1/3
للمرة الثالثة أستيقظ قبل أن يرن المنبه، هكذا هي الليالي التي تسبق يوم لقاك، نمت باكرا كي لا يظهر على ملامحي أي أثر للسهر، كنتَ دوما تقول ان الهالات التي تحيط بعيني من آثار السهر، نهضت من الفراش، نظرت من النافذة، فكان الفجر يلوّن ما تبقى من ستائر الليل، سمعت صوت عصافير. تذكرت قولكّ: أن أول العصافير التي تصحو هي البلابل والشحارير، كانت تتقافز على أغصان الشجرة كظلال دون ألوان، فلم أميزها.
فاغتسلت.. سمعت تمتمات أمك تصلي عند الباب، بالأمس سألتها لماذا تصلين أمام الباب؟ قالت: إن الدنيا معتمة الان، وضحكَت، لم أفهم سبب ضحكها، رحت لأعد لي ولها القهوة، حين بدأت تغلي قلت: ليتني أعدها لك، عدت إليها، ناديتها فلم تسمع، تجلس على السجادة وتدعو بلهجتها الفلاحية، نسيت أن سمعها لم يعد جيدا، فقد تضرر اثر انفجار الباب يوم اعتقالك، اقتربت لأناديها عن قرب، ونذهب للجلوس على الشرفة الغربية، حين اقتربت منها أحست بوجودي، فدعتني للجلوس، جلست، قبّلتني وأخذت تداعب شعري، ثم قالت: "ادعي له يا حبيبتي، الله بستجيب للعشاق والمحبين"، ثم أشارت الى الباب، نظرتُ فبانت صورتك من بين شجرتين، مرسومة على السور المقابل، فقلت لها: عرفت الآن لماذا تصلّين هنا؟ ضحكَت وقالت: حبيبي، ثم احتضنتني مرة أخرى.
على الشرفة التي تحب، لم يكن المشهد قد تغير عن الوصف الذي وصفت لي، ثلاثة أعوام لم يتغير، إلا أن شجرة اللوز ارتفعت ما يقارب المتر، فغطته جزءا من مشهدك، أخذت تحدثني عن قصصك التي لا تنتهي، والتي لم يسعفك الوقت لتخبرني إياها.
2/3
منذ ثلاث سنوات، وأنا أسمع عن قصص طفولتك، أي طفولة! أي شقاوة تلك التي كونتك! أمرتني بعد أن انتهت من رواية قصة "البئر" أن أجهز نفسي كي لا نتأخر، وحين نهضت رنّ منبّه هاتفي، غريبة هي مواعيدها التي لا تخطئ أبدا، دون أن تملك ساعة، مثل مواعيد حبك التي لم تتأخر عنها يوما.
لبست القميص الأبيض، هو ذاته الذي لبسته يوم تصالحنا، سرّحت شعري كما تحب، تذكرت تناقضك، كنت تحب هذه التسريحة وفي ذات الوقت لا تحب أن ينسدل الشعر على عيني، فكنت تقول: أن هذا الجمال يجب أن لا يغطى وترده بيدك، اعترف! أكنت تحب هذه التسريحة لترد شعري بيديك؟ تأملت نفسي في المرآة، وضعت قليلا من الكحل الذي تحبه، والقليل من أحمر الشفاه الذي لا تحب، ولم أخبرك لماذا، وأحب أن تراني هكذا؟
ركبنا سيارة الأجرة، بعد وقت لاح من النافذة الخط الأزرق البحري البعيد، رحت أحدق فيه، تذكرت عدم رؤيتك للبحر، وتلك الرحلة التي طلبت مني أن أحضر لك رملا من هناك، ونسيت أن أحضره، ثم سألت نفسي: أين يكون الآن؟ أتنظر للبحر من الثقوب الصغيرة؟ أم لمشهد طبيعي لا تراه طوال أيامك؟ أم تبحث عن عُقاب في السماء؟ أتذكر حين كنا معا ذات مساء، حين لا تجدينني أنظري إلى السماء، أنظري إلى الدائرة التي تحيط بالقمر أيام الربيع أو لأي شيء طبيعي ثابت، ثم ضحكت وقلت: أنظري في قلبك فهو الوحيد الثابت، أما السماء فتحجبها الغيوم بشمسها وقمرها ونجومه.
أسمع السائق يسال عن أحوالك، لقد رفض أن يأخذ الأجرة، سمعت صبية وأمها تتهامسان عني، ذلك الهمس الذي لم أعد أطيقه، وقد بت أفهمه وأسمعه من كل من يعرف علاقتي بك. لا أدري لماذا يشعرني بالسوء، أعاود النظر من النافذ، أصبحنا على مشارف المدينة. أين تكون الآن؟ رأيت شابا وصديقته، يتأبط ذراعها وتضحك تلك الضحكة الخجولة، فرحت لهم وكتمت غصة في
3/3
صدري، لا أعرف يا حبيبي ويا نعمان فؤادي لماذا أصور لك هذا الشعور الكئيب أحيانا ق، لكنني أريد أن تقرأ يوما ما هذه التفاصيل.
