لم تكن في يوم من الأيام العلاقات السياسية بين تركيا والأمة العربية علاقات ودية، ولم ينسَ الأتراك سواء كانوا أفرادًا عاديين أو مسؤولين سياسيين، موقف العرب من دولة الخلافة العثمانية، حين وقفت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين مع الدول الغربية في الحرب العالمية الأولى، طمعًا في الاستقلال عن دولة الخلافة وتأسيس مملكة عربية في المشرق، وقد انتهت الحرب بهزيمة دولة الخلافة التي حكمت العرب أربعة قرون، مارست عليهم أشد أنواع التمييز والاضطهاد القومي...
بعد إعلان الجمهورية التركية بوصول مصطفي كمال إلى سدة الحكم، انتهجت الدولة التركية سياسة علمانية طمعًا باللحاق بالدول الغربية، فاستبدلت الحروف العربية باللغة التركية بالحروف اللاتينية، وخلعت الطربوش واستبدلته بالقبعة الغربية، وبرؤية أكثر لظاهرة الانبهار الحضاري بالغرب، ازداد العداء أكثر للشرق عمومًا وللعرب بشكل خاص، فاستولت تركيا على لواء الإسكندرون السوري وارتبطت بعلاقات التبعية السياسية والعسكرية بدول الغرب الاستعمارية، من خلال عضويتها في حلف بغداد الذي تفكك بعد سقوط النظام الملكي الهاشمي في العراق، على إثر تفجر ثورة تموز. أما عضويتها الحالية في حلف الناتو الاستعماري، فهي عضوية مستمدة من رغبتها في الاندماج بالقارة الأوروبية وبطلبها الدائم في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي الذي يلقى معارضة، من كافة دوله المسيحية، بسبب ديانتها الإسلامية.
لقد اعترفت تركيا العلمانية بالكيان الصهيوني منذ السنوات الأولى لقيامه، وما زالت العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية قائمة بينهما، على الرغم من وصول أردوغان الإسلامي إلى موقع الرئاسة مند فترة طويلة... تركيا العثمانية وتركيا الكمالية العلمانية في عهد سطوة جنرالات المؤسسة العسكرية وتركيا أردوغان ذات الانتماء لتيار الإسلام السياسي، هي تركيا واحدة بطموحها القومي في الهيمنة السياسية على العالم العربي والإسلامي وبنزعتها العرقية الطورانية المعادية للأعراق والقوميات، وهذا ما تمارسه عمليًا في الانغماس في الصراع الدائر الآن في سوريا المجاورة، بجانب قوى المعارضة السياسية والعسكرية للنظام والمدعومة من قبل الولايات المتحدة. وفي العراق تتخذ من حقوق الأقلية التركمانية في النظام الطائفي العراقي الذي يغلب عليه هيمنة المكون الشيعي وسيلة للتدخل السياسي لتأجيج الصراع الطائفي والعرقي...
ما هو مفهوم في السياسة الدولية أن العلاقة التركية الأمريكية هي علاقة استراتيجية، لأن كل منهما يقوم على نفس الخطوط الاستراتيجية المعادية لحركة التحرر العربية الثورية، لذلك تلعب تركيا دورًا إقليميًا مكملًا للدور الأمريكي في المنطقة، على الرغم من ظهور أزمات سياسية عابرة.

