نظمت وحدة الدّراسات الإفريقيّة بمركز مسارات للدّراسات الفلسفيّة والإنسانيّات بتونس، والرابطة الدّوليّة للخبراء والمحلّلين السياسيين، وشركائهما في بقية عالم الجنوب؛ ندوة فكرية دولية تحت عنوان: "التحوّلات الجيو-استراتيجيّة في إفريقيّا ومقاومة الاستعمار والعنصريّة والصهيونيّة"، الخميس الماضي، بمناسبة اليوم العالمي لأفريقيا
وشارك بالندوة السيد كارلوس فيو سفير فنزويلا، والسيدة مريم مارتينيز سفيرة كوبا بتونس. ومجموعة من ممثلي منظمات المجتمع المدني.
كما شارك في الندوة عن بعد كل من سيادة المطران عطا اللّه حنّا / رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس من فلسطين. وكل من د. محسن صالح: رئيس الرّابطة الدّوليّة للخبراء والمحلّلين السياسيين د. عبد الحليم فضل اللّه/ رئيس المركز الاستشاري للدّراسات والتوثيق من لبنان. د. مونغان والي سيروتي/ كاتب وعضو المؤتمر الوطني الإفريقي من جنوب افريقيا -د. فرانكلين نيامسي / مناضل وفيلسوف من الكاميرون. وعمر بـمبا / المدير التّنفيذي لاتّحاد علماء إفريقيا من مالي.
وتمثلت محاور الندوة في إفريقيا في عالم الجنوب: التّاريخ وذاكرة النضال المشترك. وإفريقيا والتحوّلات الجيو-استراتيجيّة العالميّة الرّاهنة. إفريقيا في مواجهة ثلاثية الاستعمار والعنصريّة والصهيونية: المهام والآليات.
وضمن هذا المحور قدم د. عابد الزريعي مدير مركز دراسات ارض فلسطين للتنمية والانتماء مداخلة بعنوان: استراتيجيات التغلغل الإسرائيلي في افريقيا: الأهداف والاليات. ونقدّم لكم نصها كاملاً:
استراتيجية التغلغل الاسرائيلي في افريقيا: الاهداف والاليات
مدخل
1 ــ استراتيجية التغلغل الاسرائيلي عبارة عن مسار اتصالي لخلق بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مؤيدة لإسرائيل في افريقيا، ومضادة لأية محاولة عربية لبناء علاقة ايجابية مع القارة. وهي تدار بشكل شبه كامل من قبل اسرائيل، لكنها لا تعبر عن مصالحها الخاصة فقط، وانما تنضوي على مصالح امريكية واوربية، الامر الذي يوفر لها دعم خارجي. وقد اشتغلت على مدى ثلاثة مراحل من العلاقات الاسرائيلية الافريقية، وهي مرحلة البناء التدريجي للعلاقات من عام 1948 إلى 1967. ومرحلة تراجع العلاقات من عام 1967 إلى 1977. ومرحلة تسارع العلاقات وتطورها من عام 1977 إلى 1990، حيث بات لإسرائيل 48 سفارة وبعثة ديبلوماسية في القارة التي يبلغ عدد دولها 53 دولة. وإذا كان التراجع قد ارتبط بحرب عام 1967 وحرب 1973، فان تطور العلاقات قد ارتبط بمتغيرين رئيسين هما اتفاقيات التسوية والتطبيع العربي الاسرائيلي من ناحية، وانهيار الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية. وتتبدى هذه الاستراتيجية في صياغتها النظرية والعملية في خمسة ركائز هي التحدي، والرؤية والاهداف، والموكلون بتحقيق هذه الاهداف، والتكتيكات المتبعة وهي عبارة عن استراتيجيات صغرى. وهي الركائز الاساسية للمداخلة:
الركيزة الأول: التحدي: شكل مؤتمر باندونج 1955 تحديا رئيسيا لإسرائيل، بعد رفض السماح لهه بالمشاركة في المؤتمر، الامر الذي جعلها تستشعر امكانية عزلها وحصارها على المستوى الاسيوي وخاصة الافريقي. وفي هذا السياق ولد ما يعرف بالاتجاه الافريقي في السياسة الخارجية الاسرائيلي.
الركيزة الثانية: الرؤية: تشكلت الرؤية الاسرائيلية لإفريقيا ارتباطا بالتحدي، وتمثلت في تصور افريقيا كجغرافيا مهيمن عليها سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا من ناحية، ومعادية للعرب بشكل مطلق من ناحية ثانية.
