لعلّ مارك رودين الذي فارق الحياة وهو في وطنه السويسري، لم يكن العرب يعرفونه بهذا الاسم، بل كان يعرف باسم جهاد منصور. عرفته منذ بداية السبعينات؛ كان يزورني في شقتي المتواضعة مقابلَ معمل الكولا في بيروت، وفي الطابق الخامس على وجه التحديد مساءَ كلّ يوم خميس، مع صديقته الأمريكيّة المعروفة باسم "لميس" ولم نكن نعرف اسمها الحقيقي، وكانت صبايا جميلات يحضرن تلك الأماسي من كل أنحاء العالم، ونسميها استراحة المحاربين. في أجواء الشتاء نشعل الجمر حتى يصبح متلألئًا، ونضع الشواء فوق دفء الجمر، ويمسك مارك رودين "جهاد منصور" الغيتار ويروح يعزف الألحان الساحرة، وكثيرًا ما نسمع صوت الانفجارات قرب البناية التي نقيم فيها، لكن غيتار مارك رودين لن تسكته البنادق ولا الانفجارات، وكان صوت الغيتار يعلو على صوت الانفجار.
نحن في حرب تسمى أهليّة، كثيرًا ما نغادر شقّتنا؛ لكي نصوّر ما يجري في تلك البقعة الصغيرة من العالم التي تسمى "الجامعة العربيّة"؛ فنرى مارك رودين لا يحمل على كتفه الغيتار صباحًا، بل يحمل بندقيّة "الكلاشن" وكأنّه يحمل غيتارًا سوف يعزف لحن النصر ولحن فلسطين، ولحن جورج حبش ولحن أبو علي مصطفى وأبو ماهر اليماني ولحن غسان كنفاني ولحن ليلى خالد، ولحن أبو أحمد فؤاد، ولحن دلال المغربي وسناء محيدلي وماجد أبو شرار ولحن "أبو جهاد" خليل الوزير وأبو أياد ولحن جيفارا وباترك أورغللو وكوزو أوكاموتو ولحن بسام أبو شريف ولحن هاني حبيب ولحن كارلوس الذي أسكت ثرثرة وزراء النفط العرب وأجبرهم على الاستماع إلى لحن الثورة.. ولحن كل نجوم سماء الثورة الفلسطينية؛ يعزفه "رودين" جهاد منصور، وهو يلفُّ وجهه بالغترة الفلسطينية، ويذهب نحو خطوط التماس أو يذهب إلى القواعد في الحدود الجنوبية من بيروت لمواجهة الحدود الشماليّة من فلسطين الحبيبة، ويعود إلينا بعد سبعة أيام حاملًا الغيتار ليسمعنا اللحن الحزين الشجي وفيه روح المحبة العالية لفلسطين وللإنسانية.. عرفته مبتسمًا وهو يغني ويرشف من نبيذ المسيح قليلًا من الخمر، لكي ينعش قلبه.
ألحانه تعبرُ المناسبات الفلسطينية من شوارع ضاحية الجامعة العربية، التي تتسع بحجمها الصغير لشعب الصين بأكمله؛ إذ لا يعرف عدد ساكني هذه المنطقة وأية بيوت وشقق وبنايات تجمع هذا العدد الهائل من الأنصار الذي أفشلوا الحرب الأهلية ونغّصوا على المحتلين نشوتهم، وهو في عشرات أو مئات الأمتار من المساحة الهائلة.. لا ندري ولا نريد أن ندري كيف يعيشون في هذه البحبوحة وكيف يتبضعون من أطرافها في أسواق الخضرة في مخيمي صبرا وشاتيلا.
كل الملصقات التي تزيّن جدران البنايات والمطاعم ومؤسسات صحافة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وكل سيارات المقاتلين الأشاوس تزّين جانبيها نماذجُ مصغّرةٌ من تلك الملصقات التي كنا نطلق عليها الذهبية مرسومة بأنامل مارك رودين – جهاد منصور السويسري الفلسطيني أو الفلسطيني السويسري.
واكب مارك رودين بعض مشاهد فيلمي "عائد إلى حيفا" عن رواية الشهيد المبدع غسان كنفاني ورسم الملصق الذهبي للفيلم، الذي موسقه النابغة زياد الرحباني؛ فالجميع يعملون بروح المقاومة النظيفة في مسيرةٍ واحدةٍ شجيّةٍ كنغم الموسيقى، وشجية الصورة التي أسهمت جماهير غفيرة من أبناء فلسطين ومن اللبنانين في أداء ذلك الحس الملحمي في رواية فيلم عائد إلى حيفا التي صارت حكاية فلسطين على الشاشة.
منذ ذلك التاريخ 1981 وحتى رحيل مارك رودين وما بعده؛ سيبقى عائد إلى حيفا خالدًا، وسيبقى رمز الإبداع ذلك الملصق الذهبي الذي رسمه مارك رودين، حتى أن المتحف الألماني طلب مني أن أهديه نسخةً من الملصق؛ لكي يحتفظ به في أرشيفه السينمائي لأهميته ليس فقط السياسيّة، بل لأهميته الفنية، ومكتوبة عليه أسماؤنا، وأهديتهم نسخة من نسختين فقط بقيتا معي.
ملصق فيلم قاسم حول عائد إلى حيفا عن رواية غسان كنفاني تصميم مارك رودين
عندما ضاق نفس بلدان العالم، وما يسمى "الرأسمالي" واختنقت صدورهم، وتجمع كل مخزون خزائن البارود، لتأتي بوارجهم الحربية وطائرات الأف 16 لتدوي أصواتها وتشتعل نيرانها، لكي لا يعود جمر المنقل الذي نعمل من ناره الشواء مع غيتار مارك رودين – جهاد منصور، لم يعد وجود مارك رودين عائدًا إلى بيته في سويسرا حرًّا، ليرسم على جدران بيته البسيط الذي يعيش فيه ذكريات الدرب الجميل إلى فلسطين، فسجن عام ونصف العام في تركيا وثماني سنوات في الدانمارك، وعاد منهكًا متعبًا يعاني من أمراض السجون وأمن السجناء المزيف داخل جدرانٍ مخيفةٍ كان بديلها حرية الفلسطينيين في إعلان ملصق الشهادة في الهواء الطلق.. هو مارك رودين الذي رحل قبل أيام تاركًا وراءه خزينًا تاريخيًّا من الملصقات الذهبية الفلسطينيّة بلغ عددها أكثر من مائتي ملصق فلسطيني؛ وبقي مارك رودين الذي قال بعد تحرّره من أسر السجون "لست نادمًا على شيء يا فلسطين".

