Menu

ملفّ اللاجئين في بازار الانتخابات التركيّة

محمد صوان

نشر هذا المقال في العدد 51 من مجلة الهدف الإلكترونية

انفرجت أسارير اللاجئين في تركيا مع إعلان فوز "تحالف الجمهور" ورئيسه أردوغان بأغلبيّة مقاعد البرلمان في الدورة الأولى، ومقعد الرئاسة في دورة الإعادة.. ويضمّ تحالف الجمهور "حزب العدالة والتنمية" وبضعة أحزابٍ أخرى أبرزها حزب الحركة القوميّة بزعامة بهجلي، ما يعني فشل المعارضة، سواءً في استحواذ أغلبيّة مقاعد البرلمان، أم مقعد الرئاسة التركيّة.

في السنوات الثلاث الأخيرة، وفي غمرة الحملة الانتخابيّة شنّت أحزاب المعارضة حملةَ تحريضٍ وعداء ضدّ اللاجئين بشكلٍ عام، والسوريين على نحو خاص، حيث زعمت أنّهم سبب جميع الأزمات الاقتصاديّة والمجتمعيّة والسياسيّة في تركيا مطالبةً بترحيلهم الفوري.

مؤخّرًا تصاعدت وتيرة الدعوة لترحيل اللاجئين إلى بلادهم بوصفهم "أم الأزمات"، بعد أن رفعت الأحزاب التركية سقف الوعود بخصوص هذه المسألة، وذلك تحت ضغوط حالة الاحتقان في الشارع.. فظهرت وعودٌ انتخابيّةٌ كثيرةٌ على نحو غير عقلاني، وكان هدفها كسب الناخب بشكلٍ أساسي، كما ارتفعت وتيرة العداء بين الجولتين الانتخابيتين، خصوصًا بعد انضمام "حزب الظفر" بزعامة أوزداغ إلى "تحالف الأمة" المعارض بزعامة كلجيدار أوغلو، وبات شعار ترحيل اللاجئين السوريين الشعار الرئيس لأحزاب المعارضة، حيث امتلأت شوارع المدن التركية بلوحاتٍ ولافتاتٍ إعلانيّةٍ كبيرةٍ تحمل شعاراتٍ عنصريّةً وكراهيةً تجاهَ اللاجئين.

على الرغم من التدفّق الكبير للاجئين إلى تركيا، الذي أنتج بعض الآثار السلبيّة، فإنّ معظم التشويهات التي ينسبها التيّار المعادي للاجئين تسقط عند أوّل محاكمةٍ عقلانيّة وواقعيّة.. وفي حال المقارنة بين الآثار السلبيّة والإيجابيّة، فإنّ الآثار الإيجابيّة ستطفو بشكلٍ ملحوظ.. وتبيّن تقارير ودراسات بحثيّة عديدة أن اللاجئين السوريين شكّلوا قيمةً إضافيّةً للاقتصاد التركي، وأنّهم ليسوا عالةً عليه، وقد أسهموا بتنمية عددٍ من القطاعات الاقتصاديّة، حتى إنّ "قطاع إدارة الأعمال" يطالب بعدم ترحيلهم؛ لأنّ ذلك سيؤثّر سلبًا على عددٍ من قطاعات الاقتصاد، وجاء في تقريرٍ لغرفة "تجارة إسطنبول" تحت عنوان "رواد الأعمال السوريين في اقتصاد تركيا" إنّ الأسعار في المناطق التي يقطنها اللاجئون انخفضت بنسبة "2،5 %" وأن السوريين أسسوا مشاريع ومؤسسات كثيرة.. وقدّر التقرير العدد الإجمالي للمؤسسات والشركات السورية بنحو "20 ألفًا" في تركيا، وعدد الشركات السورية في غازي عنتاب وحدها "2600". ووفقًا لنفس التقرير بلغت قيمة مساهمة السوريين في الاقتصاد التركي"4،3 مليار" يورو منذ بداية عام 2018، أي ما يساوي "30 مليار" ليرة تركية، وهو ما يشكّل "2%" من إجمالي الناتج المحلي لتركيا، وربما ترتفع هذه النسبة مستقبلًا مع وجود مليون عاملٍ سوري في البلاد.

تبيّن هذه المعطيات والأرقام أن حجم المبالغة في التحريض ضد اللاجئين كان هدفها النيل من حزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان عبر اتهام اللاجئين بأنهم سبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومن ثَمَّ اتهام حزب العدالة والتنمية بأنه المسؤول عن فتح أبواب تركيا أمام "3،5 مليون" لاجئ سوري منذ عام 2011 بينما تزعم المعارضة بأنهم ثمانية ملايين لاجئ.