الركيزة الثالثة: الاهداف: يستدعى الوصول الى تلك الرؤية انجاز مجموعة من الاهداف، التي تتلخص في مجموعة عناوين هي:
1 ــ السياسي: ويتمثل في توسيع شبكة العلاقات الدبلوماسية في القارة الافريقية، والاستفادة من كتلتها التصويتية في المحافل الدولية، لدعم الشرعية والرواية الإسرائيلية. وكسب دعم الامريكيين من أصل افريقي على الساحة الأميركية. واحداث شرخ بين الدول العربية وافريقيا.
2ــ الاقتصادي: ويتحدد أولا في تأمين المواد الأولية وأسواق للمنتجات الإسرائيلية، وتشغيل فائض العمالة من فنيين وخبراء في القارة، وثانيا في تامين التجارة البحرية عبر ممرات التجارة الدولية، والمنافذ البحرية الافريقية على المحيطين الهندي والأطلسي. ورحلات "شركة العال" التي تمر في سماء إريتريا ومن هناك تتجه شرقا. وثالثا في اغراق الاسواق الافريقية بسلع رخيصة، لسد الطريق أمام دخول بضائع عربية للأسواق الافريقية.
3 ـــ الامني: ويتلخص في ضرب المصالح العربية وإضعاف نفوذ العرب في تلك القارة. واختراق ملف الجاليات العربية في افريقيا. وذلك ضمن منظومة الأمن القومي الاسرائيلي بشموليتها.
4 ــ هدف ديمغرافي: ويتبدى في توظيف الجاليات اليهودية في معالجة الضغط الديموغرافي في "إسرائيل"، وزيادة الكثافة السكانية. واستخدامهم ايضا كقوة ضغط وثير داخل بلدانهم.
الركيزة الرابعة: الموكلون: وهم المعنيون بإنجاز تلك الاهداف ويتمثلون في وزارة الخارجية الاسرائيلية وتضم إدارتين متخصصتين في الشئون الأفريقية. وقسم التعاون الدولي (مستقل) ويتولى مشاريع التنمية بأكملها في القارة، ويتبعه سبعة مؤسسات. والمراكز التدريبية الخاصة بأفريقيا وعددها خمسة. وجمعيات الصداقة واندية السلام التي أسسها قسم التعاون الدولي والموساد. والخبراء والفنيين الذين يرسلون للعمل في افريقيا. والمتدربون الذين يتلقون التدريب داخل اسرائيل في المؤسسات المشار اليها او غيرها، ثم يعودون الى بلدانهم. وقد بلغ عدد هؤلاء حتى عام 2007 (24636). وتحددت مصائر 1080 من بينهم في 3 رؤساء حكومة. 40 وزيرا. و150 برلماني. 100 محاضر. و400 مدير تعاونية. و350 رؤساء نقابات. و37 أمناء اتحادات ثقافية.
الركيزة الخامسة: التكتيكات: (الاستراتيجيات الصغرى) وتتمثل في التغلغل الامني، والتغلغل المادي (الاحتياجات المادية، والتغلغل الثقافي.
اولا: استراتيجية التغلغل الأمني والعسكري:
يتحدد هدف هذه الاستراتيجية في ربط المنظومة العسكرية والامنية لدول القارة، بالمنظومة الإسرائيلية تدريبا وتنظيما وتسليحا. وتوكل مهمة الانجاز الى الشركات الامنية الاسرائيلية او الوسيطة، والمجموعات العرقية المحلية، وخبراء الأمن العاملين في القارة. وتتمثل التكتيكات المتبعة في تقديم المساعدات الفنية للجيوش والأجهزة الأمنية واختراقها. والاهتمام بالحراسات الخاصة للقيادات الإفريقية. وتجنيد العملاء. وتوفير الدعم العسكري للدولة ومعارضيها كضمان في حال تغير الأوضاع. ودعم المعارضة في الدول غير الموالية لنشر حالة من عدم الاستقرار السياسي. واثارة المخاوف من مد اسلامي، وتقديم اسرائيل كخبيرة في التصدي لهذا الخطر.
