جاء في افتتاحيّة كتاب (الشرق الأوسط الجديد) لشيمون بيريز، وفي إشارته إلى اتّفاق أوسلو: "أن النظام الأمني الإقليمي الشرق أوسطي، لا بدّ أن يُبنى حول التزاماتٍ وترتيباتٍ أمنيّةٍ متبادلة بين كلّ ( قطر ين) بصورةٍ تردع أي عدوانٍ محتمل، حيث تكون مهمّة الترتيبات الأمنيّة على مستوى الإقليم هي تفكيك عوامل القوّة، والعمل على نزع السلاح، والسيطرة على الأصبع المتحفّز للضغط على زناد النار".
في كتابه، يرسم بيريز معالم الاستراتيجية التي "لم تعد تركن بصورةٍ غالبة إلى الأعمال العسكريّة لتحقيق غاياتها، بل إلى المفهوم العصري القائم على الاتفاقات السياسيّة، والاعتبارات الأمنيّة والاقتصاديّة".
ينتقد بيريز عجز المدرسة التقليديّة عن فهم المعنى الجغرافي للعمق الاستراتيجي، وطرح البديل، وهو: "إنشاء حالةٍ تصبح فيها النزاعات أقلّ جدوى وأعلى كلفة، ويصبح المفتاح هو المحافظة على نظامٍ إقليميٍّ بشروطٍ متّفق عليها".
يبدو أن الكثيرين لم يقرؤوا ذلك، وساد الاعتقاد بين أنصار تطبيع العلاقات بين العرب و"إسرائيل"، بأنه إذا توصل الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون إلى توقيع معاهدات سلام مع "إسرائيل"، فإن ذلك سيؤدي إلى فتح صفحةٍ جديدةٍ في تاريخ المنطقة الاقتصادي، على أساس أن تطبيع العلاقات والسير نحو التعاون، سيؤدي إلى تطوراتٍ اقتصاديّةٍ إيجابيّة، من بينها؛ تخفيض حجم الإنفاق العسكري، وتحويل موارد اقتصاديّة مهمة لعملية الإنتاج والنمو، والتعاون الإقليمي في مجالات المياه والطاقة والمواصلات: (مثل ناقل البحرين / والخط الحديدي إلى شبه الجزيرة العربية، واتفاقية الغاز وغيره!) وساد الوهم حول الاستفادة من دور التبادل التجاري بين البلدان العربية و"إسرائيل"، وصولًا إلى توسيع حجم السوق، والتخصص، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، وتحديث عمليات الإنتاج، والتخصص، مما سيشجع على مجيء الاستثمارات الأجنبية، والاندماج بالاقتصاد العالمي. مقاربة ترتكز على فهم مغلوط لحقائق الصراع، وتبنى على أساس منطق مخالف لكل معطيات الحقائق الاقتصادية على الأرض.
نشوء الصهيونيّة الاقتصاديّة:
يروج منطق التطبيع لفرضية، بأن العلاقات الاقتصادية بين البلدان العربية و"إسرائيل" ستعود بفوائد اقتصادية على الطرفين، وأن الأضرار الاقتصادية الهائلة التي أصابت الاقتصاد الفلسطيني منذ بداية الهجمة الصهيونيّة، كانت بسبب حالة الصراع بين الفلسطينيين واليهود بداية، ثم بين العرب و"إسرائيل" بعد ذلك، وأن توقّف الصراع سيأتي بالفوائد للطرفين. إنّ خطأ هذه الفرضيّة، في أنّها تقرأ التاريخ بشكلٍ معكوس، أو أنّها لم تقرأه بالمطلق. فما حصل في الواقع هو أن الصراع نشأ وتطوّر نتيجةً حتميّةً للأضرار الاقتصادية التي ألحقها المشروع الصهيوني بالاقتصاد الفلسطيني.
عند إطلاق المشروع الاستيطاني في فلسطين، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، لم تكن الحركة الصهيونية تمتلك بعد المقومات السياسة والعسكرية للدولة الاستعمارية حتى تتمكن من تنفيذ العملية الاستعمارية، كما أن فلسطين لم تكن أرضًا سائبةً دون تكلفةٍ اقتصاديّة، بل وطنٌ لشعب بامتداد قومي وحضاري وثقافي عميق. افتقاد المشروع لمقوماته، إلى جانب إرهاصات الصراع السياسي والأيديولوجي المقاوم، قاد إلى فشل عمليات الاستيطان الصهيونية الأولى.
