باحثٌ في قضايا الشباب والتنمية/ فلسطين
تعدّ الحالة الفلسطينيّة غريبةً في سياق العالم الذي لم يعد الاستعمار له شكل الاحتلال الفعلي الفيزيائي إلا في فلسطين، وهو ما يجعل الفلسطيني بمختلف انتماءاته وتوجّهاته وقطاعاته الاجتماعيّة يولي الموضوع السياسي الأولوية عن الإشكاليات والقضايا الحياتيّة كافةً، وهو ما انعكس أيضًا على تشكيل الائتلافات والتشكيلات السياسية الفلسطينية باعتبار المحدد الأول لبناء الائتلافات والتحالفات هو الموقف السياسي والعلاقة مع مشروع المقاومة لاسيما المسلحة منها، وعلى الرغم من هيمنة الجانب السياسي على المسألة الفلسطينية إلا أن هذا يجب ألا يمنع من وجود مشكلاتٍ داخليّةٍ متراكمةٍ في المجتمع الفلسطيني تتمفصل بالسياسي يوجب الاعتراف بها. فالجبهةُ الفلسطينيّةُ الداخليّة مزدحمةٌ بمشكلاتٍ متعدّدة المصادر من بينها الجمود الحزبي، غياب الديمقراطية سواء داخل الأطر الحزبية، أو في داخل مؤسسات الحكم، وهيمنة السلطة التنفيذيّة انعكس سلبًا على مستوى احترام القانون، فضلًا عن تهميش دور الشباب والمرأة، وغيرها من مشكلات البطالة والفساد والفقر. وهي مشكلاتٌ وإن بدت داخليةً إلا أنها ذات ارتباط وثيق بالمعركة ضد الاحتلال، وهذا يحتّم علينا الشروع الفوري بعملية مراجعةٍ شاملةٍ للإصلاح الداخلي من أجل تجديد الفكر النضالي والاجتماعي بعد أن أثبتت العقلية السائدة في العقود الماضية قصورًا عن الاستجابة لحجم التحدّيات المتجدّدة والمتعاظمة.
في هذا السياق يأتي الحديثُ عن إعادة تشكيل تصوّرٍ عن المأزق الفلسطيني العام من منظور التركيز على الشباب، وذلك بالتركيز على استعادة دور الشباب بوصفهم "فئة تابعة" ومقموعة وتخضع للنخبة السياسية التقليدية التي لطالما هيمنت على العمل السياسي.
يطمح هذا التصوّر إلى تسليط الضوء على دور الشباب في إطار دعاوى بضرورة المراجعة الفلسطينية على الشأن العام، مانحًا دورًا للشباب في عملية التغيير المنشودة، التي تبدو أنها تنطلق من أفكارٍ جاهزةٍ ترى بأنه لا يمكن للعقول التي صنعت الأزمة أن تصنع ذاتها الحل، وأن العقول الشابة بطبيعتها أكثر ديناميّةً وتحرّرًا وإبداعًا وتمرّدًا وثوريّة. من هنا تسليط الضوء على أوضاع الشباب باعتبارهم شريحةً اجتماعيّةً واسعة، وتحليل واقعهم ومشكلاتهم ورصد احتياجاتهم والبحث عن الوسائل الإبداعية لتمكينهم والدفع بهم إلى مواقع المبادرة والقيادة، كون الشباب الفئة النوعيّة القادرة على التجديد والإبداع والمغامرة والتمرّد لاستكشاف آفاقٍ جديدة.
تصف هذه النظرة الشباب كأنّهم فاعلٌ تاريخيٌّ يتوصّل إلى إدراك ذاته في العملية السياسية القائمة لجهة تشكيل حيّزٍ سياسيٍّ شبابيٍّ مستقل، وهكذا يصبح الشباب فاعلًا عقلانيًّا متحرّرًا من تبعيته للكبار، مصورة بذلك الشباب مقولةً جوهريّةً تحقق نفسها في الواقع الفلسطيني، في صراع إرادات مع النخبة السياسية القائمة.
تشير الملاحظة الميدانية إلى صعود الحركات الشبابية من خارج فضاء العمل السياسي الحزبي. أهمية الشباب الذين يمثلون طاقةً مهملةً من طاقات الالتزام السياسي والاجتماعي، والتبصّر في بروز الظاهرة الشبابية تعبيرًا عن حقلٍ اجتماعيٍّ متوتّرٍ تشكّل في الخفاء، واستطاع أن يخلق موروثًا مستترًا في مواجهة الخطاب العلني، وهذا بدوره يربك حسابات القوى النظامية المسيطرة.