ثانيا: استراتيجية التغلغل المادي:
وتشتغل عبر مدخلين، الاول اقتصادي وهدفه تكريس صورة لإسرائيل كدولة متقدمة تقنيا واقتصاديا، تساعد افريقيا على التطور بدون اطماع. اما الموكلون بإنجاز الهدف فهم البرنامج الدولي لمحاصيل الأراضي القاحلة والذي تتبناه جامعة بن غوريون. والمستثمرون والشركات الصناعية والتجارية الاسرائيلية والمختلطة، في كافة المجالات الاقتصادية. وتتلخص التكتيكات المتبعة في اقامة المشاريع مثل “حديقة السوق الأفريقية" في مجال الأمن الغذائي. ومحاصيل الأراضي القاحلة. واستصلاح الأراضي، والريّ والصرف الصحي. وتشجيع المستثمرين الإسرائيليين للذهاب إلى الدول الأفريقية. وتقديم الخبرات الفنية والعلمية. وتركيز المشاريع الزراعية التي تعتمد سحب المياه في دول منابع النيل. ويتعلق المدخل الثاني بالمجال الاجتماعي والصحي والرياضي، وهدفه تكريس صورة انسانية وخيرية لإسرائيل في مختلف الاوساط الافريقية. وتوكل مهمة تحقيقه الى السفارات الاسرائيلية ومنظمات المجتمع المدني والناشطون. الذي يعتمدون مجموعة تكتيكات تتبدى في توزيع مواد دراسية والواح الكترونية على الطلاب في المدارس النائية. ومواد غذائية على المناطق الفقيرة بشكل عام وخلال شهر رمضان للمسلمين. وإنشاء مراكز صحية وطبية في المناطق النائية، والقيام بحملات علاج في المناطق النائية. وإقامة معسكرات ومدارس كرة قدم لاجتذاب المواهب الافريقية الناشئة والتي تنقصها الامكانيات.
ثالثا: استراتيجية التغلغل الثقافي
وتهدف الى بناء صورة لإسرائيل كدولة ديمقراطية، متقدمة تكنولوجيا وتنمويا. ومركز اشعاع حضاري، صديقة لأفريقيا. ويجمعها بها تاريخ مشترك من الاضطهاد بسبب اللون والدين. وتكريس صورة للعرب كأنظمة ديكتاتورية، يستثمرون في افريقيا لمصلحتهم، بينما تستغل جالياتهم ابناء القارة، وتاريخ علاقتهم بأفريقيا يقوم على تجارة الرقيق. وقد اوكلت هذه المهمة لمجموعة من الاجهزة الثقافية والخبراء والباحثين واساتذة الجامعات والفنانين وغيرهم.
وتتلخص التكتيكات المعتمدة أولا في القصف الاعلامي، فقد خصصت الإذاعة الإسرائيلية برامج للبث باللهجات الإفريقية عل 15 موجة من 4 محطات إذاعية، وتبث برامجها ب 11 لغة افريقية محلية. اضافة الى عشرات الصحف في عديد البلدان الافريقية. وثانيا في العمل الثقافي من خلال الحفلات والمهرجانات، بمشاركة الفرق الغنائية والموسيقية الإسرائيلية. وتنظيم المهرجانات والمؤتمرات والندوات، وترجمة اعمال ادبية افريقية. وثالثا من خلال السياحة الدينية، بتنظيم رحلات الحجاج الأثيوبيين إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج. ورابعا في النشاط التبشيري الذي تقوم به جماعات تبشيرية يهودية، من بينها "شهود يهوه". وخامسا بالترويج لمقولة اليهودية والصهيونية السوداء، وان إسرائيل جزء من التراب الإفريقي، وان مينليك أحد اجداد الامبراطور هيلاسيلاسي، هو ابن بلقيس وسليمان. وان القبيلة العاشرة التائهة موجودة بأفريقيا الأيديولوجي، والعمل على إضفاء المسحة الصهيونية على الحركة الجامعة الأفريقية، تحت عنوان الصهيونية السوداء. وسادسا اللجوء الى التلفيق التاريخي الذي يعد أحد نماذجه كتاب الامريكي الصهيوني هنري اوبن والمعنون ب " إنقاذ أورشليم.. التحالف بين العبرانيين والأفارقة عام 701 قبل الميلاد ". وسابعا توظيف الحقائق الطبغرافية المرتبطة بفلسطين، لبناء علاقات ثقافية مع بلدان القارة، ومن ذلك توظيف الأخدود الأفريقي العظيم لاختراق القارة الافريقية وتطويق العالم العربي، وإدماج إسرائيل في نسيج المنطقة الثقافي والطبيعي والجيولوجي، لتصبح جزء من المنطقة، على صعيد التاريخ والتكون الجيولوجي والجغرافي للمنطقة وأنها ليست عنصراً طارئاً وعارضاً في حاضر وتاريخ المنطقة.
نختم بملاحظتين. الاولى ان اسرائيل في ترويجها الاعلامي تعمل على ابراز الجانب المادي من تغلغلها بينما تبعد الاضواء عن الاستراتيجيتين الامنية والثقافية، لحساسية الاولى، ومن اجل ترك المجال للثانية لتعمل بهدوء في عمق الوعي. والثانية ان استراتيجية التغلغل برمتها تشوبها ثغرات وتنضوي على سلبيات كثيرة، يمكن توظيفها ضمن بناء استراتيجية مضادة في مواجهة المشروع الصهيوني ودحره في الساحة الافريقية.







