Menu

اجتماع الأمناء العامون.. من الغباء السير على ذات الطريق وبذات الوسائل وتوقع نتائج مغايرة

وسام رفيدي

لحظة كتابة هذه المقالة، الأحد 30 تموز، بدأت الوفود بالتقاطر على القاهرة للمشاركة في اجتماع الأمناء العامين. أكاد أجزم كمتابع ومراقب أن المزاج الشعبي ليس فقط لا يبدي أية اهتمام، بل لا يثق بأية قرارات ستصدر، ولسبب بسيط: لا ثقة بأن هذا الاجتماع سيختلف عن غيره، فقد اجتمعوا مراراً كأمناء عامين وكمؤسسات (مجلس وطني ومركزي) وبقيت القرارات حبر على ورق، وثبت لمن يثق بعقله وتجربته أن هذه الاجتماعات وما يصدر عنها من قرارات ما هي إلا لذر الرماد في العيون، وامتصاص حالة من النقمة على القيادة اليمينية، قيادة أوسلو، خاصة في ظل عزلتها الشعبية التي تعمقت بعد معركة جنين، وزادت من مؤشرات فقدانها لشرعيتها، فلا شرعية نضالية ولا شرعية انتخابية، فقط اتفاق المحور الأمريكي الصهيوني العربي الرجعي على بقائها خدمة لاتفاق أوسلو وكنتاج له.

لذلك يبدو أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، ولكن بصورة ساخرة تماماً، فبعد العديد العديد من الحوارات والاتفاقات والقرارات والبيانات المشتركة يعودون للحوار، ولن ينتج سوى المزيد مما نتج سابقاً، ولم ينفذ حرف منه. ألا يدعو هذا للعجب من الهرولة إلى اللقاء؟ إن مَنْ يجرب نفس الطريق وبنفس الوسائل مرات ومرات ويتوقع نتائج مغايرة يكون كمن يقرر إعلان غبائه على الملأ، وهذا ما يقرره التاريخ عندما يعيد نفسه: يعيدها بسخرية تامة.

وضعت بعض القوى شرط يتيم قوامه إطلاق سراح المعتقلين السياسيين لدى السلطة، ومنها الجهاد والشعبية وحماس والديموقراطية، هدفها خلق أجواء إيجابية لنجاح الحوار. ومع أن شرطهم هذا بالكاد يوفر الحد الأدني من الأدني للحوار مع فريق أوسلو، فإن الجميع لحس شرطه باستثناء الجهاد، وهذا يسجل لها، تمسكت به، إذ ما معنى أن تحاوروا مَنْ تحاورون فيما الفريق الذي تحاورونه يعتقل المئات من تنظيماتكم اعتقالاً سياسياً، وتحديداً من حماس والجهاد، خاصة وقد رشحت معلومات تفيد أن سلطة أوسلو رفضت قطعياً إطلاق سراح المعتقلين السياسيين واعتبرته شرطاً ابتزازياً!!! وهذا يعني ببساطة أن سلطة أوسلو تقول لكم: أجيتو منيح وإن ما إجيتو بلاش! وهذا المنطق الإستعلائي يتأكد من حقيقة ومغزى الترتيبات المعلنة للحوار: يوم واحد فقط للقاء والحوار. يعني بالمشربح: يا دوب يلحقو يخلصوا خطابات وتصفيق. فأي حوار هذا؟

إن الملفات المعقدة المرتبطة بالانقسام، وإعادة بناء المنظمة، والتصدي للعدوانية الصهيونية، وتلك ملفات يقول المشاركون أنهم ذاهبون لبحثها، سبق وتم التباحث حولها لأسابيع ولم تحل ولن تحل في يوم، ويقيني أن ليس لها حل أصلاً مع فريق أوسلو، فما طبيعة هذا الحوار لمدة يوم؟ ليس أكثر من مهرجان خطابي يُمنح فيه أبو مازن وفريقه شرعية يفتقدونها شعبياً، ومكانة وطنية تتزعزع كل يوم، فيما الآخرون يشكلون (ختم) فصائلي لتلك الشرعية وهذه المكانة. أما الأخطر فهو ما يشاع عن اتفاق الرجوب والعاروري على كل شيء، ولا غرابة في ذلك: فتح وحماس يتفقون ومطلوب من الآخرين اللحاق! ليست المشكلة فقط في نهج الإقصاء الفتحاوي الحمساوي، ولكن فيمن يقبل على نفسه أن يكون موضوعاً للإقصاء راضياً مرضياً. المطلوب فقط الختم في لقاء رسمي يعج بالخطابات لينفضوا بعدها، وسبق لفتح وحماس أن اتفقوا مراراً ووضعوا ترتيبات وتفاهمات ولم ينفذ شيء.

أما تغطية كل هذه الهرولة بتكرار الشعارات الممجوجة بالحرص على الوحدة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير، فعلى الأقل لتصغوا للمزاج الشعبي الذي بات يرى لتلك الشعارات بما تستحقها: بالتنكيت والسخرية واللامبالاة. هذا المزاج يُكبر ويمجد الوحدة الميدانية للمقاومين في نابلس وجنين والغرفة المشتركة ولا يقيم وزناً (لوحدتكم)، وهذا المزاج لم يعد يرى للمنظمة سوى هياكل غائبة، منتهية الصلاحية، ابتلعها أوسلو تماماً، فإلى متى تظلون تتمسكون بتلك الشعارات الجوفاء؟ نعم الجوفاء. الوحدة المطلوبة هي الوحدة الميدانية للمقاومين لا الوحدة مع فريق أوسلو، والمنظمة المطلوب استعادة وحدتها ينبغي أن تنبثق هياكلها من انتخابات ديموقراطية للمجلس الوطني لا عبر توزيعات الكوتا البائسة، ومن استعادة الميثاق الوطني كقاعدة برنامجية للمنظمة ولنهج المقاومة بديلاً لنهج أوسلو. هكذا فقط يتم استعادة الوحدة والمنظمة وعلى أنقاض سلطة أوسلو ومنهج التفاوض.

سيجتمعون ويلقون الخطابات، وربما يصدر بيان، ولن يكون هناك ما ينفذ منه فلا تتوقعوا شيء، وسيعود ويشعر الشرفاء الذين سارعوا لإصدار بيانات المناشدة والمطالب وتحديد الأسس من مثقفين ونشطاء ومناضلين، بالأسف من جديد بأن جهدهم كالعادة لا يثمر، والمشكلة أنهم للمرة ربما العاشرة يعودون ويسيرون على نفس الطريق وبنفس الأدوات ويتوقعون نتائج مغايرة.