ذلك فإنّ انخراط الشباب في عملٍ جماعيٍّ منظّمٍ يناضل في سبيل حقوقه السياسية والاجتماعية ليس طريقًا معبدًا، بل هناك عقبات تعمل على تعزيز حالة الإحباط والسلبية والانكفاء في نفوس الشباب وتضغط عليهم للتراجع؛ من هذه العقبات ما هو ذاتي ذو أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية بكل الإرث التاريخي المصاحب لكل منهما، ومنها ما هو موضوعي يرتبط بخصوصية الحالة الفلسطينية التي تعيش تحت نير احتلال كولونيالي ما فتئ يقتلع أي بارقة أمل تجاه الانطلاق نحو المستقبل برؤيةٍ شبابيّةٍ وطنيّةٍ ديمقراطية، غير أن هذا يجب ألا يكون من خلال البحث عن موقع محدد مستقل ذاتي التشكيل كعلامة مميزة لما هو شبابي خالص[1]. يهدف الشباب وبمساندة قوى عديدة، إلى اختراع هذا الموقع بحيث تتحقق صيرورتهم بالتطابق معه من حيث هو دلالة على ما يجب أن تكون عليه سياسات الشباب. ظهر هذا الموقع المستقل في البداية على المستوى الافتراضي والشعاراتي، وهكذا يتم اختراع ثنائية الشباب والآخرين: حيز سياسي شبابي تقدمي وآخر تقليدي، شباب مجدد إبداعي مقابل نخبة تقليدية تقف ضد التقدم، شباب مع التغيير، وواقع سياسي عنيد يأبى التغيير، أو عناوين لا تحمل طابعًا ثنائيًّا بل تضمره من خلال شعارات معنية بتظهير دور شبابي، ومن ثَمَّ تبرر وجود حيز شبابي مستقل معزول عما هو غير شبابي ولا يتفرع عنه، وهي شعارات تهدف إلى تبيان أن ثمة مجالًا سياسيًّا شبابيًّا مستقلًّا عن الأطر السياسية القائمة، ومن ثَمَّ يبرر ذلك وجود سياسات تعكس تطلعات الشباب، من حيث هي تطلعات ذاتية تعبر عن وجود حيز سياسي لم يتفرع من مجال سياسي تقليدي، أو غير متفرع من النخبة التي لطالما هيمنت على الحيز السياسي الوطني، ولم يعتمد عليها وجوديًّا. مجال شبابي مجدّد عفوي لا عنفي غير منضبط بالتقاليد السياسية، وله احتياجاته الخاصة وغير هرمي، مقابل حيّز سياسي تقليدي تراتبي يهمن عليه الكبار وتسيّره نخبة متكلّسة منتهية الصلاحية تقف ضد التغيير، ومنضبط بقواعد عصية على الاختراق، يكرّر نفسه، منظم وخاضع لقواعد جامدة.
الشباب تصنيفًا سياسيًّا:
تعريف الشباب مقولةً جوهريّةً أو تصنيفًا سياسيًّا يمتلك حقلًا من الأقوال والأفعال منفصلًا عمّا يقوله الناس وعما يفعلونه، ويحقّق نفسه في حقلٍ سياسي، حزب سياسي على سبيل المثال، مستقل يعمل بمعزل عن التنظيمات السياسية، أو في بناء حركة اجتماعية تسعي إلى تحقيق مطالب شبابية، أو في تشكيل تيار شبابي بمطالب خاصة؛ سياسية واجتماعية واقتصادية. بَيْدَ أن محاولات تناول موضوع الشباب باعتبارهم شريحةً اجتماعيةً متجانسةً واحدةً تجمعهم خصائص بيولوجية واجتماعية عمرية ووظيفية واحدة، فضلًا عن محاولة عزلها فئةً ناجزةً تشتغل وفق احتياجاتها الخاصة تبقى عملية غير رصينة[2] وتثير الكثير من الشكوك، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ فئة الشباب تختلف من حيث ظروفها وخصائصها وإمكاناتها وطموحاتها، وليسوا شريحةً واحدةً كما تروج لها بعض الأدبيات[3]، فضلًا عن أن العامل الذاتي غير ناضج بما يكفي ليشكل الحركات الاجتماعية بمفهومها الحديث. وكذلك أن محاولة تشكيل تيار سياسي شبابي تواجه بدورها تحديات كبيرة تتعلق بالإمكانيات، وحفظ استقلاليته، ومحاولات الاحتواء من قبل البنى التقليدية[4] أو السياسية، كما الثقافة المجتمعية السائدة لا تؤمن بالدور القيادي للشباب، خاصة عندما يعمل بشكلٍ منعزل عن الأطر الحزبية، غير أن هذا بالرغم أنه قد يعد مكسبًا خاصًّا يحقّق بعض المطالب لبعض الشرائح الاجتماعية، إلا أنه يبقى على المستوى الوطني العام محدود الفعالية ووقعه ضعيف الأثر، غير أن هذا يعد مكسبًا لأطرافٍ عديدة، منها مؤسسات التمويل الدولي ذات التوجه النيوليبرالي[5]، ويعد مكسبًا أيضًا لأطرافٍ أخرى تريد التغلغل في الشأن الفلسطيني من بوابة دعم الشباب، وممكن أن يكون مكسبًا مفيدًا كذلك لبعض القوى الحزبية الداخلية والسلطة الحاكمة، لأجل استعمال الشباب لأغراضٍ خاصة، ومناكفة الطرف الآخر، أو لإضعاف أي إمكانية لفعالية مضادة تسعى لأجل فك الهيمنة السياسية على الواقع المحلي، خاصة أن فئة الشباب يشكلون العبء الذي تضيق به السلطات ذرعًا[6]. لكن في المجمل فهذا يعدّ خسارةً من منظور الحسابات الوطنية، ويفوت فرصة كبيرة في الاستثمار الوطني في الشباب من خلال رؤيةٍ جامعةٍ وخطّةٍ استراتيجية وطنية تكاملية مع كل الأطراف السياسيّة والفئات الاجتماعيّة.
