صباح الخير يا غسَّان؛ أيّها الغزال الذي كان يُبشّر بزلزال، ويترك في كلّ صباحٍ صحفَ الاحتلال، بين قيلٍ وقال. على كلّ حال، لكلّ مقامٍ مقال. هل تُصدّق أنّني عشتُ معك كلَّ حياتي، حيثُ انطبعتْ كلماتك في ذاكرة الطفل الذي كُنته، والعلم في الصغر، كما تعلم، مثل النقش في الحجر. اسمك لم يفارقني من يوم وعيتُ على الدنيا وأهلها. ومن ثَمَّ، وبعد حين من الدهر، اكتشفتُ متعةَ القراءة والكتابة، وها قد مرّت على تلك الأيام أكثرُ من خمسين سنة، وأنا صديقك اليومي ما أزال.
نعم، أقولُ صباح الخير وأنا حزينٌ يا غسَّان؛ لأنّني نسيتُ في أيّ مرحلةٍ دراسيّةٍ كنّا نقرأ مجموعةَ قصصٍ من تأليفك اختارتها وزارة التربية والتعليم في سورية مطلع سبعينات القرن العشرين، ليطالعها التلاميذ في حصص القراءة الرافدة في المدارس تحت عنوان "حقٌّ لا يموت" أذكر منها حتّى الساعة قصّة "الصغير يستعير مرتينة خاله ويُشرِّق إلى صفد" التي افتتحتَ بها مجموعتك القصصيّة "عن الرجال والبنادق" وكنتَ قد كتبتَ مقدّمتها في كانون الأول/ديسمبر 1968. كان عنوان القصّة مألوفًا، حلوًّا، فيه تلك اللغة اليوميّة التي يتعامل بها كلّ البشر "يستعيرُ مرتينة خاله ويُشرّق" إلى أين؟ إلى صفد. وما صفد هذه؟
لم ندرك معناها أوّل الأمر، فجاء شرح أستاذنا العزيز جبور عيسى جبور "أبو سليم" سليمًا في المعنى: صفد مدينة فلسطينيّة عريقة، وهي إحدى مدن فلسطين التاريخيّة، تقعُ المدينة في منطقة الجليل الأعلى، كما تُعدُّ واحدةً من أكثر مدن فلسطين ارتفاعًا عن سطح البحر. تقع على بعد 134 كم شمال مدينة القدس ، وتُطلُّ على بحيرة طبريا ومرج بيسان الواقعين إلى الجنوب الشرقي منها وعلى جبل الجرمق إلى الغرب.
تسأل لماذا أنا حزين؟ أنا حزين يا غسَّان وكأنّه الحزن الذي قال فيه صاحبك ورفيق دربك الثائر الأرجنتيني أرنستو شي غيفارا: "كنتُ أتصوّر أنّ الحزن يمكن أن يكون صديقًا، لكنّني لم أكن أتصوّر أن يكون وطنًا نسكنه، ونتكلّم لغته، ونحمل جنسيّته" ثمَّ جاء الشاعر الكردستاني شيركو بيكه سه ليكتبَ قصيدةً بديعة يقيس بها حزني وحزنك. يقول فيها: جاء التاريخ وقاس قامته بقامة أحزانك، كانت أحزانك أطول، وعندما أراد البحر أن يقيس عمق جراحاته مع جراحاتك، صرخ؛ لأنّه كاد أن يغرق فيك.
أنا حزينٌ يا غسَّان لأنّني فارقتُ مكتبتي في مدينة إدلب في الشمال الغربي من سورية، وفيها أعداد مجلّة "الهدف" التي أسّستها أنت، وصدر العدد الأول منها في صيف عام 1969 وصارت في سنواتٍ قليلةٍ من أفضل المجلّات العربيّة وأوسعها انتشارًا.
أنا حزينٌ يا غسّان لأنّ رحلة الرحيل عن ديارنا كانت شاقة وخطرة، تركنا تلك الديار معلقةً على حبل الغسيل؛ لأنّ حقائبنا الصغيرة المعلّقة على ظهورنا لا تتّسع وطنًا، فالأوطانُ أكبرُ من أن تُحمل في حقائبَ على ظهور البشر.
أنا حزينٌ يا غسَّان لأنّني رُميتُ بالغربة عن وطني، كأنني أذنبتُ في حالة القرب فأدَّبني بهجره وبُعده. أستغفر الله هو مسقط رأسي، ومجمع أهلي وناسي، وملعب إخواني وخلاني. والشاعر يقول: شكوت وما الشكوى لمثلي عادة/ ولكن تفيض العين عند امتلائها. وعلمي أن محاسن الأوطان كثيرةٌ لا تُستقصى، وأوصاف صفاته تتضاعف أعدادها ولا تُحصى.