معارضة متأرجحة بلا برنامج:

تتسم المعارضة المكوّنة من ستة أحزاب "الطاولة السداسية" بأنها لا تتوافق على موقف موحّد إزاء اللاجئين، وتصرّح قياداتها في اللقاءات الخاصة "أن معاداة اللاجئين ليس أكثر من توظيف سياسي"، وقد أحدثت حملة التحريض المنظّمة على مدار سنوات عدّة مناخًا معاديًا للاجئين السوريين، في أوساطٍ واسعةٍ من المجتمع التركي لا سيما في الأوساط الملتفّة حول المعارضة، وتجلّت حملة المعارضة على شكل إساءةٍ عدوانيّةٍ وعنصريّة، عانى من نتائجها لاجئون كثر في حياتهم اليوميّة، وكرّست كذلك تعقيدات خاصة بكل ما يخص شؤونهم، ما ضاعف الخوف في أوساطهم، لا سيّما أن حزب العدالة والتنمية أيضًا تبنّى موضوع "عودة اللاجئين الطوعية"، إضافةً إلى إحجام وسائل الإعلام الرسمية عن الدفاع عن سياسة الحكومة نحوهم، ومن ثَمَّ أنتجت هذه السياسة ضغوطًا إضافيّةً على اللاجئين بصورةٍ عامة.

انتهت المعركة الانتخابية، وفاز حزب العدالة والتنمية بالبرلمان والرئاسة، غير أن القلق والتساؤل لدى اللاجئين لا يزال حاضرًا بقوّةٍ حول مدى تحوّل السياسة التركية إيجابًا تجاه وجودهم، حتى إن قانون "الحماية المؤقتة" الذي صدر عام 2013 خصيصى لتنظيم أوضاع اللاجئين الذين تزايدت أعدادهم بين عامي 2011 و 2015، لا يزال يشوبه نواقص كثيرة تزيد حياة اللاجئين صعوبة في تركيا، فقانون الحماية المؤقتة هذا لا يتضمن حق العمل للاجئ السوري  فأقل من "100 ألف لاجئ" سوري لديهم "أذون عمل" من أصل قرابة "1،5 مليون" عامل سوري، إضافة لتشديد التقييدات على أماكن السكن والإقامة؛ إذ لا يكون ذلك إلا بإذن رسمي لا يمنح بسهولة، كما لا يحق للاجئ السفر لخارج تركيا ثم العودة إليها، ولا حتى "لم شمل الأسرة" فضلًا عن تعقيداتٍ أخرى عديدة، ويضطرّ معظم اللاجئين للعمل دون "إذن عمل"، وهو وضع غير شرعي يجعل العامل اللاجئ يقبل بأجر أقل وبشروط عمل أصعب.

تثار اليوم في أوساط بعض النخب التركية حوارات تتمحور حول ضرورة إصلاح وتعديل قانون الحماية المؤقتة الذي صدر ليكون مؤقّتًا، باعتبار أن وجود اللاجئين مؤقّت، وأنهم سيعودون إلى وطنهم عندما يتحقق الانتقال السلمي السياسي للسلطة، الذي يتيح لهم العودة الطوعية والآمنة، غير أن هذه النهاية السعيدة لم تظهر بعد. لقد أسس لاجئون كثيرون أعمالًا ومشاريع، وأسسوا أسرًا، وانتسب أبناؤهم إلى المدارس والمعاهد والجامعات التركية. فرغم المؤشرات الإيجابية في أوساط هذه النخب فثمة خشية من تأخر الاقتناع الرسمي بضرورة تحسين السياسات الحالية وتطويرها لإدارة "ملف اللاجئين" وتحويل الحوارات إلى قراراتٍ جديدةٍ تعالج أوضاع اللاجئين في ضوء تجربة الـ 12 سنة المنصرمة.

ستجري الانتخابات البلدية في النصف الأول من عام 2024، ويتوقع أن تستمر المعارضة في العزف على ذات الديدن العنصري ضد اللاجئين من جهة، ومن جهةٍ أخرى تراقب أفعال حزب العدالة والتنمية، ومدى الجدّية بتنفيذ الوعود الانتخابيّة، خصوصًا وعدّ الرئيس أردوغان "بإعادة مليون سوري خلال سنتين".

يتوقع بعض المراقبين المقربين من الحكومة أن تعالج الأخيرة بعض صعوبات اللاجئين وأن تقوم ببعض الإصلاحات بعد الانتخابات البلدية.. وأن تشمل تلك الإجراءات من يحملون إقامةً سياحيّة، وهم بأعدادٍ كبيرةٍ نسبيًّا تتجاوز مئات الآلاف، وهؤلاء ليس لديهم بلد ثالث يلجؤون إليه.

