ما يجرى في السودان لم يكن خارج سياق التوقّعات، خاصّةً أنّ المعطيات المتوفّرة وسير التطوّرات الداخليّة ترجّح هذا الاحتمال على غيره من الاحتمالات، حيث طرفا الصراع الرئيسان اللذان هما شريكين منذ عقودٍ طويلة، وينحصر خلافهما في حجم المصالح الذاتيّة، استطاعا منذ البدء ركوب موجة الحراك الشعبي المدفوع بهمومٍ معيشيّةٍ محضة، وإجهاض تفاعلاته، وأن يشكّلوا جزءًا من صياغة مفرداته السياسيّة، وهو أمرٌ أجادته القوى الطبقيّة المتنفّذة، ليس في السودان فحسب، بل في عموم بلدان ما سمي بالربيع العربي، حيث الاندفاع الشعبي التلقائي دون برامج وقوى سياسية منظمة، وحصر مطالبها برحيل الرمز والإبقاء على المنظومة الطبقيّة الراسخة.
ومهما كان دور الفرد يبقى مجرّد تعبيرٍ عن مصالحَ طبقيّةٍ محدّدة هي في جوهرها أوسع وأعمق من اختزالها فيه. هذا النمط من النشاط الجماهيري العفوي مهما كان حجمه ومشروعيّة مطالبه، ليس له أفقٌ للانتصار، ويبقى أقرب للمثاليات التي ليس لها مكان في عالم الصراعات الطبقيّة المموهة بشتى الأغلفة.. وفي الحالة السودانيّة المعبأة بالتناقضات الإثنيّة والعرقيّة والقوميّة العميقة وتتغذى من المناخ الإقليمي الذي يدفع بهذا الاتجاه إلى مداه الأقصى، تصبح أكثر تعقيدًا وأكثر قابليّة للتدخّل الخارجي.
من المهمّ فحص أدوار القوى الإقليميّة ذات الارتباط بالمشاريع الدوليّة المشبوهة لاستجلاء كنه ما يجري في الإقليم العربي، حتى ندرك حجم التدخّلات وتأثيرها وأبعادها. إنّ مسألة التحالفات من أهم القضايا في علم السياسة، وتعكسُ بصورةٍ أوضح طبيعة توجّهات القوى الداخليّة وتوجّهاتها، وليس هناك إمكانيّةٌ لتحالفاتٍ خارجيّةٍ مشبوهةٍ لتنفيذ أهدافٍ داخليّةٍ سليمة.. لقد وجدت أطراف الصراع في اللحظة الراهنة فرصةً مواتيةً لتصفية الحسابات السياسية المتراكمة طيلة عقودٍ وتحقيق أهدافها دفعة واحدة. وستضيف الأيام المقبلة المزيد من البراهين عن طبيعة المخطط المتفق عليه ضمنيًّا، بحيث تعود القوى المتصارعة إلى طاولة المفاوضات بشروطٍ جديدة، تتجاهلُ كليًّا القوى المدنيّة الديمقراطيّة وتطلّعات الجماهير الشعبيّة، مع التقاطع مع هذا الطرف أو ذاك في هذه الجزئية أو تلك، وفي ضرورة الإبقاء عليها ظاهرةً صوتيّةً إعلاميّةً دون تأثيرٍ فعلي. وتأتي هذه الخطوة ضمن إطارٍ توافقي بين طرفي الصراع المدججين بالسلاح لتخطي ما تم التوافق عليه، الذي شكّل نوعًا من الوفاق الوطني بصرف النظر عن مضمونه، ووضع الشعب السوداني وجميع قواه السياسيّة في مأزقٍ حقيقي، بحيث يفكك التحالفات الوطنية ويضعها أمام مشهدٍ جديدٍ وصيغٍ تحالفيّةٍ جديدة، بعد أن استطاعوا شطب الهُويّة العربيّة وتمرير قضيّة التطبيع مع الكيان الصهيوني في ظل السلطة الانتقاليّة، دون مجابهةٍ شعبيّةٍ جديّة... كلّ هذا ما كان له أن يجري بالشكل الذي جرى لولا هامشيّة القوى التقدّميّة ذات الخيار الوطني والاجتماعي البديل، وغموض رؤيتها الاستراتيجيّة.
إنّ الاعتقاد بإمكانيّة تحجيم قوى مسلّحة ذات خياراتٍ واضحةٍ ومدعومةٍ من قوى إقليميّةٍ ودوليّة، تسعى لترتيب المنطقة العربيّة وفقَ أجندتها الخاصّة، وبما يؤمّن الوجود الصهيوني الدائم، يدخل في عداد المستحيلات؛ الأمرُ الذي يتطلّبُ حواملَ فكريّةً وسياسيّةً مختلقة. إنّ الخارطة السياسيّة الحاليّة غير متبلورة بشكلٍ ثابتٍ وهي عرضةٌ للفكّ والتركيب. لقد استغلّت الثقة المفرطة في عمليّة التحوّل الديمقراطيّ التي روّج له منذ سقوط النظام، باعتبارها إمكانيّةً واقعيّة، رغم صعوبة هذا الرهان في ظلّ سيطرة قوى رجعيّة تمرّست طويلًا في الحروب الأهليّة والإقليميّة، وحيث الانطلاق من فرضيّة حياد المؤسّسات العسكريّة الرسميّة منها والموازية وتسليم عناصر قوّتها بتلك البساطة، أمرٌ لا مكان له في الحسابات السياسيّة الواقعيّة، وإنّ القضيّة في جوهرها رغم مظهرها الانقلابي مجرّد مسرحيّةٍ لترتيب سيناريوهات وخلق وقائعَ جديدة ريثما تكتمل الترتيبات والقضاء على حلم الانتقال الديمقراطي السلمي، بل ودفنه إلى الأبد، أو على الأقل تأجيله ووضع معوقاتٍ موضوعيّةٍ وذاتيّة تمكّنها من السيطرة على المقدّرات الوطنيّة؛ الأمرُ الذي يفرضُ نفسه على جميع المكوّنات السياسيّة والاجتماعيّة الحريصة على وحدة الأرض والشعب والهُويّة الوطنيّة وصيغ التعايش المأمول إعادة لملمة أوضاعها من جديد، ومغادرة الخطاب السياسي والإعلامي الذي اتّسم بضبابيّةٍ مدهشة، وحيث شعار الدولة المدنيّة لم يعد كافيًا، أنّ مضامينه بحاجةٍ إلى تفصيلٍ محدّدٍ حول هُويّتها وبعدها العربي وغيرها من العناوين، حتّى يشكّلَ جامعًا وطنيًّا مشتركًا، وأنّ التأكيد على الامتداد التاريخي الذي هو نقيض ما هو مرسومٌ للعالم العربي، ليس قضيّة ثانويّة، وأن استسهاله والتفريط به يدخل البلد لا محالة في سلسلةٍ من الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. إنّ العودة إلى جذر القضيّة، يكمن في ضرورة التمسّك بالهُويّة التاريخيّة واشتقاق رؤى عصريّة تستجيب للاستحقاقات الراهنة، فإذًا، لا بدّ من توضيح، فإنّ السودان الديمقراطي الموحّد جزءٌ من الأمة العربيّة ويبقى الخيار الأسلم، وهو بحاجةٍ إلى قوى طليعيّةٍ من نوعٍ آخر... تعيد بناء استراتيجيّةٍ وطنيّةٍ جديدةٍ لا تأخذ الواقع العربي المأزوم برهان في ضرب الثوابت التاريخيّة المشتركة.