وها أنا من بعيد أُطلُّ عليك يا وطني. وأحنُّ إليك. أي والله. وكيف أُخفي ذلك، وقد سبقنا الأوائل في القول: حبُّ الأوطان من الإيمان. وأقول مع الشاعر: وما عن رضى كانت سُليمى بديلةً/ربليلى، ولكن للضرورات أحكام. وأبو الطيب يُنشد: لا خَيْلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ/ فليُسْعِدِ النطقُ إن لم بُسعِدِ الحالُ. وكُلنا يعلم بأن آراء الناس تختلف من زمن لآخر، وهذا من حقهم، ولكنهم يحتاجون إلى التعاون من أجل نهضة الأوطان، وأساس التعاون والعيش المشترك هو التفاهم الذي يزيل الخلاف بين الأطراف ذات العلاقة في عالمٍ متنوع. وأنت علَّمتنا يا غسَّان بأنّ الوطنيّة هي هذا الشعور العميق الذي يحدو صاحبه إلى مؤاخاة جميع الناس؛ لأنّهم يشاركونه في مُثُلٍ عليا يُقدّسها وهي تستلزمُ حقوقًا وواجبات.
في رحلة الرحيل كانت الدروب تضيق بين صفوف عسكر الحدود المتنكب بنادق رشاشة ومن يغلط في المسير يُرديه رصاص القناص قتيلًا بين أشجار غابات الصنوبر. كلا يا غسَّان لا تحتمل تلك الحقائب الخفيفة وطنًا وديارًا ومجلّدات الكتب الثقيلة، والذكريات الحزينة، لذلك من يستطع حمل ما يرغب من كتب ومجلات من مكتبته، هذا الترف لا تحتمله ساحات الحروب ودروبها الضيقة.
كم كنتُ حزينًا يا غسَّان؛ لأنّني لم أستطع حمل "ملف" عن مسيرتك في الصحافة، جمعه صديقي الباحث والمؤرخ الأستاذ "فايز قوصرة" الذي تعرَّف إليكَ شخصيًّا في بيروت، وتعلَّم منكَ الكثير، وعمل معكَ في مجلّة "الحريّة" وفي جريدة "المحرّر" في ستينات القرن العشرين. في "الملف" الذي لم أستطع حمله وتركته في مدينة إدلب قصاصة من جريدة "المحرر" أظنّها عام 1963 وفيها مادّةٌ لك مع صورتك بالأسود والأبيض تنضح شبابًا ونضارة. وقد كنت تكتب مقالًا أسبوعيًّا في جريدة "المحرّر" التي كانت ما تزال تصدرُ أسبوعيّةً صباح كل إثنين في بيروت.
كم كنتُ أرغبُ في حمل المجلّد الثاني من مجلّدات أعمالك الكاملة وفيه "مجموعات" قصصك، ولهذا المجلد قصةٌ شائقة وطريفة حدثت معي، ولكن لا يتسع المقال لذكرها الآن، سأكتب عنها فيما بعد. وبعد، كم كنتُ أرغب في حمل أعداد مجلة "الهدف" الخاصة التي كانت تصدر في الثامن من تموز يوم استشهادك من كل عام، وكنتُ أجمعها وأحرص أن تبقى كما اشتريها وقت صدورها، كنتُ أُبقيها نظيفة، مرتبة، طازجة، تفوح رائحة الحبر من أوراقها، وأخجل حين تنثي صفحة بالغلط من صفحاتها التي يُطل اسمك ورسمك في كل زاوية من زوايا العدد السنوي التي كان رفاقك في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يعتنون بإخراجه فنيًّا وفكريًّا في ذكرى رحيلك مع لميس ابنة أختك فائزة في تفجير سيارتك المفجع في صباح يوم السبت الثامن من تمور عام 1972 في حي الحازميّة في العاصمة اللبنانيّة بيروت.
أنا حزينٌ يا غسَّان؛ لأنّ رفيق دربك بسَّام أبو شريف (الذي كان يومها عضوًا في المكتب السياسي في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ورئيس تحرير مجلة الهدف) ها هو يلملم أغراضه يوم الرحيل في صيف عام 1982، ماذا يأخذ وماذا يترك في رحلة الرحيل عن بيروت؟ يستعجله الرفاق: يا رفيق بسَّام علينا أن نُغادر. يحزم أمره أخيرًا فيحمل المجلّد الأوّل من أعداد مجلّة "الهدف" أغلى ما يملك، يضعه في كيس البحار العسكري وينطلق مع الرفاق إلى السفينة المغادرة.
كانت مجلّةُ الهدف في حصار بيروت قد تحوّلت إلى جريدةٍ يوميّةٍ باسم الهدف أيضًا، وراحت تُوزّع على الفدائيين في الخنادق ومتاريس أكياس الرمل. كانت تسهم إلى حدٍّ ما في صمود الفدائي، فهو إنسانٌ في النهاية له ما لنا وعليه أكثر مما علينا. له عواطف جياشة، ومشاعر فيها الفرح والحزن، يُحب كما نحب، ويعشق كما نعشق، ويحلم كما نحلم. يستمتع بالشاي والسجائر وقهوة الصباح المفقودة... صباح الخير يا غسَّان.

