Menu

العلاقة ما بين الفكرة وأدواتها ووسائلها

حاتم استانبولي

نشر في العدد (51) من مجلة الهدف الرقمية

عُقد في مدينة مالمو السويديّة مؤتمرُ فلسطينيي أوروبا العشرين تحت شعار (٧٥ عامًا وإنا عائدون). وقبيل الانعقاد أثيرت اعتراضاتٌ داخليّةٌ فلسطينيّةٌ عديدةٌ حول انعقاده، تعكس الحالة الفلسطينية وخلافاتها، وعدّت بعض القوى أنّ هذا المؤتمر يعدّ خارجًا عن الإجماع الفلسطيني أو بالأحرى يتعارض مع وحدانيّة منظّمة التحرير الفلسطينيّة وتمثيلها، وأصدروا بيانًا يوضّح معارضتهم لانعقاد المؤتمر وتقاطع رفضهم مع رفض السفارة الإسرائيليّة في ستوكهولم، الذي عدّته مؤتمرًا إرهابيًّا، حيث صرّح الناطق باسم السفارة أنّ كل من يشارك بالمؤتمر يعدّ إرهابيًّا كأصحاب المؤتمر.
نتيجة الاعتراضات والتحريض تم مقاطعة نشاط المؤتمر من الضيوف الرسميين للأحزاب وبعض الشخصيات التي دعيت إلى النشاط، ونجحت محاولات الناطق الرسمي باسم السفارة الإسرائيليّة في إجبار الضيوف الرسميّين على مقاطعة نشاط المؤتمر تحت حجّة أنّه نشاطٌ لحماس التي تندرج في لوائح الإرهاب الأوروبيّة مع بقية الفصائل المعارضة لاتفاقية أوسلو، وفي الوقت ذاته تم محاصرة شخصيتين فلسطينيتين ناشطتين وتجميدهما في مؤسّساتٍ حزبيّةٍ سويديّةٍ وازنة.
الاختلاف الداخلي حول النشاط يعيد طرح سؤالٍ ملحٍّ لمصلحة من تم التحريض على نشاطٍ شعبي فلسطيني يحمل شعار حقّ العودة؟ وهل هذا النشاط فعلًا موجّه ضد منظمة التحرير الفلسطينية وتمثيلها؟ وهل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينيّة (طلابيّة ونسائيّة وعماليّة واجتماعيّة وثقافيّة وغيرها) مُفَعَلة بين الجاليات الفلسطينيّة في الخارج؟ 
هذه الأسئلة وغيرها تتقاطع حول مهمّةٍ لم نستطع حتى الآن حلها، تحمل عنوان كيفية إدارة الصراع الفلسطيني الداخلي والخارجي من خلال برنامج عملٍ واضحٍ يحدّد الحدود الفاصلة بين التعارض في إطار وحدة القضية وعدالتها وقانونيّتها والتناقض في إطار الصراع مع المحتل الصهيوني الإحلالي. إن الإدارة هي جانبٌ من منظومة التفكير والتخطيط والتنفيذ هذه المنظومة هي شروط يجب توفّرها في القيادة بغض النظر عن موقعها ومكان فعلها لتحقيق الفكرة الفلسطينيّة، وفي الحالة الفلسطينيّة المترامية والمتداخلة في مجموعةٍ متنوّعةٍ من المجتمعات والثقافات، فإنّ تحقيق توفرها يعدّ ضرورةً لنجاح الفكرة وتحويلها لقوّةٍ ماديّةٍ ملموسة؛ ولكي تتحوّل لقوّةٍ ماديّةٍ ملموسةٍ تتطلبُ إبداعًا في الإدارة والتنفيذ، آخذين بعين الاعتبار ظروف المكان والزمان ومتطلبات تنفيذ المهمة المرتبطة في الفكرة العامة الفلسطينية، وهي تحقيق مهمة التحرر الوطني التي تحمل خصوصيّةً متداخلةً مع بعض مهمات التحرر الاجتماعي والسياسي يحكمها ظروف المكان والزمان.
لا أحد ينفي أن هنالك حالة من الصراع السياسي الحاد فرضه توقيع اتفاقية أوسلو التي أصبحت عبئًا ثقيلًا على القضية الفلسطينية وأدواتها من منظمة تحرير فلسطينية وفصائل داخلها وخارجها، ومشكلة أطراف هذا الصراع السياسي أنهم في الكثير من الحالات لا يفرقون في صراعهم ما بين أولوية وحدة القضية على وحدة الفصائل أو المنظمة، وفي هذا السياق يندرج الموقف التحريضي على النشاط بمناسبة النكبة تحت عنوان حق العودة. هذا يعيد إلى الواجهة ضرورة التأكيد على أهمية وحدة القضية الفلسطينية التي أساسها حق العودة التي ناضل شعبنا الفلسطيني من أجلها منذ ما قبل تأسيس المنظمة، وما قبل ظهور حماس وغيرها.
إنّ الخلاف الجوهري الذي يدور في التجمّعات الفلسطينيّة هو خلافٌ سياسيٌّ بامتياز ما بين رؤية السلطة الفلسطينية الرسمية التي تريد أن تتعاطى مع الجاليات باعتبارها حالة اغترابٍ انسجامًا مع اتفاقيات أوسلو، وبين اتجاهٍ يؤكّد أن نضال الجاليات يجب أن يكون في إطار حق العودة المرتبط بالنكبة، وهذا الشعار الوطني الجامع العابر للتجمعات الفلسطينية كافةً هو جوهر القضية الفلسطينية، والدور القيادي لمركز القرار، إنْ كان في السلطة أو الفصائل، عليه واجب إعطاء التوجيهات بضرورة دعم النشاطات الفلسطينية التي تتوجه للرأي العام، خاصة فيما يتعلق بعنوان حق العودة كونه عنوانًا جامعًا لفئات الشعب الفلسطيني كافةً بغض النظر عن المواقف السياسيّة حول تفسيره.
