يزخرَ عالمُ الفنونِ والأغاني الوطنيةِ الفلسطينية والقوميةِ العربيةِ بفنانينَ ثوريينَ فدائيينَ شكلوا ملوكا للأغنيةِ الوطنيةِ، تسرب في أحاسيسهمْ ووجدانهمْ روحَ الانتماءِ لوطنهم وللمقاومةِ الفلسطينيةِ، خاصةً أغانيَ المرحلةِ التي سبقتْ وتلت معركةَ بيروت 1982م المفخرةِ، صدحت بعنفوانها الأغاني الوطنيةُ الفلسطينيةُ والتراثيةُ، بحناجر أبطال"فرقهُ العاشقينَ" لفلسطين، غنوا ونشدوا وشدو، ما يزيدُ عنْ 300 أغنيهُ ومنْ أشهرِها، "اشهد يا عالم علينا وعَ بيروت اشهد بالحرب الشعبية" و"اللي ما شاف م الغربال يا بيروت، أعمى بعيون أمريكية"، كلمات أحد أعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية والشعر المقاوم، الشاعر "أحمد دحبور":
عاصر المأساة الفلسطينية وعاش رحلة العذاب والتشرد، جعل أعماله تعكس الحالة الفلسطينية بكل مآسيها، "توفي عام 2017م". كذلك أغاني، "منْ سجنِ عكا وطلعتْ جنازةٌ"، و "هبت النار والبارود غنى اطلب شباب يا وطن وتمنى"، وغيرها عددٍ كبيرٍ منْ الأغاني، ومن أشهرِ المغنينَ معَ فرقةٍ العاشقينَ "محمد، خالد، خليل، أمنه، فاطمة، يعرب، باسم، مها، ميسا، سميح، معتز، محمود" وآخرونَ معظمهمْ منْ مخيمِ اليرموكَ، والموسيقار الكبير"حسين نازك":
ملحن ومؤسس فرقة العاشقين، أدار الفرقة باقتدار فحملت الصوت الوطني الفلسطيني إلى العالمية، حكت قصة الشعب والوطن والنضال في أغانيها الوطنية والثورية، فهو أحد أبرز أعلام الثقافة والفن الفلسطيني، وأحد أبرز المهتمين بالتراث الفلسطيني بكافة أشكاله، ولد في القدس المحتلة "عام 1942م"، توفي في العاصمة السورية "دمشق" بتاريخ 25/05/2023م" بعد عطاء حافل من الإبداع استمر لعشرات السنين في كبرى مراحل الثورة داخل فلسطين وفي الشتات. بقي مهووسًا بفلسطين، وهو ما انعكس في إبداعاته الموسيقيّة.
شكلتْ المخيماتُ الفلسطينيةُ حالة وطنية على كافةِ الأصعدة، "تنظيمًا، عسكريًا، فنيًا"، رغمَ المأساةِ واللجوءِ والألمِ والحق الطبيعي للعودة كانَ دافعا للحاجةِ النضاليةِ أملاً باستردادِ الوطنِ المسلوبِ والمغتصب من العصابات الصهيونية بتواطؤ الامبريالية والرجعية العربية آنذاك، وقد شكل مخيمَ اليرموكَ بالعاصمة السورية، حاضنةً وطنيةً وانتماءً وطنيًا وقوميًا، ما زالتْ أغانيهُ تحظى بحضورها وستبقى باعتبارها تلخصُ تاريخًا وطنيًا وحكايةُ فلسطينَ والثورةِ منذُ الشاعرِ، "نوحْ إبراهيمْ" وشهداءُ الثلاثاءُ الحمراءِ "من سجن عكا طلعت جنازة"، "عطا الزيرْ" و"محمدْ جمجومْ" و"فؤادْ حجازي" عام 1930م، يبقى التاريخُ المكتوبُ المشفوعُ بالأغنيةِ الوطنيةِ والتراثيةِ هوَ الذي لا يستطيعُ أحدُ طمسهِ.
يعد الفنان "مهدي أبو سردانه"، ملحن الثورة الفلسطينية، لحن معظم أغاني وأناشيد الثورة الفلسطينية، ومن ألحانه، "طالعلك يا عدوي طالع"، و"ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة"، و"أنا يا أخي"، و"عالرباعية"، و"يا شعبنا في لبنان"، "شدو زناد المارتين".... توفي "عام 2016م"، تاركًا خلفه بصمات حاضرة في الذاكرة وإرثا نفيسًا يجسد التاريخ الفلسطيني المقاوم، فما تقدم يعكس نماذج من الفن الفلسطيني المقاوم، كرّسوا حياتهم من أجل خدمة قضايا شعبِهم وأمتهم ووطنهم.
جدير بالذكر أن مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة منصّتي "سبوتيفاي" و"آبل ميوزك"، حذفت أغنيهِ "دمي فلسطينيٌ، طرحت للتداول في يناير/كانون الثاني 2015م، وحققت أكثر من 30 مليون زيارة في قناة "يوتيوب"، لمغنيها المطرب الشاب صاحب الحنجرة الذهبية "محمد عساف"، وما حذف الموسيقى والتدوينات الصوتيةَ، بحجةِ أن الأغنية تحرضُ على العدوِ وهوَ أمرٌ يدعو للفخرِ ويزيدُ شرفًا، إنهُ لشرفٍ وما بعدهُ شرفٌ الانتماءٌ للوطنِ، فلسطينَ قضيةً عادلةً تبقى مغروسةً في ذاكرةِ كلِ فلسطينيٍ، ألا يستدعيَ الفخرُ بأنَ الفن والأغانيَ الوطنيةَ الملتزمةَ بقضايا الوطنِ والأمة تعبرُ عنْ مقاومةِ الشعبِ الفلسطينيِ للاحتلالِ؟ أليسْ منْ السخريةِ الاتهامُ بمعاداةِ الساميةِ؟
إن حذف هذهِ الأغنيةِ وغيرها كثر لا يعني إزالتها ومحوها من ذاكرةِ ووجدانِ كلٍ فلسطينيٍ وكلٍ حرٍ شريفْ يدافعُ عنْ حقِ الشعبِ الفلسطينيِ في الحصولِ على حريتهِ واستقلالهِ. إن ما تفعلهُ وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِ دليلٍ على معاداة للحريةِ والعدالةِ، مواقع معادية لكل ما هو فلسطيني على كافة الأصعدة، وما الهجوم "السيبراني" خلال معركة "ثأر الأحرار" "الأيام الخمسة" "ماي" 2023م على موقع بوابة الهدف الالكترونية دليلًا دامغًا على ذلك. لا شيء سيثني عن حب الوطن والتغني به في المحافل كافة، أغاني تشجع وتمتدح الشهداء، وتدعو إلى الكفاح المسلح، وتدعو إلى النضال ضد المحتل، حتى تحرير فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية تحقق العدالة للجميع.
وعليه، فإنّ الحركة الثقافية والفنية الفلسطينية فقدت أعلامًا بارزةً في الإبداع الفني الفلسطيني، لا تقل أهمية عن الكتائب والسرايا وكل من امتشق السلاح من أجل فلسطين ولا زال على الدرب سائر حتى تحقيق الهدف المنشود وما الفن الملتزم إلا خدمة للقضايا الوطنية العادلة.