وصلنا الحاجز، طلب الجندي بطاقاتنا. سألني ماذا أكون لك؟، لم أقل: حبيبته، فمثل هؤلاء لا يعرفون الحب. قلت: زوجته. عرفت أنني كذبت، لكن شعورا ما داهمني. ربما الخوف من أن تبقى كذبة للأبد، ضغطت أمك بحنو على يدي. قطعنا الحاجز، تسارعت دقات قلبي، تلك اللهفة المجنونة، ذلك الشغف، تلك المشاعر الخفية الجميلة. شعرت قلبي يسبقني إليك، يركض أمامي كطفل. رعشة ما بقدميّ. وصلنا نقطة التفتيش الثانية، وضعنا كل ما لدينا في خزانة الأمانات، الهاتف، الحقائب، وقبل أن نضع النقود المعدنية طلبت مني امرأة خمسة شواقل، فالخزانات لا تؤمن إلا إذا لقيمتها خمسة شواقل، وعدتني أن تردها في المرة القادمة. قلت لها: أنا في المرة الماضية لم أكن أحمل معي قطعة خمس شواقل فأخذت من شاب ربما تعطيها في المرة القادمة لأحد. تعارفنا ثم قطعنا نقطة التفتيش الثانية.
أخبرتك بتفاصيل الساحة. قاعة الانتظار. الأهالي يسيرون كما تسيرون في السجن. جلست أمك مع امرأة تعرفها، وأنا جلست مع زوجة أسير أعرفها. بعد نصف ساعة جاء اسمك بلغة عربية مكسرة. لم تسمع أمك الصوت. أبلغتها، ساعدتها على النهوض. شعرت بخدر في رجلها لكنها رغم ذلك مشت. خافت أن تتأخر. عبرنا الباب الدوار والمعروف باسم "المعاطة"، فتح الباب الأبيض. أمسكت بيد أمك. خفت أن يسبب اندفاعها نحوك مشكلة بينك وبين السجانين حين يصرخون عليها فنطرد من قاعة المحكمة. فهمتني أمك لكنها لا شعوريا اندفعت نحوك. صرخت السجانة: قفي، ووقفت حائلة بينكما.
بدأت المحاكمة، أنظر في لعينيك. بريقهما والتحدي المتأصل فيهما، ابتسامتك لي حينا ولأمك حينا. تمتمات حبك، إشارات يديك تدعونا لنكون قويتين، قلب ترسمه بيديك، كلمات حبك مع صوت المترجم. تحاول أمك أن تفهم ماذا تقول، أقول لها ثم تسأل عما يقول المترجم فأنقل لها القليل، أخاف أن أغمض عيني، أتمنى لو أستطيع احتضانك، آخذك معي، لو أنك تغير بلبلة من بلابلك وتطير معي. مثل الحلم كان اليوم.
ثلاث ضربات على الطاولة، يقف الجميع، تستغل الصوت وتقول: أحبك تصنع بيديك قلب حب ثانية، ترسل قبلة لأمك ثم واحدة لي. ابتسامتك تستفز صفا من المستوطنين. يجري القضاة مشاوراتهم، تنتهي المشاورات، يصدر القرار بالحكم باللغة العبرية أولا، ثم يترجم للعربية: مؤبدو سبعة أعوام، شعور غريب مع أنني أعرف الحكم. كعادتك تبتسم، ترفض الحديث. أمك تتفاجأ من الحكم. تبكي دون أن تريك دموعها، ذلك البكاء الذي يفطر القلب. لوحت لنا مودعا.
وضعوا القيود في يديك وأخرجوك.
سبع سنوات؟ الله على الظالم. وبدأت دموعها تهطل كالمطر؟
احتضنتها وأدركت أنها لم تسمع الكلمة الأولى(مؤبد)
في طريق العودة كان مشهد الغروب كئيبا. نامت أمك على كتفي. تنفسها بدا لي مثل تنهيدات متتالية، بعد دقائق استيقظت وسألتني: هل ستنتظرينه سبعة أعوام؟
سأنتظره العمر كله.
قبلتني وقالت كلمته المعتادة: حبيبتي. وأخذت تعد على أصابعها ثم سألتني: هل سأكون على قيد الحياة بعد سبعة أعوام؟ هل سأعيش لأراه؟ هل سأحتضنه؟
لم أستطع الإجابة. شعرت بدمعة تنساب من عيني اليمنى، ثم بملوحة على شفتي وأخذت تتبعها دمعات ودمعات

