في مرّةٍ سابقةٍ كتبت شهادةً شخصيّةً عن تجربتي باعتباري واحدًا من منتجي الملصقات الفلسطينيّة منذ منتصف السبعينات، وذلك في بغداد وبيروت ودمشق وقبرص وما بعدها، وقرأتها في مَعرِض الكتّاب في رام الله سنة 2018. تحدثت فيها عن رسّامي الملصقات ومصمّميها، آنذاك، وظروف عملهم في ظل الحرب الأهليّة اللبنانيّة المتجدّدة والفوضى السياسيّة والاجتماعيّة التي صاحبتها، وثمّ الاجتياح الإسرائيليّ الذي أعقبها واحتلال بيروت، وما تبع ذلك من خروجنا من لبنان، وانتشارنا في أقطارٍ متباعدةٍ ما بين اليمن والجزائر وتونس وسوريا.
كان أكثرنا في العشرينات من عمره وأوائل الثلاثينات، هاربين من بلداننا أو لا بلاد لنا، وذلك يرسم صورةً عن سعة خبراتنا في الحياة والفن وعمقها، إضافةً إلى أنّ الملصق السياسي لم يكن مادّةً أساسيّةً في حياتنا اليوميّة أو في الجامعات والمعاهد العربيّة التي تخرجنا منها إلا بصورةٍ هامشيّةٍ وباهتةٍ وفي حدودٍ ضيّقة. انتشر البوستر وصناعته في العراق، مثلًا، في الستينات والسبعينات، أقامت جمعية الفنانين العراقيين مشاغل لإنتاجه، ثمّ معارض كبيرة في مناسبات مختلفة للمنتج محليًّا منها أو المستعار من الخارج، لكن هذا سرعان ما تراجع، ولم يؤسس لثقافةٍ راسخةٍ في هذا الحقل، وأكاد أقول: إنّ هذا الأمر يسري على البلدان العربيّة القريبّة من العراق بهذه الدرجة أو تلك.
لم يكن ما نعرفه من الملصق مبنيًّا على أساسٍ من تراكم الخبرة والتاريخ بقدر ما كان مشاهدات عابرة من الأفلام والمعارض القليلة ومن الكتب والصحف، وبالإمكان القول دون ضميرٍ مثقل: إنّ الملصق في منطقتنا عمومًا كان بسيطًا بل ساذجًا، وربّما ما يزال. لم تكن ملصقاتنا موجهةً إلى جهةٍ معيّنةٍ وفئةٍ محدّدةٍ من الناس بقدر ما كانت إلى الجمهور العريض، ولم يكن لدينا أرشيف نعود إليه، وكانت الملصقات ترسم وتطبع وتلصق على الجدران وتختفي في اليوم التالي تحت ملصقاتٍ جديدة.
كانت الملصقات هي كلّ ما نملك للوصول إلى الناس (أقصد بصريًّا؛ إذ كان هناك إذاعةٌ ومهرجاناتٌ خطابيّةٌ وصحف) لكنّها مع ذلك لم تخضع لبرنامجٍ واضحٍ وسياسةٍ محدّدةٍ ولم توضع لها خطّةٌ للإنتاج بكلّ ما يعنيه ذلك من التدريب والتثقيف والفهم وتهيئة المراسم والأدوات المطلوبة والطباعة والتوزيع، كانت متروكةً لإمكانات الفنانين الفردية، ولهوى السياسيين ومدراء ما يسمى بالإعلام، يتذكرون مناسبة ويرسلون في طلب الرسام، وإذا لم يجدوه أرسلوا في طلب غيره، ودائمًا يتذكّرون في آخر اللحظات (وأنبّه هنا إلى أني عندما أذكر مسؤولي الإعلام لا أشمل الجميع بكلامي هذا؛ إذ كان بينهم أشخاصٌ ذوو كفاءةٍ عالية). لم يكن لدينا (شيوخ) نتطلّع إليهم ويراقبوننا ونتفاعل معهم ونحاكم تجربتهم ونحاول تطويرها، كان شيوخنا الفنّيون هم الإداريّون والسياسيّون أنفسهم، هؤلاء الناس كانوا حريصين على إيصال شعاراتهم وتنفيذ واجباتهم (بأسرع وأسهل وأوضح صورة، وأقول أوضح عامدًا)، ويتوقّعون منا أن ننفّذ ما يريدون، وهم يدفعون كلفة العمليّة كلّها بما فيها أجورنا البسيطة، فكانت ملصقاتنا نتاج تسويةٍ بيننا وبينهم نعرف ويعرفون أصولها وحدودها، لكن ذلك لم يكن قاعدةً صارمةً والاستثناءات معروفة.
