واضح أن الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي يتخذ يوماً بعد يوم أبعاداً أكثر عمقاً واتساعاً خاصة بعد 3 تطورات نعتقدها الأهم في الأيام الأخيرة: أولها إصرار الائتلاف الحاكم على المضي قدماً في تشريعاته، رغماً عن الحركة الرافضة في الشارع وتوسطات رئيس دولتهم ودعوات الأمريكيين، وقد تجسد هذا بإقرار قانون إلغاء المعقولية، وثانيها بالدعوات العلنية غير المسبوقة لقطاعات هامة في الجيش من الاحتياط برفض الالتحاق بالخدمة، مثل الطيارين وجنود وضباط الاستخبارات العسكرية وهيئة الأركان، أضف لذلك تصريحات قيادات سابقة في الموساد والشاباك تدعم الحركة في الشارع (دفاعاً عن الديموقراطية) كما يزعمون، ما حدا بقيادات الجيش لقرع جرس الإنذار، وثالثها النقاش داخل الهستدروت لإعلان الإضراب المفتوح.
وإذا كان صحيحاً أن الانقسام الداخلي كنتاج لحفنة من التناقضات، كان سمة ملازمة للكيان منذ نشأته، وحتى ما قبل ذلك، إلا أن تلك التناقضات لم تنفجر يوماً كما انفجرت اليوم، والأهم لم تطل الجيش يوماً، باني الدولة واليد الضاربة للمشروع الصهيوني، فدائما كان هناك تناقضات بين المستوطنين، الشرقيين والغربيين، المتدينين والعلمانيين، (اليسار) واليمين، إلا أن انقسام هذه المرة عميق بما لا يقاس، ومتفجر بكل ما في هذه الكلمة من دلالة على منعطف تاريخي سيترك تأثيراته بلا شك على المجتمع والدولة والجيش، إذ وللمرة الأولى يعبر الانقسام عن نفسه بظاهرة رفض الخدمة في (دولة دكتاتورية) كما يقول الرافضون في الجيش وحرضاً منهم على (ديموقراطية الدولة)، حتى مسؤولي الموساد والشاباك يتحدثون عن الديموقراطية!!
لا ديموقراطية في مجتمع استيطاني عنصري
واللافت للنظر، بالنسبة لنا نحن الفلسطينيون، ذلك الحديث عن الديموقراطية والدفاع عنها باعتبارها، كما يزعم المحتجون، سمة دولتهم. إذا كان ثمة ديموقراطية فهي ديموقراطية مجتمع المستوطنين اليهود، وحتى هذه خاضعة للنقاش باعتبار التمييز ضد المستوطن الإسفارادي الشرقي على حساب المستوطن الإشكنازي الغربي، والمشروع الاستيطاني بالنهاية مشروع غربي بامتياز، ومع ذلك، وبافتراض أنها دولة ديموقراطية فهي بذات الوقت دولة عنصرية تجاه شعبنا في منطقة 48، وبالتالي فهي ديموقراطية يهودية عنصرية بامتياز، إن جاز أصلا الجمع بين الديموقراطية والعنصرية، وإن جاز أيضاً اعتبار أن دولة نهضت بفعل التطهير العرقي والإبادة والاحتلال والتوسع والغزو والعنصرية يمكن وصفها بالديموقراطية. ومع ذلك فليست تلك حالة فريدة، فالمجتمعات الناشئة في أمريكا وكندا مثلاً، نشأت وتشكلت أصلاً كمجتمعات ودول ديموقراطية ليبرالية على أنقاض ملايين السكان الأصليين الذين تمت إبادتهم.
وما يزيد الأمر غرابة، حد الشعور بالقرف، بالنسبة لكل مَنْ عانى الاعتقال والتعذيب الدموي في أقبية التحقيق، وكاتب هذه السطور واحد منهم، وهم بعشرات، إن لم يكن بمئات الآلاف، ولكل أسرة تدمر منزلها فوق رأسها في قطاع غزة، ولكل أسرة شهيد فقدته باغتيال بربري، ولكل مخيم جرى تدميره فوق ساكنيه ونحر ساكنيه كما في صبرا وشاتيلا، لكل مَنْ وقع ضحية مجزرة مرتبة كما كفر قاسم ودير ياسين، أقول ما يزيد الأمر غرابة حد القرف لكل هؤلاء هو سماع رؤساء الموساد والشاباك وضباط الطيران وضباط الوحدات المختارة والاستخبارات يتحدثون عن الديموقراطية وضد الدكتاتورية والاستبداد!!! وهم الذين تتلوث أيديهم، شأن كل المجتمع الاستيطاني، بدماء شعبنا، وهم الذين يتخوفون من السفر لبعض الدول كي لا يعتقلوا كمجرمي حرب، وهم مجرمو الحرب الذين كشفت وثائقهم أنفسهم ضلوعهم في مجازر عديدة وعمليات تطهير. وما الدفاع مثلاً عن صلاحيات المحكمة العليا (كحصن للقانون والديموقراطية) كما يصفونها، ضد العبث بصلاحياتها عبر إلغاء قانون المعقولية، فليس بالنسبة لشعبنا سوى أكذوبة لا تليق سوى بالعنصريين ومجرمي الحرب، فهذه المحكمة شرعنة التعذيب في السجون والاستيطان ومصادرة الأراضي وكل الممارسات المجرمة للاحتلال، إنها بالنسبة لشعبنا ليست (حصناً للقانون والديموقراطية) بل الأداة ( القانونية) لشرعنة المشروع الاستيطاني الترحيلي فلا صفة القانون ولا صفة الديموقراطية تليق بها.