ابتدأت الموجة الأولى من عملية الاستيطان الصهيوني عام 1882، وحتى عام 1902، وكان جل أفراد هذه الموجة من يهود روسيا ورومانيا وبولونيا، استوطنوا في مستعمرات قرب مدن يافا وصفد و القدس ، وأشرف على بناء تلك المستعمرات منظمة (أحباء صهيون). وقد تمت عملية الاستيطان تلك دون أن يكون عند القائمين عليها تصوّر مسبقًا للنمط الذي سيقوم عليه مشروع الاستيطان، ولم يكن عندهم معرفة كافية بحقيقة الوضع الفلسطيني، فحاولوا اقتباس أساليب الزراعة التي يمارسها الفلاح الفلسطيني، ولكن لعدم خبرتهم فيها جعلت مردود نشاطهم غير كافٍ لتأمين ضرورات الحياة، ولما كانت منظّمة (أحبّاء صهيون) من البرجوازيّة الصغيرة، فقد استنفذت مواردها في الهجرة وشراء الأراضي، فأصبحت غير قادرةٍ على تأمين دعمٍ مالي متواصلٍ للمستوطنين.
قاد هذا الوضع المتعثّر مستوطني الموجة الأولى، إلى البحث عن مساعداتٍ خارجية، فتمكّنوا من الحصول عليها بدايةً من البارون اليهودي الفرنسي إدموند روتشيلد. الذي لم يكتفِ بالدعم المالي، بل بات يشرف على إنشاء المستعمرات وإدارتها حتى أصبحت مؤسسته تهيمن على معظم النشاط الاستيطاني اليهودي، حتى عام 1900.
المقاومة العربية، وتقلبات الأسعار في الأسواق العالمية وفق قوى العرض والطلب، أقنعت روتشيلد بعد نحو عشر سنوات، بأن فلسطين غير ملائمةٍ للزراعة الاستعمارية، فانسحب، فوضعت معظم المستعمرات التي كان يشرف عليها، تحت إدارة هيئة الاستعمار اليهودي، وهي مؤسّسةٌ عالميّة، أنشأها عام 1891 البارون موريس دي هيرش، التي اعتمدت سياسةً جديدة، والمعايير الاقتصاديّة للسوق، ما تسبّب في انخفاض معدلات أجور العمال اليهود حتى وصلت لمعدلات أجور العمال العرب، فتقلّص حجم العمالة اليهودية وازدادت العمالة العربية في المستعمرات، ما أدى إلى تخفيف حدة مقاومة الفلاحين العرب، وعودة بعضهم للعمل في المستعمرات اليهوديّة، وهكذا فرضت المعايير الاقتصادية بقاء عملية الاستيطان في حدود محصورة، فخف العبء على الاقتصاد الفلسطيني، وازدادت حركة هجرة اليهود المعاكسة.
تشكيل الأدوات الاستعماريّة؛ المؤسّسة الصهيونيّة، والصندوق القومي اليهودي!
في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وقع حدثان خطيران تضافرا لوضع العلاقة بين الاقتصاد العربي الفلسطيني والاقتصاد الاستيطاني اليهودي على مفترق الصراع المفتوح؛ عام 1897 تشكلت المؤسسة الصهيونية العالمية، وفي عام 1901 أقر المؤتمر الصهيوني الخامس تشكيل الصندوق القومي اليهودي لتمويل شراء الأراضي في فلسطين.. وهكذا بدأت عمليات شراء الأراضي والهجرة دون أي اعتبارٍ للوضع الاقتصادي في فلسطين وقدرته الاستيعابيّة.
عام 1903 وموجة الهجرة الثانية:
بينما كان معظم مستعمري الموجة الأولى من أفراد الطبقة المتوسّطة، يحملون معهم رأس مال، مكّنهم من العيش في المدن، ك القدس ويافا وحيف وصفد.. كان معظم أفراد الموجة الثانية من شباب الطبقة العاملة، لا يمتلكون رأس مال، ويحملون معتقداتٍ سياسيّةٍ تمزج بين الأفكار القومية والاشتراكية الشائعة وقتها في أوروبا الشرقية، وكان همهم إيجاد العمل لكسب العيش، فسارعت مجموعات منهم لتأسيس الأحزاب العمالية اعتبارًا من عام 1905 خاصّةً إثر فشل ثورة روسيا، رافعين شعار؛ "احتلال العمل" الذي كان يرتكز على ثلاثة أهداف:
الأوّل نفسي؛ يهدف إلى تكييف اليهودي مع العمل الزراعي لحل المشكلة اليهودية الشاذة بانحصارها في مهن معينة!