خُيّل لي أحيانًا أنّ الإداري الذي قبل بتفسيري وتنفيذي البصري لفكرته لم يقبلها لحذاقته ومعرفته، وإنما قبلها لأنّه لم يكن يدرك تمامًا ما كنت أنوي فعله. كان هاجس المسؤول، وقد يكون الرسام أيضًا، هو إيصال الشعار. أمّا ما يرسم حوله وتحته فيأتي بالدرجة الثانية، وقد يستعمل الشكل المرسوم لشعاراتٍ وبوستراتٍ مختلفة، قد يقتطع جزءٌ من لوحةٍ مرسومةٍ لهدفٍ آخر تمامًا، لكن بعضنا فهم الأمر على أنّ الشكل يأتي أوّلًا، وهو وسيلة إيضاحٍ وتفسيرٍ للشعار أو النص المكتوب، وليس العكس، وكان جهاد منصور أبرز هؤلاء.
أنتجنا المئات، إن لم يكن الآلاف من الملصقات وأغلفة المجلّات والكتب والبطاقات ومختلف المطبوعات، غير أن البيئة التي كنّا نعمل بها وظروفنا التي أقلّ ما يقال فيها أنّها لم تكن مناسبة، لم تساعدنا على تأسيس نهجٍ خاصٍّ بنا في الرسم والتصميم وما يتبعهما من عمليّات الإنتاج، وكان الأمرُ متروكًا لاجتهاد المنتجين والجهات التي تكلّفهم بالإنتاج، لم يتسنَّ لنا تدارس ما كنّا ننتجه، والبحث عن آفاقِ تطويرِهِ وتكريسِهِ ليس بشكلٍ شخصي ولا عبر مؤسّساتنا الثقافيّة، فلم يكن عيشنا سهلًا وكانت حياتنا مضطربة، كذلك لم يكن الملصق ضمن أولويات برامج جمعية الفنانين الفلسطينيين، مثلًا، ولا في برامج التثقيف والدعاية للفصائل الفلسطينية.
لكن ما يجب قوله هنا، إنّه بالرغم من كلّ ذلك، فإنّ ما أنتجناه يبعث على الفخر والاعتزاز، أراجعه الآن فأشعر أنّنا أدّينا ما علينا بإتّقانٍ وصدقٍ وحرفيةٍ عاليةٍ أتباها بها.
كنّا نعلمُ جيّدًا أنّنا نواجه إعلام الحقد والكراهية والظلم ونتصدّى له رغم تفاوت إمكاناتنا الكبير، بل كنّا نتفوّق عليه في مواضعَ كثيرة. هنا أذكر حادثًا وقع أوائل عام 1983 وكنت حينها مصمّم مجلّة الهدف في دمشق (وأعتذر عن كون الموضوع يخصّني بين آخرين من زملائي)، حينها أقام وزير إسرائيلي للمستعمرات أو الحدود مؤتمرًا صحفيًّا عرض فيه بعض المطبوعات والملصقات الفلسطينية، وبينها واحد لي، وقال ما معناه (لسنا نحن القساة أو المعتدين، انظروا إلى مطبوعات هؤلاء كيف تتهمنا بكل ذلك).
أستطيع أن أقرّر الآن أنّنا كنّا رسّامين نصنع ملصقاتٍ في بيروت في بداية الثمانينات، وبعض ملصقاتنا كانت لوحات رسم أو أجزاء منها لفنانين معروفين حينها، وفي ما يعنيني شخصيًّا بقي الأمر كذلك حتى تعرفت إلى تجربة جهاد منصور الذي وجدته فنانًا متخصّصًا بصناعة الملصقات، وبإنتاجه الرائع والمتميز عزّز في نفسي، وربما عند زملائي الآخرين، ضرورة أن نعمل على جعل صناعة الملصق موضوعًا احترافيًّا بكلّ تفاصيله.
لم يكن ما نراه يوميًّا ونعيشه نذيرًا بالعاصفة، كنّا نعيش في العاصفة، كانت الأشياء تغلي من حولنا وبسبب منها كانت عواطفنا تغلي أيضًا وكذلك عقولنا، أوراقنا، ألواننا وشعاراتنا أيضًا. كنا نريد أن نقول كل شيء على صفحةٍ واحدة، نرسم وكأنّنا لن نرسم مرّةً أخرى، نقذف الفكرة عاريةً مدوّيةً صاخبةً وهاجسنا أنّنا قد لا نجد الفرصة مرّةً أخرى لقولها، كنا نريد أن نوصل إلى جمهورنا أعلى درجةٍ ممكنةٍ من عواطفنا وأفكارنا الفوارة.
ما كان جهاد الثوري اليساري، الذي ترك كل شيء من أجل أفكاره وإنسانيته، ليختلف عنا في ذلك، سوى أن ملصقاته لم تكن تخرج من رأسٍ يغلي رغم أنّ قلبه كان كذلك. كان مصمّمًا بارعًا، "بارد الرأس"، لم تخرجه قوّة عواطفه عن صرامة تصاميمه الفيّاضة بالجمال والرهافة والحساسيّة الفائقة، تصاميم محسوبة بدقّة مع أنّها تبدو وكأنّها طالعة من فيض عاطفةٍ غامر. ما كان ليتسامح مع أيّ هفوةٍ أو خللٍ أو تغييرٍ في ملصقاته مهما صغر، حيث كان يؤمن بقوّة ما يفعله وأهميته.
