يمر اليسار بأحزابه الاشتراكية والشيوعية وفي كل العالم، بأصعب فترة خلال تاريخ نضاله من أجل العدالة الاجتماعية. فالرأسمالية، لا سيما الأمريكية، كلما اقتربت من النهاية تسارع وسائل إعلامها إلى شن حملة ضد الأفكار الاشتراكية، كما كان يحصل خلال الحرب الباردة بينهم وبين الاتحاد السوفييتي، واليوم بينهم وبين روسيا. فلم تعد تكتفي بزج التشويه والسخرية في الأفلام، والمنافسة على تصنيع أسلحة الدمار الشامل، بل تعدتها إلى استخدام كل القنوات الإعلامية، خاصة بعد الثورة التكنولوجية واختراع وسائل التواصل الاجتماعي التي شغلت الشباب والكبار على حد سواء، وتجاوزتها في خلق الحروب بين الشعوب التي كانت متحالفة كما يحصل اليوم بين أوكرانيا وروسيا، أو خلق حروب أهلية طائفية أو قومية كما حصل ويحصل في سوريا ولبنان والعراق.
الشعوب وعلى مر العصور ما فتئت تبحث عن العدل والعدالة لتعينها على تحمل مصاعب الحياة، وما الأديان إلا وسيلة من وسائل ذلك البحث الذي ولد مع ولادة أولى المجتمعات الزراعية.. لذلك في عصرنا الحالي انتمت فصائل عديدة من الفقراء عمال وفلاحين وطلبة ومثقفين للأحزاب اليسارية شيوعية واشتراكية من التي ناضلت من أجل تلك العدالة، ومنهم بعض الأغنياء من المتعاطفين مع الفصائل الأخرى أو المؤمنين بالقيم الإنسانية السامية. لا شك أن لكل منهم غاياته من وراء ذلك الانتماء، فمنهم من آمن بشكل حقيقي بما طرح من نظريات وأفكار وفلسفة اشتراكية والتزم بها وناضل وضحى من أجلها، بينما البعض الآخر كان اليسار بالنسبة له مجرد ركوب موجة أو حبا بالمغامرة، ونوع آخر ركب على أكتاف اليسار لتحقيق مطامح شخصية ذاتية أو قومية، والكثير من الفئة الأخيرة صارت اليوم تنتقد اليسار والأحزاب الاشتراكية لأنها تريد تغيير ما فطر عليه الإنسان من حب التملك! وبعضهم أو الكثير منهم متأثرا بالدعايات ووسائل الإعلام الغربية والأمريكية بشكل خاص، والذي قلنا في أكثر من مرة أنه يجند كل أمواله وذكاء المبدعين فيه من أجل السخرية والحط من القيم الاشتراكية واليسار.
مع انحسار دور اليسار في العصر الحالي يكتشف الإنسان الواعي انحسار القيم والمثل الإنسانية وانحسار روح التضامن بين الشعوب وارتفاع نزعة الأنا والأنانية لدى الأفراد، فالماكينة الدعائية أبدعت الأفلام والمسرحيات والروايات وحتى أفلام الكارتون لتزج فيها سخريتها من اليسار واليساريين وتييئيس الشعوب من فكرة العدالة الاجتماعية التي ينادي بها اليسار، وتشبيههم بفارس طواحين الهواء الدون كيخوته! وجندوا بنفس الوقت الكثير من المغيبين فكريا ليوهموهم بفكرة التعصب الديني مستغلين النزعة الإيمانية وتغلغل الدين بين صفوف الطبقات الفقيرة، والتي لا أمل لها سوى في العالم الآخر ليحظوا بما وعدهم الله من حياة مرفهة وجنات تجري من تحتها الأنهار، فأوهموهم تجار السلاح الغربيون بأنهم يمكن أن يسارعوا إلى ذلك العالم من خلال انتحار جماعي كما رأينا وعشنا في الجرائم البشعة التي ارتكبتها العصابات الإرهابية باسم الدين.
إذاً لا حل لليسار ليستعيد موقعه بين صفوف المتعبين غير مواجهة ذلك الكم الهائل من الخبث والدعاية ضدهم، بما يوازي ذلك الحجم من السخرية من الفكر الاستهلاكي والجشع الرأسمالي، وفضح استغلال الفقراء واستخدامهم وقود لإشعال الحرائق وتدمير البلدان لتحقيق مآرب الغرب الرأسمالي وبالأخص أمريكا، وسلاح اليسار أن يعتمد على قوة الحجة والمنطق وقدرات ساخرة توازي السخرية المقابلة.
البعض كان يرى في النظام البريطاني (الرأسمالي) الحل الأمثل فهو أفضل حتى من بعض الأنظمة الاشتراكية وقد حقق مبدأ (من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته)، وهذا صحيح جداً، ولكن من ناضل من أجل تحقيق ذلك، هم اليسار البريطاني. فبعد الحرب العالمية الثانية ومعاناة الشعب البريطاني إثر تلك الحرب ضغطت تلك الفصائل اليسارية والثورية، بقيادة الحزب الشيوعي حينها وحزب العمال الذي كان يساريا وقتها منتميا حقا للعمال ومنهم المناضل الفذ السيد توني بن، على الحكومات البريطانية لتوفير معيشة كريمة للشعب لتعويضه عن الخسائر البشرية والنفسية والمعاناة التي تكبدها من جراء تلك الحرب. فلولا اليسار لما كان للعاطلين عن العمل والمرضى وكبار السن، من مساعدات تحفظ كرامتهم، وهذا ما يحاول بعض من المترفين من أتباع أمريكا مثل بوريس جونسن وفرّاج وغيرهم تغيير تلك القوانين والشرائع التي صارت جزء من الدستور البريطاني، ليعودا إلى نظام شريعة الغاب أي البقاء للأقوى أو الأغنى!
إذاً ظاهرة انحسار اليسار هي ظاهرة عالمية، بعد تعرضهم لكل أنواع التشويه والمشاكسات، بل وحتى محاربتهم بسبل العيش والضغوط النفسية، فوسائل الإعلام الغربية تعمل بلا هوادة للسخرية منهم وللحط من أفكارهم، خاصة بعد تعدد وسائل الإعلام والتطور التكنولوجي التي تستخدم لتحييد الشباب وملء فراغهم برغبات الاستهلاك والرغبات الذاتية البعيدة عن القيم الاجتماعية والسمو، بل وتعزيز فكرة حب الامتلاك بكل أشكاله وتحويلهم على عبيد للاستهلاك والشراء من أجل الشراء فقط، والبعد عن القناعة والتضحية من أجل الآخر!
إذاً ابتعاد اليسار عن الساحة هي فرصة للآخر لتنتصر قيمه، وبالتالي تضييع كل التضحيات التي قدمتها الشعوب والفصائل اليسارية سدىً. فلا مجال للتهاون ومنح الغرب الرأسمالي الفرصة للإثراء على حساب الدول الفقيرة الناشئة، ومنح الفرصة للشر أن ينتصر على الخير والأمل... فلا بد من البحث المتواصل لمعرفة ذوات الشباب واهتماماتهم وطبيعة تفكيرهم ومعرفة مدى استعدادهم لتبني الأفكار السامية والقيم الإنسانية لمواجهة التحديات، مستخدمين نفس الوسائل الإعلامية وتجنيد الإبداعات الفكرية والفنية ليستعيدوا موقعهم وانقاذ ما يمكن انقاذه. والأهم هو تنقية روح الفرد من الأنا والانانية. لا اعتراض على حب التملك، لكن بعيدا عن عبودية الشراء وجشع الاستهلاك.

