناجي العلي و غسان كنفاني وحكيم الثورة ومدرسته الفكرية التي يمكن تجسيدها على أساس أنها ثقافة اشتباك صالحة للأجيال التي تنتظر طوابير من أجل تحرير فلسطين، ولا يسمح لها مجرد الاقتراب من كرسي القيادة، خوفًا على مصالحهم وامتيازاتهم الشخصيّة، وحالات البرستيج والاستقبال في القاعات الشرفية عند أنظمة رجعية تابعة للامبريالية الحديثة؟

 فرقٌ كبيرٌ بين اليوم والأمس، عندما كانت الثورة الفلسطينية المعاصرة تستقطب كل المثقفين والمفكرين العرب ومن شتى أنحاء العالم للبحث والتقصي والكتابة في فترة الستينات والسبعينات، فترة المد الثوري، حيث كانت العاصمة بيروت تشع منارة للفكر والأدباء، ومحط أنظار العالم، إلى غاية حرب بيروت 1982، التي كان هدفها الأساس ليس فقط القضاء على الثورة الفلسطينية، بل اجتثاث الفكر الثوري العربي من جذوره، هذه ثقافة الاشتباك التي نحن بأمس الحاجة لها الآن أكثر من أي وقت مضى.         

 وبالرغم من صعوبة ظروف هذا الواقع تجد المثقف الحقيقي لن يتكيف معه، ولن يستأنس به، ولن يستسلم أو يخضع لرتابة الحياة المملة، فهو دائمًا شعلة موقدة ضد الظلم والطغيان الممارس في المجتمع؛ يكشف ويستكشف كذب وغرور ومراوغة السلطة (التشكيك في روايتها)، فهو دائم النقد لها من أجل تصويبها على الأقل خدمةً لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية، فهو ليس مسالمًا ولا يتفق مع آراءها، وإنما يرفض "الصيغ المبتذلة" والأقوال الجاهزة، أو التأكيدات المهذبة القائمة على المصالحات اللبقة التي يتصف بها المثقف الجبان، لهذا تجد أن المثقف الحقيقي يُحارب بقوة من قبل السلطة؛ لأن فكره أصبح محط تهديد حقيقي لها، وقد يصل الأمر به إلى النفي أو السجن أو حتى التصفية الجسدية، وتاريخ العالم حافل بهذا المجال.

 والتاريخ الفلسطيني على وجه التحديد شهد وما يزال يشهد، ملاحقات ومطاردات عديدة للمثقفين الأشداء، وصلت إلى حد التصفية الجسدية، أمثال الشهيد الفنان ناجي العلي التي غطت رسوماته النقدية كل الدنيا، وما زالت تحاكي الواقع اليوم وتعيش في أذهان كل إنسان حر يسعى للتحرر من ظلم ذوي القربى واستبدادهم، ومن بطش وظلم الاستعمار، ولا ننسى الشهيد المفكر الملتزم غسان كنفاني، وأدبه المقاوم الذي تُرجم إلى عدة لغات أجنبية، وهو حاضر بفكره ونهجه في عقول وحركات التحرر العالمية والعربية، وما زالت أفكاره أيضا تحاكي الواقع وتعقيداته وكأنه كتبها اليوم، وليس غريبًا أن تُنتشر ويتم تداولها جيلًا بعد جيل كلما حلت ذكرى استشهاده، هذه ثقافة الاشتباك التي يحتاجها الشعب الفلسطيني والعربي اليوم فعلًا حقيقيًّا وجادًّا يمارس على الأرض من قبل الجميع، وليست ثقافة الاستسلام والانهزام التي يُهرول وراءها الحكام العرب ويأسرون شعوبهم بها، ويتبناها طيف كبير من المثقفين المزيفين.

 فالشعبُ الفلسطيني يفضل الموت واقفًا على أن يخسر قضيته، هذا ما قاله غسان كنفاني في حوار صحفي تلفزيوني، حيث حاول الصحفي مرارًا وتكرارًا انتزاع تصريح من فمه باعتباره ناطقًا إعلاميًّا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأنّه يمكن الحوار والجلوس مع المحتلّ في غرفةٍ واحدةٍ للتفاهم، ولكن كان الرد أقوى بكثير من الردود التي نسمعها اليوم على لسان حال المثقفين المزيفين، واعتبر هذا النوع من الحوار كأنه حوار بين السيف والرقبة.

