Menu

أحمد.. وريثُ الحكايةِ وشهيدُ التغريبة

م. حسام عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة الهدف الإلكترونية

في حياةِ المغتربين كثيرٌ من العلاقات التي تتشكّل في ظروف الزمان والمكان والغاية، وقد تصبحُ هذه العلاقات عابرةً في الذاكرة مع أي تغييرٍ يطرأ على هذه الظروف. لكن العلاقة مع أحمد لم تكن من هذا النوع العابر؛ لأنّه اختار لنفسه قضيّةً تتجاوز ذاته الخاصّة وظرفيّة الزمان والمكان؛ فتجد نفسك أمام إنسانٍ اعتنق فلسطينَ قضيّةً، بصدقٍ ووعيٍّ تؤكّدُهُ الممارسة والفعل.

تعرّفتُ إلى أحمد عام 2014 بُعيدَ وصوله مع أسرته للإقامة في مدينة المنصورة في مصر، على أثر مغادرته سوريا التي أوقع فيها الغربُ الإمبريالي وحلفاؤه قتلًا وتدميرًا. كنّا وقتها، د. وسام الفقعاوي وأنا، نقيم سويًا في القاهرة لإتمام دراساتنا العليا؛ حين عرف وسام بأنّ رفيق لنا من كوادر "مجلّة الهدف" وصل مع أسرته للإقامة في المنصورة، أصرّ على التواصل والتعرف إليه؛ فتعرفنا إليه واستمرّت لقاءاتنا وزياراتنا، ثمّ امتدّت العلاقة لتشمل عائلاتنا؛ فهو إنسانٌ من النوع الذي تشعر بنقائه الإنسانيّ وبصدق انتمائه وأصالة قناعاته وغضبة المتمردين المخلصين في صوته وانفعالاته.

امتدّت سنوات معرفتي بأحمد، وكان يتجسّد دومًا في نظري فلسطينيًّا عنيدًا ورث حكاية شعبه ومأساتهم، لكنّه لم ينزوِ في همّه الخاص، ولم يردِهِ خذلان رفاق درب هنا أو مسؤول هناك.

اختار أحمد أن يواصل انخراطه في ملحمة البقاء والصمود التي يصنعها شعبنا. وقد ظلّ مرابطًا على عشقه لفلسطين، مؤمنًا بحتميّة الانتصار، صامدًا في وجه كل عواصف اليأس والإحباط والانهزام. أكتب هذا، وانا أتذكّر كم كان سعيدًا عندما انضمّ إلى فريق "بوابة الهدف" الإخبارية، ثمّ دوره الريادي والطليعي في إعادة إصدار مجلّة الهدف بنسختها الرقميّة.

قبل رحيله بعدة أشهر، كتب أحمد على أحد منصات التواصل الاجتماعي "سئمت تكاليف الحياة"؛ توقّفت أمام ما كتب وشعرت بضرورة الاتصال به، حدثني عن معاناته في تجديد تصريح الإقامة في تركيا ، بعد أن بدأت السلطات هناك في تعسير الإجراءات وما تتطلبه من وثائق ومسوغات للإقامة؛ فقد تفاجأ مثلًا بقبول طلب تجديد تصريح إقامته وأطفاله، في حين حصلت زوجته على قرار رفض لطلبها! حدثني عن مساعي للهجرة إلى البرازيل؛ عسى أن يمنح أطفاله ظروفًا أكثر استقرارًا.. إلى حين! ثمّ انتقل بي للحديث عن تطوّرات الاحتجاجات ضدّ نتنياهو داخل الكيان الصهيوني، وهو الذي يطارد شؤون العدو؛ تفكيكًا وتركيبًا وتحليلًا، وأذكر أنّنا ختمنا حديثنا وهو يبشرني "تقلقش يا خال.. مشروعهم مروّح"!

في صباح يوم ٢٠ نيسان، اتصل بي وسام الفقعاوي، ليبلغني خبر وفاة أحمد في إسطنبول للتو، وهو الذي كان قد عرفني به أيضًا في القاهرة!

رحل أحمد، مات أحمد، استشهد أحمد، وهو يحمل عشقه ل فلسطين من منفى إلى منفى، يرقب عودة عازم -بطل روايته- إلى قلعة الحارثي. رحل وعينه على فلسطين، وعقله يرصد ويحلّل المشروع الصهيوني وكيانهم فيها، وقلمه/بندقيّته يوثّق وينشر من موقع العاشق المنتصر لا المهزوم...!

لزوجته وأختي نايفة وأبنائه عيسى وناصر وسلمى وعائلته ورفاقه ومحبّيه... خالص العزاء والعهد أن نبقى أوفياء.