فالهجوم الصهيوني الممنهج على شعار حق العودة والأونروا التي هي المؤسسة القانونية الدولية التي تعطي مدلولًا ماديًّا لما عاناه الشعب الفلسطيني على مدار ٧٥ عامًا يتطلب من القوى الفلسطينية كافةً إخراج هذا العنوان من إطار الصراع الميداني وإيلائه أقصى درجة من الحرص على استمرار إبرازه في ظل الهجمة القانونية والسياسية الممنهجة لترويج إن عنوان العودة واللاجئين سقط بحكم الاتفاقات السياسية مع السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى عملية التطبيع مع النظم العربية في إطار اتفاقات إبراهام، خاصّةً وأنّ الهجمة الصهيونيّة الإسرائيليّة مستمرّةٌ وبشكلٍ أكثر حدّة من أجل تفتيت خصوصية عنوان اللاجئين الفلسطينيين وإلغائها، الذي يعبر عن مدى إجرامية وعدوانية الحركة الصهيونية وتمثيلها المادي المتمثل بإسرائيل التي تمارس عدوانيتها بصورة ممنهجة وعن وعي.  
الردّ على هذه العدوانيّة الممنهجة يجب أن يكون من خلال عناوين عدّة: 
١- إعادة الوحدة للقضيّة الفلسطينيّة التي جوهرها التحرّري يتمثّل في عنوان العودة والحرية والعدالة وفي إطار العلاقة ما بين القضية وأدواتها، فإنّ العامل الثابت هي القضيّة والعامل المتغيّر هي الفصائل بمدى التزامها بجوهر القضية واعتبار أن وحدة القضية أولوية على وحدة الفصائل وهي المعيار الناظم لوحدة الفصائل. كل ذلك يتطلب إخراج الجماهير الفلسطينية من الحسابات الفصائلية الضيقة في إطار مجابهة الهجمة الممنهجة على القضية الفلسطينية وتوحيد الجهود من أجل مجابهة الهجوم المنهجي على الشعب الفلسطيني وقضيّته من خلال الغاء حق العودة وما ترتب على هذا الحق من قراراتٍ دوليّة تحت عنوان أن قضية الشعب الفلسطيني هي في الجوهر قضية سكانية حلها يتم من خلال إعطائهم حق المواطنة في الدول والمجتمعات التي استضافتها.
٢- أما في إطار العلاقة بين الفكرة وأدوات ووسائل تحقيقها، فإنّ الأدوات والوسائل بالضرورة عليها أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية القضية الفلسطينية وامتداداتها وخصائصها الفريدة من حيث نشأتها وجبهة أعدائها وامتداداتها العميقة في الدول والمؤسسات الرأسمالية وأدواتها كل هذا يتطلّب قيادةً تستطيع أن تدير التشابك والاشتباك بين الأدوات والوسائل في إطار العلاقة بين الفكرة وأدواتها ووسائل تحقيقها آخذة بعين الاعتبار أولوية المعيار والناظم التحرري للقضية الفلسطينية.
وفي هذا الصدد، فإنّ استمرار تعليق فعل المؤسسات الشعبية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعملها، واستخدامها فقط في إطار المصالح الفئوية لتقييد حرية نشاط التجمّعات الفلسطينيّة في الخارج تحت عنوان أنها خارج مظلة المنظمة ومؤسساتها التي هي أصلًا غير مفعّلة ومصادرة لصالح السلطة وسياساتها المقيدة باتفاقيات أوسلو وملحقاتها.
إنّ الجميع يدرك أنّ منظمة التحرير الفلسطينية مصادرة لصالح السلطة وتستخدم فقط في مجالين الأمم المتحدة وفي إطار الضغط الداخلي الفلسطيني على الفصائل ومؤسساتها مجمدة عن وعي لكون القاعدة الجماهيرية الفلسطينية الواسعة هي متعارضة مع سياسات السلطة الفلسطينية. هذه السياسات التي أعطت مبررات للمحيط العربي أن يذهب بعيدًا في إجراءات التطبيع والأبرز كان ما أقدم عليه النظام المغربي من توقيع اتفاقيّاتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ وعسكريّةٍ مع "إسرائيل"، وهذا يتطلب من السلطة والمنظمة تقديم طلب رسمي للجامعة العربية لنقل مركز لجنة القدس المنبثقة عن مؤتمر القمة العربية إلى الجزائر التي ما زالت تحمل القضية الفلسطينية قضيةً عربيةً جزائرية.