نعم يا غسان لقد تخلّصوا منك جسدًا، وهم لا يدركون أن فكرك المشتبك سيبقى حاضرًا في كل مكان في هذا العالم، تستلهم به الأجيال القادمة، وما تجربة الشهيد الشاب باسل الأعرج إلا امتداد طبيعي لهذا النهج، الذي يخيفهم ويدب الرعب فيهم إلى غاية الآن، هذا الشهيد البطل الذي صال وجال في كل مناطق الضفة الغربية، ولم تتح له الفرصة أن يذهب إلى قطاع غزة، يشرح ويحلل النهج الثوري السليم للشباب، وتجسيده على أرض الواقع ثقافةً سائدةً في المجتمع الفلسطيني، بعدما سيطرت عليه سلطة الحكم الذاتي، التي ما فتئت أن تنسق أمنيًّا مع الاحتلال، حيث وصل بها الحد إلى ملاحقة المقاومة والفدائيين وفي بعض الأحيان الوشاية عنهم، أنت الشهيد البطل صاحب مقولة: "بدك تصير مثقف، لازم تكون مثقف مشتبك، وإذا ما بدك تشتبك، لا فيك ولا في ثقافتك، (فش فايدة منك)"، بالفعل كان مثقف يشتبك على صعيدين في آن واحد، سلطة الحكم الذاتي المهزومة والمستبدة التي تستخدم أساليب القمع البشعة في قمع المتظاهرين الرافضين لهذا النهج، حيث تم اعتقاله هو ورفاقه الشباب، وسلطة الاحتلال الصهيوني ونهجها المتبع الذي لا يقل أهمية عن الأولى، وبعد خروجه مباشرة من سجن سلطة الحكم الذاتي، بدأ الاحتلال يطارده من مكان إلى آخر، إلى أن تم العثور عليه في أحد البيوت التي يأتوي فيها ليس خوفًا من أحد، ولكن تطبيقًا عمليًّا لشعاره الذي حمله على كاهله:"عش نيصًا وقاتل كالبرغوث"، حيث اشتبك مع قوّةٍ صهيونيّةٍ كبيرة مدججة بالسلاح المتطور، ورفض أن يستسلم حتى آخر طلقة من بندقيته.

الشعبُ الفلسطيني اليوم بحاجةٍ ماسّةٍ أكثر من أي وقتٍ مضى إلى ثقافة الاشتباك أوّلًا مع الاحتلال الصهيوني من جهةٍ تناقضًا رئيسيًّا، لا يقل أهمية وخطورة عن الاشتباك الثاني مع المثقفين الضعفاء أصحاب النفوس الجبانة من جهةٍ ثانية، الذين يخدمون استراتيجية الاحتلال الصهيوني بوعي أو بغير وعي وينظرون لنا كل صباح ومساء على شاشات التلفزيون لإرساء ثقافة الهزيمة والاستسلام، حيث نبهنا حكيم الثورة جورج حبش إلى هذا الاتجاه، وقال لنا يمكن أن نخسر على صعيد الجبهة العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، ولكن من غير المقبول على الإطلاق أن نخسر الجبهة الثقافية، فهذا معناه كبير من ناحية المضمون، فعلى الجيل الشاب اليوم أن يحدوا حدو هذا النهج الثوري، ويستعيد زمام المبادرة لكل طاقاته المسلوبة، وذلك في عملية الحشد والتنظيم والانضواء تحت مظلّةٍ واحدةٍ يقودها ويمكن أن نسميها"جيش التحرير الفلسطيني" على غرار جيش التحرير الجزائري الذي فجر ثورة التحرير الجزائرية التي قادته إلى الاستقلال من الاستعمار الفرنسي الغاشم، هذا النموذج الملهم للشباب الفلسطيني؛ بالتأكيد يمكنه من استعادة مؤسساته المسلوبة من قبل القيادة المستسلمة التي شاخت وعاف عليها الزمن، فلا يعقل أن يبقى الشعب الفلسطيني المكافح منذ قرابة مئة عام ويزيد، متفرّجًا ومكتوف الأيدي.