انخراط شبابي واعٍ وداعٍ للتغيير في الأطر الحزبية:
وفقًا لرؤيتنا السابقة، فإن الشباب يعدون ثروة مهمة في إطار دافعها الثوري الداعي لعملية تغيير شاملة، بيد أن هذا الفعل يجب أن ينطلق من داخل البنى السياسية القائمة لا من خارجها، ولكون الشباب فئة عمرية تتميز بثوريتها وطموحها الساعي دومًا للتغيير، فإنّ فعلها يجب أن يكون ذي بدء بالانخراط الواعي في الأطر النقابيّة والاتحادات الشبابيّة، ومنها منطلقًا برؤيةٍ جديدةٍ إلى داخل المنظّمات الحزبيّة وفقًا لانتماءاتهم الأيديولوجيّة ومواقفهم السياسيّة من القضيّة المركزيّة التي تتعلّق بالخلاص من نير الاحتلال، ما يعني أن تكامل دور المؤسسات الأهلية (الوطنية بأجنداتها) يجب أن يكون من خلال دعم بناء قدرات الشباب على مستوياتٍ مهاراتيّةٍ ومعرفيّةٍ دون التدخّل في تشكيل انتماءاتهم السياسيّة وتوجّهاتهم الأيديولوجيّة، ومن ثَمَّ تمكينهم من دافع الفعل المستمر والتراكمي تجاه التغيير، ولاحقًا دفعهم للانتماءات الحزبيّة والسياسيّة لا تحريضهم على هجرانها بما يحيلهم إلى حالةٍ ليبراليّةٍ تعزّز الخلاص الفردي وتمزق القوة الشبابية قطاعًا اجتماعيًّا فاعلًا ومؤثّرًا، وهناك تبدأ العملية تجاه التغيير من خلال؛ أوّلًا: الضغط تجاه الحراك الديمقراطي داخل الأطر النقابية والسياسية وصولًا لعملية انتخابات شاملة، تجدد هذه البنى وتعزز من حضور الدماء الشبابية في هيئاتها المتعددة، وبالتدريج نصل إلى حراك مجتمعي يعيد الحياة مرة أخرى في مكونات النظام السياسي، التي بالضرورة ستعدّ مدخلًا أساسيًّا لتجاوز مأزق النظام السياسي وإنهاء الانقسام مدخلًا لتصليب الجبهة الوطنية الداخلية وتعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم واستكمال مسيرتهم النضالية نحو الهدف الأسمى في سياقنا الاستعماري وهو التخلّص من الاحتلال وتبعاته.
[1] حسنين توفيق علي، الأبعاد السياسية لازمة التنمية الإنسانية في الوطن العربي، في: النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الدول العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2013.
[2] محمد الكردي، الشباب ومستقبل مصر، أعمال الندوة السنوية السابعة لقسم علم الاجتماع جامعة القاهرة، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، القاهرة، 2000، ص3.
[3] مصطفى حجازي، مرجع سابق، ص203.
[4]هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992
[5] للمزيد حول هيمنة المنهج النيوليبرالي على الإدارة العامة والاقتصاد والتعليم في فلسطيني، انظر: رجا الخالدي وصبحي سمور، النيوليبرالية بصفتها تحررًا: الدولة الفلسطينية وإعادة تكوين الحركة الوطنية، مجلة دراسات فلسطينية، بيروت، العدد 88، 2011.
[6] مصطفى حجازي، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية ـ المركز الثقافي العربي ـ الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الثانية 2006، ص203.