٣- الحرب في أوكرانيا أعطت ظروفًا ملائمةً لرفع حدة النضال ضد الاحتلال الاستعماري الإحلالي الإسرائيلي في ظل رفع الدول الرأسمالية شعار لا حوار مع موسكو ما دامت تستمر في احتلالها الأراضي الأوكرانية، وفي هذا السياق هناك ضرورة لإعلاء الصوت الفلسطيني لإنهاء الاحتلال الصهيوني ل فلسطين تحت العنوان ذاته، واستخدام هذا العنوان لكشف المعيار المزدوج في التعاطي مع قضايا الشعوب وجوهر موقفهم التمييزي، وهنا فإن النشاطات كافةً التي تحمل عناوين الأسرى والاغتيال الميداني والحصار الظالم على غزة ومصادرة الأراضي والعقاب الجماعي وبناء المستوطنات وحق العودة جميعها عناوين يجب ألا تكون موضعًا لخلافٍ فلسطيني ميداني، بل عناوين لوحدة الأداء الميداني.
ما جرى في مدينة مالمو يجب أن يكون محطة لإعادة التفكير وصياغة سياسات فلسطينية عامة تحمي وتعزز النشاطات الفلسطينية و(القائمين عليها) المناهضة للممارسات العدوانية الصهيونية الإسرائيلية اليومية.