Menu

خمسُ شهاداتٍ بعيون الموت

مروان عبد العال

مروان عبد العال

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة الهدف الإلكترونية

خمسةُ أكتافٍ صلبةٍ حملت ما تيسّر لها من البنادق من أدوات الحرب المتاحة؛ لتطلق فينا عنان الحوار، الذي نفض غبار العجز والهزيمة، واكتفى بمعانقة النصر بلغة الصمت والعزيمة. هكذا كانوا كما ردّد غسان كنفاني : "خُلقت أكتاف الرجال لحملِ البنادق، فإمَّا عُظماء فوق الأرضِ أو عظامًا في جوفها".

خمسةُ فتيةٍ من فرسان "ثأر الاحرار" واجهوا الموت بابتسامة، أرادوا بالموت أن يصنع معنى الحياة، وأية حياةٍ هي، إنّها الحياةُ الحرّة؛ فاحتضنتهم رمالُ غزّة الدافئة بعمر الورد، ولكنهم حملوا الأيام ولم تحملهم هي؛ جسومُهم مثقلةٌ بالهمّ والفقر والمعاناة والحصار داخل بحرٍ متلاطم الأمواج، لكن أصلهم ظلّ ثابتًا في الأرض.

خمسة غزة، أبطالٌ بعدد أصابع الكف، فتيّة من أبناء العنقاء، نماذجُ حيّةٌ لا تغيب، يصح التماهي بها والاستنارة بهديها؛ ذهبوا لكي يعثروا على أرواحهم بعيدًا عن هذا العالم، لم يخافوا طائرات الاحتلال؛ لأنّ العالم كلّه بات محتّلًا بالخديعة، يشنُّ حربًا همجيّةً على الفكرة النبيلة. لكنّها هنا في هذه المنطقة المعزولة عن العالم؛ غزّة تتحوّل بذاتها إلى فكرةٍ لا تموت، إنّما تتوالد، ترتقي وتتقدّم، ليس إلى قيمٍ مجرّدة، أو صورٍ صامتة، أو حكاياتٍ خياليّة، أو نصوصٍ شعريّة، أو حتى أغانٍ ثوريّة.

خمسة رفاقٍ مثلنا، أبناء صرخة الحرب، وما همّ أنّ نموت ويثبتون أنها مدرسة العنفوان الثوري والقيم الملموسة والكرامة المعاشة، وأنها مقاومةٌ من لحمٍ ودمٍ وحلم، واضحة كالحقيقة، ودون مفاهيمَ مبهمةٍ غامضة، وبتفسيراتٍ انهزاميّةٍ ونظريّاتٍ غير واقعيّة، مقاومتهم بكلّ قناعةٍ وتصميمٍ ووعي وإرادة وعزم؛ في حوارٍ افتراضيٍّ عابر للموت..

قال لنا محمد أبو طعمية: ما أبعد السفر، وأنا ابن ملح الأرض، صدقت القول بالفعل ومللت الوقوف في محطة الانتظار، يوم غاصت أصابعي في وحل الأرض لتعثر على نبتة خضراء، وذابت أطرافي فيها عشقًا للأرض، لا تلمني يا أبي إن استعجلت الرحيل، أنا مثلك قرّرت أن أمتشق قلبي، وأكتب على مسامات جسدي درسًا من فلسفة التضحية، حكمة تشبه فقه الخلود.

أجابه علاء أبو طعمية: يا رفيق، الموت لا يكون إذا كنا، نحن نقدم روحنا كي نستحق الحياة، وإذا كان الموت هو الحياة بعينها ولم نكن جديرين بها، فإنّنا لا نكون. ليس لدينا إلا أن نؤرّخ حروفها بحبر العناق، لنطلقها رشقاتٍ تضيء السماء، وإلا سيقال أنّنا خذلنا صاحبنا، ونحن لا نخلع أبناء الدم كي ينزف وحيدًا ليذوي في الخيبة أو الفراغ.

ويكمل الشهيد أيمن صيدم: قذفنا الروح فينا ومنا لك أنت، كي تحيا أنت والشيء الجميل، وأنّنا قدّمنا النفس كي تحيا، وعد البطولة بأن لا تغادر الدرب، هي كلفة خلاصك يا رفيق وليس خلاصي؛ لأنّني إنْ لم أكن لغيري فمن أكون.. قضيّةٌ أنا في ذاتي، ولست لذاتي أبدًا.

ثمّ قال لنا الشهيد علم عبد العزيز: أن تذهب بعيدًا إلى آخر حدٍّ عند مكانٍ اسمه وطنك، مكان يسكنك، لكنك تشعرُ أنّ مهمتك ليس فقط أن تدافع عنه، بل أن تدفع عنك الخوف الذي يغطي روحك، حين تفكر بفكرة الحياة من حولك وفكرة الإنسان الذي يقتل كل يوم.. فتقرر أنّك في هذه اللحظة تموتُ لأنّك حرّ.

قال الشهيد عدي اللوح: اعذرني يا أبتاه لأنّك قدوتي، مذ أرشدتني إلى الطريق، لكني وصلت قبلك؛ ستظل رفيقي سواء كنت أنا الشهيد السابق أو اللاحق، علمتني أن الإنسان لا يستطيع أن يبدأ من الصفر، بل لا بدَّ من الإفادة ممن سبق وعاش تجاربَ نضاليّةً في القلاع والسجون والمخيّمات، يتوسّم فيه طموحه، ويلبّي حاجاته ومن ثمّة ينطلق، لذا سبقتك يا أبتاه، لأكون لك نبيّ الحلم الجميل على اتساع الروح وحدود جغرافيا القلب و فلسطين التي فيك.

خمس شهادات أقوى من الغياب؛ لأنها رفعتنا إلى أعلى الدرجات، ومنحتنا درسًا ثمينًا في معنى الحياة، وأن نكون.