ربما بعد إجراء الانتخابات البلدية سيكون حزب العدالة والتنمية وتحالف الجمهور متحرّرًا من ضغوط المعارضة التي وظّفت الملف الإنساني لأغراضٍ سياسيّة، بديلًا لخوض الانتخابات ببرنامجٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ وسياسيّ.. غير أنه من الإنصاف القول: ليست جميع أحزاب المعارضة في سلة واحدة، فحزب المستقبل بزعامة أحمد داوود أوغلو، وحزب الديمقراطية والتقدّم بزعامة علي باباجان، كذلك أحزاب اليسار التركي يتّسمون بموقف أكثر عقلانية وواقعية تجاه اللاجئين في تركيا.

تركيا.. من هنا إلى أين؟!

يتضح من توليفة الحكومة التركية الجديدة التي يترأسها أردوغان أن مسألتي الأمن والدفاع تستحوذان على اهتمام خاص، ويؤشر تسمية رئيس جهاز الأمن الوطني "حقّان فيدان" وزيرًا للخارجية رسالة واضحة مفادها أن دبلوماسية أنقرة في المرحلة المقبلة تأخذ على عاتقها مهامًّا إضافية حددها برنامج عمل حزب العدالة والتنمية لكي تؤدي تركيا أدوارًا أساسية في الإقليم والعالم، وتتمثل هذه الطموحات في تعزيز مكانة تركيا ووزنها من خلال البناء على ما تحقق في الولاية الرئاسية المنصرمة، خصوصًا في الملفات التي تخص عددًا من دول الجوار، إضافةً إلى قبرص وأذربيجان، والغاز في حوض المتوسط، والحرب الأوكرانية – الروسية، والعلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة وحلف شمالي الأطلسي، ومن المرجّح أن تعمل الدبلوماسية التركية على تحقيق نقلة نوعية تجاه تصفية مخلّفات سياسة "عزل تركيا" وتحجيم دورها إقليميًّا ودوليًّا، وهذا لا يعني أبدًا فتح جبهاتٍ جديدة، بل حل النزاعات وإدارة التحالفات من موقع أكثر قوة، مما يدعو إلى تنويع الوسائط والأساليب، وتوظيف الطاقات على نحو أكثر جدوى وديمومة، وبما يتجاوز سلبيات المرحلة الماضية.

وبوضوحٍ شديدٍ لم يبعث فوز حزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان بولاية برلمانية ورئاسية جديدة الارتياح لدى أوساط إقليميّة ودوليّة عديدة، خصوصًا من راهن على نجاح حزب الشعب الجمهوري وزعيمه كلجيدار أوغلو الذي يتبنى برنامجًا مختلفًا حيال الملفات الخارجية محل التنازع والاختلاف - قيادة حزب العدالة والتنمية واعية ومدركة لهذه المعادلة - لذلك بدأت بانتهاج سياسة تبديد الأجواء المحيطة بتركيا في الأعوام الأخيرة لأسباب مختلفة بعضها انتخابي، فقامت قيادة الحزب بسلسلةٍ من المصالحات مع كل من السعودية والإمارات ومصر، وقطعت أشواطًا على مستوى تطبيع العلاقات مع الحكومة السوريّة، وجمّدت عوامل التوتّر مع اليونان. ومن غير المتوقّع أن تتراجع قيادة الحزب عن هذا الطريق، بل ستعمل على ترجمة ما تملكه تركيا من أوراق قوة على نحو أكثر جدوى، خصوصًا مع بلدان الجوار الإقليمي.

يقف في وجه توسيع مدى الدور الإقليمي التركي كل من أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل، في حين أن تحالف تركيا مع كل من الصين وروسيا و إيران يبدو أكثر متانة، لكن ترجمته على مستوى موازين القوى يعتمد على آفاق ونتائج الحرب الأوكرانية – الروسية التي تبدو كارثية، إلا أن ذلك لن يشكّل عاملًا مقرّرًا في توسيع مدى الدبلوماسية التركية التي تمتلك من أوراق القوة ما يمكنها من مكانة أفضل مما هي عليه اليوم.

في كل الأحوال لن يتغير موقف بروكسل وواشنطن السلبي من تركيا حتى لو طبّعت علاقاتها مع ألد أعدائها.. فالمسألة ليست شخصيّةً كما يجري تصويرها في الإعلام الغربي، بل لأن تركيا قوية وذات دور إقليمي ووازن في سياسات الإقليم ومستقبله.. تمثّل خطرًا على المصالح الغربيّة الأوروبيّة - الأمريكيّة - في المنطقة، ومن ثَمَّ التحديات أمام أنقرة كبيرة، لكن الفرص أيضًا متاحة ضمن إقليم يعاني من فراغ سياسي، وتراجع دور القوى المحلية، كما هو عليه حال النظام الرسمي العربي، الذي يعيش حروبًا داخليةً في ظل حكومات عاجزة عن بلورة التقدم نحو مشروع قومي عربي موحّد ينقذ المنطقة... من هنا تكتسي المراجعة السياسية النقدية التركية تجاه الإقليم أهمية خاصة، بالنظر إلى القواسم والمصالح المشتركة والتحدّيات الجمّة!