Menu

قتلُ الموت

ثائر أبو عياش

القلمُ هنا هو أداةُ الجريمة، والضحيّةُ هو النصّ، ولكن المجرم الذي يحمل القلم بيديه يخنقُ النصَّ عند البدء بالانسياب بين الدموع المتراكمة على النعش؛ حيث أركانُ الجريمة واضحةٌ على الورق، ولكن النصّ يفقد العدالة عند القول: إنّ هناك شهيدًا آخر، تلك حقيقةٌ علينا إدراكها، حيث الشهيد ليس رقمًا يمكن كتابته داخل كراسات القضاء؛ لأنّ الشهيد هو العدالةُ في النص الحقيقي للصراع، ويسأل دومًا: "لماذا يتغيّب الشهود؟".

على العكس، إنّ الشهيد هو قضيّةُ ألم، ووجع، وقهر، وظلم، وفقدان، ووداع، كلها كلماتٌ، ولكنّها في الحقيقة محتلٌّ يزرع الرصاص في أجساد الأطفال بسخريةٍ عجيبةٍ في زمنٍ أصبح الرصاص أهم من الجوع، والفقر، والأمراض، حيث الموت يأتي من بين مخالب الحياة، ويحصد الفرح، والحب، وقبلات الأمهات على جبين أطفالهم وهم يلهون في الأحياء، وأكثر قبلات الآباء على أبواب المدراس.

هم حكاياتٌ نجمعها لنعاتب التاريخ الدموي، ولنقول له: إنّنا نبحث عن الأمان، ونحن نقرأ كراسات المدرسة دون دماء، وأكثر ونحن نلهو بين أشجار الزيتون، ولكن أحفاد التلمود جاؤوا وعاثوا دمارًا في الأحلام، حيث كتبوا التاريخ بالحصار، وقتل الأجنّة، ونهب الجغرافيا، واعتقال النساء.

الشهداء، وهنا نقصد الأطفال منهم لا يمرون على الصراط، حيث يرفضون ذلك؛ لأنهم لا يسقطون في النار وقت الحساب، ولن يمروا فائزين، بل هم الحساب والنار، وأكثر هم الصراط، ما أثقل هذه الحقيقة، وما أثقل انتظار حكايةٍ أخرى، لربما جميعًا ننتظر الرصاص! وما أثقل غياب الرصاص!. إن هذا صراعٌ لن ينتهي إلا بالقول: إنّنا نطالب بحقنا بالبقاء، لأنّنا علينا إدراك حقيقةٍ تقول: "كم طفلًا، وكم رصاصة، وكم يومًا من الاحتلال نحتاج، هذه كلفةٌ يجب حسبتها سريعًا؛ لأنّنا هنا لنقاتل لا لشيء آخر".

لا يقاتلُ الشهداءُ في سبيل قضيّتهم الخاصة، هنا القصد أكثر الشهداء الأطفال من جديد، حيث إنهم يقاتلون في سبيل أشياء أخرى ليس ككبار، حيث يقاتلون في سبيل علبة ألوان، إن هذه العلبة قضيّةٌ وجب البت فيها؛ لأنّ فراشة هؤلاء الشهداء هي من ترسم الحرية في شتى البقاع.

حاورنا أيها الفتى، حاورنا ولو بالصمت.. أيها الطفل "مصطفى صباح"، كم أثبت أن العمر مجرّد رقمٍ لحظة الاشتباك، هي قاعدة لا تحتمل الشواذ، حاورنا كيفما تشاء، ارسم لنا - إذا استطعت - على ورقةٍ بيضاء، أو على الجدار، أو على قاعدة شجرة، ولكن ما زلت ترفض لأنّك ترسم قضيّتك، وأكثر حكايتك بالدم، وهل هناك أجمل من هذه اللوحة!

ها أنت اليوم أصبحت المدرسة التي نحمل عليها حقائب عجرنا، وكتب التاريخ المزورة، وكراسات الاستسلام، والأقلام السياسيّة التي شطبت الحدود عن خارطة الحقيقة، وها نحن نبكي، نبكي بشدة رصاصنا في الطابور الصباحي، ولكن حتمًا سوف ننجح في انتزاع العلامة الأولى في امتحان المتراس داخل الصف الوطني.

حينما تزغرد النسوة مع البكاء يكون السؤال: "إلى أين هو ذاهب؟"، وأكثر "هل هذا هو الرحيل الأبدي؟"، بل "وهل سيعود؟"؛ لأن هذه الأسئلة محاورةٌ مع الوداع، حيث هنا يُعطى الموت كلمتين من أجل القبول به "شهيدًا، وعريسًا"، ولكن ما أصعب عودة الضيوف إلى بيوتهم وبقاء عائلة العريس وحدها، هنا تقول عائلة العريس: "ماذا لو استمرّ هذا الاحتفال؟".

يبقى سؤالٌ أخير، وربّما قبل الإجابة عليه تقتلنا حكايةٌ أخرى في نصٍّ جديد، لربما نحن جميعًا الذين نعيش تحت سقف التاريخ المسروق نصوصًا مؤجلة، ولكن ما زال السؤال يتمرّد على القلم ويقول: "متى يتوقّف النص عن النزيف؟"، تلك إجابةٌ وجوديّةٌ يجب البحث عنها عبر قتل الموت القادم نحونا بكل هذا الجنون بالرصاص.