في السابع والعشرون من شهر آب عام 2001، تكللت مسيرة نضالية طويلة وممتدة للرفيق القائد أبو علي مصطفى بالشهادة على أرض فلسطين التي أحبها وأفنى سنوات عمره من أجل تحريرها وإنقاذها من أسرها. في مسيرة حركات التحرر الوطني قادة كثر ناضلوا ورحلوا.. لكن قلة منهم من ترك بصمة أو ارتبط اسمهم بتاريخ النضال الوطني لشعبهم، وأبو علي مصطفى واحد من هؤلاء القلة الذين ساهموا في صنع الملحمة الفلسطينية التي ما زالت متواصلة..
لو كان الرفيق القائد أبو علي مصطفى بيننا اليوم لرفض أن نرثيه أو أن نبكيه، لأن هذا هو معدن القادة الحقيقيون الذي يعملون بهدوء ويرحلون بصمت ويأبون إلا أن يكونوا بين شعبهم في حياتهم وفي استشهادهم، لكن رغم ذلك، فإن التاريخ الوطني للقائد أبو علي صعب أن تختصره كلمات. ففي حضرة الشهادة، وأمام مقام تكريم الرحيل لقامة تاريخية عقدت لها القيادة على تقاطع الوطني مع القومي في منطقة لم تشفَ شعوبها بعد من الجرح الغائر لسايكس بيكو الذي شلّعها إلى دول وشعوب.. وأمام تجربة نضالية وقفت، ومن موقع المسئولية، أمام خيارات صعبة.. تجربة تعود إلى نحو ستة عقود مضت.. لذلك يصعب الإحاطة بشخصية فذة كشخصية الرفيق أبو علي مصطفى، لأن الحديث عنه هو حديث عن تاريخ أمة ومنطقة ما زال لم ينتهِ بعد. ولأننا أمام تجربة غنية.. تختلط فيها الاعتبارات الشخصية والفردية مع حركة التاريخ.. بما فيها من مد وجزر.. من انتصارات وانتكاسات.. من انجازات واخفاقات، حق لأبي على ورفاقه أن يفخروا بما قدم من تاريخ وفكر وممارسة ستبقى حية وباقية بقاء النضال الفلسطيني.
ما يميز نضال الرفيق أبو علي هو وقوفه على تجربتين رائدتين ومتداخلتين في آن: واحدة قومية ساهمت في تأسيس النهوض القومي رفضا للاستعمار ومشاريعه التقسيمية التي ما زالت الأمة تعيش تداعياتها السلبية حتى اليوم، وتجربة عاشها بأدق تفاصلها هي تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث كان أحد مكوناتها وصناعها، وما زالت هذه التجربة تعيش أزمات معقدة تؤثر تأثيرا عميقا في الجسد الفلسطيني، لذلك هو الفلسطيني الثائر في قوميته والعروبي الأصيل في فلسطينيته..
حقيقة الربط بين الوطني والقومي ليس تعسفا، بل انطلاقا من الإيمان العميق للقائد أبو علي مصطفى بين المسؤوليات الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني، ربطا بالمسؤوليات القومية للحركة الشعبية العربية التي يجب أن تحتل موقعا متقدما في الصراع، ولا تكتفي فقط بالنضال الدعاوي والترويجي، بل هي، وفقا لفكر أبو علي مصطفى، جزءا رئيسيا ومكملا لحركة النضال الفلسطيني..
وفي تقييم شخصيته وموقفه، فقد كان وطنيا بامتياز، وعرف بين أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية مناضلا عنيدا لا يساوم على حقوق شعبه. كما كان وحدويا في مواقفه وممارساته، وهو الذي يعلم معنى الوحدة والشراكة في حالة كحالتنا الفلسطينية التي تتطلب زج كل عناصر القوة في معركة مختلة التوازن لصالح العدو، لكن شعبنا يملك من أوراق القوة ما يمكنه من التفوق على العدو: الحق التاريخي، ووحدة الشعب والأرض، وحدة الهدف النضالي الاستراتيجي، وهي العناوين التي ما زال العدو يجاهد من اجل امتلاكها..
كان يعلم أن عودته إلى أرض الوطن عام 1999 بعد رحلة اغتراب طويلة أمضاها خارج فلسطين ستكون محفوفة بالمخاطر، وقد نصح من قبل كثيرين بعدم العودة، لأن العدو سمته الغدر والنكث بالعهود، وبالتالي لا يمكن الوثوق بوعوده، لكنه أصر على العودة إلى أرض الوطن، لأنه كان مؤمنا وسعيدا أن يكون استشهاده فوق أرض فلسطين وبين ربوع شعبه.
كان يعلم بالخطر المحدق، ورغم ذلك قرر العودة، وقد يبدو قرارا صعبا بالنسبة للبعض، لكن بالنسبة لأبي علي كان أمرا عاديا ومنسجما مع قناعاته وتفكيره، وهو القائل: "عدنا لنقاوم لا لنساوم" ومن يقاوم فهو شهيد حي ككل أبناء الشعب الفلسطيني المؤمنين بالمقاومة كخيار في مواجهة المحتل وإرهابه.. خاصة أنه تعرض لعدة محاولات اغتيال في بيروت والأردن..
آمن أبو علي مصطفى بالمقاومة، ببعديها الشعبي والرسمي، الفلسطيني والقومي، وعلى خلفية أن أساس الصراع هو معادلة "سرقة الأرض ونفي الشعب"، وأن أقصر الطرق لإزالة هذه المعادلة هو المقاومة بكافة أشكالها، وهو الصراع الدائر الآن بين من يصر على نهج المفاوضات كخيار بائس ثبت فشله وعقمه، وبين من يؤمن بالمقاومة والوحدة والشراكة كخيارات أثبتت جدواها في الكثير من الأزمات التي مرت بها القضية الفلسطينية.. هذا ما آمن به الشهيد القائد أبو علي مصطفى، وهذا ما نواصل النضال لأجله، مستمدين من تضحيات قادتنا ومناضلينا العزيمة والإصرار على مواصلة طريق النضال الذي خط مساره الأول قادة عظام دفعوا أرواحهم من أجل انتصاره.. فهنيئا لك الشهادة التي طلبتها أيها القائد أبو علي مصطفى..