كنت أستشفُّ من أحاديثنا المطوّلة حول طبيعة عملنا الإعلامي والفني ووسائل تطويره، حيث عملنا سنواتٍ في إعلام منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وفي المشغل نفسه، أنّ جهاد كان يحرص على الطبيعة الفنية للملصق باعتباره مادّةً بَصَريّةً أوّلًا، تعتمدُ الخطاب البصري الذي لا يتعكّز على الكلام والمفردات اللغويّة إلّا لتقديم المناسبة، وأنّ ملصقاته تعتمدُ غالبًا ما يشبه الكتابة الصوريّة القديمة، حيث الشكل هو الكلام المنطوق، وفي ذلك سرُّ ديمومة تلك الملصقات حتى بعد زوال المناسبة باعتباره عملًا فنيًّا وليس أرشيفًا فقط.
سنواتٌ من متابعتي لمشغل جهاد ومراقبتي لعمله جعلتني أستطيع القول دون قلقٍ كبير: إنّ بالإمكان تقسيم الملصق الفلسطيني إلى ما قبل جهاد منصور وما بعده.
في بيروت كنا مجموعةً من الفنانين من اختصاصاتٍ مختلفة، نلتقي باستمرارٍ ونزور بعضًا أو نعملُ معًا. عندما انضمّ إلينا جهاد نما بيننا شعورٌ يشبه الاتفاق غير المعلن أن نداري غربته عن بلاده وأهله إدراكًا منا أنّها أشد قسوة مما كنا نعانيه كوننا غرباء ولاجئين، وإن بدرجاتٍ متفاوتة. ومن ناحيتي فقد سعيت تجاهَ ذلك بروح الواجب والرفقة والمصير المشترك، لكني سرعان ما تحوّلت إلى صديقٍ قريبٍ منه، وأظنّ أن ذلك هو ما حصل مع باقي أصدقائنا، وخصوصًا ثالثنا الفنان عماد عبد الوهاب.
بعد خروجنا من بيروت على أثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 انتقلت إلى دمشق، وبدأنا بإصدار (الثورة مستمرّة) قبل أن يصل عماد وجهاد والبدء بإصدار (الهدف) مع هاني حبيب وصابر محي الدين وبسام أبو شريف، وعندما وصلا قرّرنا إعادة العمل في (قسم الفنون التشكيليّة) والاستمرار في إصدار الملصقات وأغلفة الكتب والمطبوعات الأخرى، وذلك بالإضافة لعملنا في الهدف. ولأنّنا لم نجد مكانًا مناسبًا للعمل فقد حوّلت مسكني الصغير الذي استأجرته في دمشق إلى مشغل.
كان جهاد يواظب على المجيء دون كللٍ، مثل جندي، نعمل ونتحدّث ونأكل، وكان يبدو هادئًا وسعيدًا في مشغلنا الجديد، وكنت أمازحه أحيانًا: هل لاحظت يا جهاد أنّك الآن لاجئ عند واحدٍ عراقيٍّ الذي هو لاجئٌ عند واحدٍ فلسطيني الذي هو لاجئٌ بدوره عند واحدٍ لبناني، وجميعهم الآن لاجئون عند واحدٍ سوري، وأن العالم يكرهنا جميعًا؟ كان يضحك ويشتمُّ ظرفنا العجيب بكلماتٍ عربيّةٍ بذيئةٍ تعلّمها بسهولة، حيث يسمع الكثير منها في كلّ مكان.
جهاد الذي ربط مصيره بمصير الشعب الفلسطيني وكرّس جل فنّه وحياته من أجله، قدّم مثالًا نادرًا عن الروح الإنسانيّة السامية، حريٌّ بنا جميعًا أن نكرّسه ونحتفي به من أجل قضايانا وحياتنا ومُثُلنا العليا.
لم يكن جهاد (مع) الفلسطينيين، إنما كان (منهم)!
فلنطلق اسمَهُ على مؤسّسةٍ ثقافيّةٍ أو ساحةٍ عامّةٍ أو موضعٍ يهمّ الجميع، رمزًا لأسماء كل الذين قدّموا من مختلف بقاع الأرض للوقوف مع الشعب الفلسطيني ومؤازرته في نضاله العادل، ولنقم له وللملصق الفلسطيني متحفًا، ولو كان صغيرًا وفقيرًا، ولنعد إنتاج فنّه ليسكن بيوتنا وشوارعنا، وندرّس أطفالنا مسيرة حياته الرائعة.
سلاما للقلب الذي لا يتكرّر والفنان الذي لا يتكرّر، صديقي جهاد.