ليس من ديموقراطية في مجتمع ينهض على التطهير العرقي والترحيل والمجازر والاحتلال والتمييز العنصري، كل ذلك سمة مميزة للمجتمعات العنصرية الاستيطانية لا للمجتمعات الديموقراطية. وقد سجلت الصحافة الإسرائيلية سماع أصوات منفردة ومعزولة هنا وهناك تطالب بإنهاء الاحتلال باعتباره لا يتفق والديموقراطية، فيما جرى قمع تلك الأصوات سريعاً دون ان تغدو ظاهرة ذات بال. إنه مجتمع استعماري من رأسه حتى أخمص قدميه.
هل الحرب خيار للخروج من الأزمة؟
أما ما سيؤول إليه هذا الاحتجاج فذلك برسم المراقبة، مع أن اللحظة تؤشر لممكنات التصاعد أكثر فأكثر، ولكن ما هو واضح هو الحقيقة التاريخية: لم يتفكك مجتمع استيطاني جراء انقسامه الداخلي. فالاستيطان العنصري الأبيض في جنوب إفريقيا ووزيمبابوي وروديسيا والجزائر لم يتفكك بانقسام مجتمع البيض الأوروبيين، بل بهزيمتهم عبر المقاومة العنيدة المتعددة الأشكال، وعلى رأسها الكفاح المسلح للشعوب الأصلانية، وما يدعم هذه الحقيقة هو طبيعة اللاصق السياسي والفكري الذي يربط مكونات مجتمع المستوطنين معاً، رغم انقساماته، ونعني به العداء للآخر الأصلاني، الذي لا ينهض مجتمع المستوطنين ويتماسك إلا بالعداء له، وتحويل هذا العداء لعقيدة سياسية أمنية تكاد تصل حد المرض النفسي لدى أولئك المستوطنين، شأن العقيدة الأمنية لدى المستوطنين اليهود والتي توحدهم في عدائهم للفلسطينيين والعرب. لذلك لا يسارعن أحد ويراهن على انهيار الكيان من داخله بفعل الانقسام.
ومع ذلك فهذا الوضع الداخلي المنقسم والمأزوم للكيان، وهذا الجيش الذي بات يعاني في أفضل قطاعاته ووحداته من خطر التفكك فعلياً، بعد أن يظل (يتفاخر) بأنه الجيش الذي لا يقهر، وتم قهره مراراً من 2006 وحتى معركة جنين، هذا الوضع ينبغي أن يكون حاضراً في رسم تكتيكات وخيارات المقاومة فلسطينياً وعربياً.
ولأن العداء لشعبنا والدفاع عن مجتمع الاستيطان هو اللحمة التي تجمع المستوطنين برغم خلافاتهم، فهل يمكن افتراض سيناريو التوجه لحرب لتدعيم تلك اللحمة وتعزيز ذاك اللاصق؟ التوجه للحرب ينقذ ائتلاف نتنياهو، ويحقق التفاف المعارضة حوله رغم أنفها فلا شيء يوحدهم قدر العداء لنا، والتوجه للحرب يقطع الطريق على حركة الضباط والجنود الاحتياط الرافضين للخدمة، ولكن فيما يبدو أن لا خيار سوى هذا أمام الصهاينة، إلا أن هذا الخيار محفوف بمخاطر حقيقية أبرزها أن الانتصار في أية حرب قادمة ليس مضموناً نهائياً. بعد العام 2006 وانسحابهم المخزي من لبنان تحت وقع ضربات المقاومة، وبعد المقاومة الباسلة التي غيرت قواعد الاشتباك في قطاع غزة، وبعد معركة جنين الأخيرة، وبعد ما يشاع عن تعاظم القوة الصاروخية الدقيقة لحزب الله، وبعد التبلور الفعلي لمحور المقاومة من فلسطين ولبنان مروراً بسوريا وصولاً للعراق و اليمن وإيران، لم يعد القادة العسكريون على ثقة بقدرة جيشهم على الانتصار، حتى لو كان خيار الحرب خيارهم وخيار السياسيين لإنقاذ الجيش والمجتمع من الانقسام، وبالتالي فهو خيار صعب اللجوء له، الأمر الذي سيعزز من ظاهرة الانقسام أكثر فأكثر إذ يبدو لا حلول في الأفق، خاصة أن تداعياته صارت تمس الاقتصاد والاستثمارات والهجرة من وإلى الكيان لا الجيش فحسب.