الثاني طبقي؛ لحماية المصالح العمالية من استغلال أصحاب المزارع والمنشآت اليهودية.
الثالث قومي؛ وهو المحصّلة للمشروع، ويهدف إلى "سلب العمل من العمال العرب وتحويله إلى أيدي اليهود"، لتحقيق الشعار العنصري "احتلال العمل"، وفرض سوق العمل اليهودي، والحصول على ميزات وأجور مرتفعة، بإيجاد سوقين للعمل؛ عربي، والآخر يهودي بأجورٍ مرتفعة.
رغم معارضة أصحاب العمل لهذه التوجّهات لتأثيراتها على رفع كلف العمل، إلّا أنّ الأحزاب العماليّة حقّقت مبتغاها عن طريق التحالف مع المنظّمة الصهيونيّة التي كانت تملك رأس المال، وقدّمت الدعم للمنشآت اليهوديّة مقابل رفع أجرة العامل اليهودي مقارنةً بنظيره العامل الفلسطيني، وتمويل احتكار بعض الأشغال وجعلها وقفًا على العمّال اليهود. هذا التحالف تمكن في النهاية من استنباط النموذج الصهيوني للاستيطان الاستعماري، وذلك باعتماد أسلوب المستوطنات التعاونية "الكيبوتس" التي بدأ العمل بها عام 1909، عبر قيام المنظمة الصهيونية بشراء الأراضي، فتقوم الأحزاب العمالية باستيطانها، وبذلك يقوم الاستيطان اليهودي بتشويه الأسواق الاقتصادية الثلاث؛ سوق رأس المال، عبر توزيع رأس المال حسب معايير سياسية وليس تنافسية، وسوق الأرض، عبر دفع أسعار عالية بالأرض حتى لا يستطيع الاقتصاد المحلي مجاراتها، فتتحول الأرض إلى ملكية يهودية (عبر العالم)، وتسحب تمامًا من السوق المحلي، ويتم تشويه سوق العمل، عبر إخضاع عمالة الكيبوتسات لرؤية الأحزاب، وتحدد أجورهم حسب معايير سياسية.
هذا التحالف الثنائي قاد لاحقًا إلى إنشاء مؤسساتٍ اقتصاديّةٍ خارج نطاق الزراعة، مثل القطاعات الصناعية التي فاقمت من تشويه اقتصاد السوق والعمل وفق المعايير السياسية، وبذلك بدأت عملية إنشاء اقتصادٍ يهودي في فلسطين وفق آليات "الصهيونية الاقتصادية" وجوهرها الاستعماري، الذي ينمو ويتطور عبر توليد التدمير الممنهج للاقتصاد العربي الفلسطيني.
عبر هذه الوسائل المبتكرة تمكنت الحركة الصهيونية، من إقامة اقتصاد يهودي مستقل، معاكس وضار ومشوه للاقتصاد العربي، وداعم لآلة الحرب، وصولًا لإنشاء "الدولة" عام 1948.
دور استعماري بريطاني حاسم، تبعه موقف أمريكي معادٍ مطلق:
كان من المستحيل نجاح الحركة الصهيونية بمشروعها لولا الدعم الهائل الذي تلقته من بريطانيا أثناء فترة الانتداب؛ ما أحدث دفعًا نوعيًّا لآليات الصهيونية الاقتصادية؛ إذ أصبحت تعمل بقوة دولة بقدرات عسكرية وسياسية واقتصادية، وظفتها في عملية الاستيطان اليهودي على حساب العرب الذين بقوا في فلسطين بعد حرب 1948 في البداية، ثم على حساب أهل الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب 1967.. وكان من المستحيل نجاح "إسرائيل" في تحقيق النقلة التي حققتها على صعيد التوسع الجغرافي والسكاني والعملياتي، لولا الدعم الأمريكي المطلق والمتصاعد، حيث وظفت هذا الدعم لضرب المقاومة، ولكن أيضًا للاستمرار في تطوير وتحديث قوتها الذاتية، وتفوقها على الاقتصاديات الضعيفة المجاورة، والعمل على تهميشها وتشويهها، لتتحول "إسرائيل" إلى قوة إقليمية تمتلك الإمكانيات العسكرية والاقتصادية، تجاوزت آليات العرض والطلب التقليدية في السوق! فأصبح التطبيع الاقتصادي بين البلاد العربية و"إسرائيل" يعني قبول العرب بآليات الصهيونية الاقتصادية في أي علاقات اقتصادية يشترك بها الطرفان.

