Menu

العداء الأمريكي للمشروع الوطني ودور الرجعية العربية في المخطط التصفوي

محمّد جبر الريفي

العداء الأمريكي للأمة العربية هو عداء قديم من عهد ايزنهاور إلى عهد بايدن الحالي، ومضمونه يقوم على أساس احتواء المنطقة العربية حتى تبقى في دائرة نفوذها الأول، بعيدة عن نفوذ قطب دولي آخر، وذلك عملًا بنظرية ملء الفراغ التي صاغها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الشهير دالاس، بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 56. والنظرية هي في الحقيقة عبارة عن شعار سياسي استراتيجي أطلقته الولايات المتحدة، لكي ترث نفوذ الاستعمار البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، بعد هزيمتهما السياسية في العدوان الثلاثي على مصر عام 56، وفي الوقت نفسه، كي تحول دون عملية التحول الثورية الحاسمة في تاريخ المنطقة العربية، بعد مرحلة الاستقلال الوطني الشكلي، وهو تحول من شأنه لو تم، أن يفتح طريق الاستقلال الكامل بإحداث تنمية وطنية طموحة؛ تتخلص بها البلاد المستقلة حديثًا من علاقات التبعية بكل أشكالها التي تربطها مع النظام الرأسمالي العالمي الإمبريالي.

مرحلة جديدة من العداء الأمريكي بخلفية دينية وقومية عنصرية حدثت في الماضي القريب، أي قبل إدارة بايدن الحالية، وذلك بوصول الأصولي المسيحي رجل الأعمال من الحزب الجمهوري ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض بواشنطن؛ عنوانها السياسي الأبرز: تصفية القضية الفلسطينية، تصفية نهائية، بجعل القدس الموحدة عاصمة للكيان الصهيوني العنصري ومصادرة حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو ما يشكل في حقيقة الأمر؛ عدوانًا صارخًا على الشعب الفلسطيني وعلى حقوقه الوطنية والتاريخية، وكذلك على دعم مطلق وبلا حدود للكيان الصهيوني العنصري الذي تعتبره الولايات المتحدة، دعامة أولى لمصالحها الحيوية الاستراتيجية في المنطقة؛ الأمر الذي لا غرابة فيه والمرتبط باستمرار حالة العداء الأمريكي للشعب الفلسطيني ولحقوقه الوطنية والتاريخية، فحتى في هذه الفترة من رئاسة بايدن من الحزب الديمقراطي ما يزال ضلوع أطراف عربية وازنة، في هذا المخطط التصفوي الأمريكي الصهيوني مستمرًا؛ فتنشط إجراءات التطبيع من بعض الدول العربية وبأساليب مختلفة وبصورة سافرة، كما قامت به وزيرة الخارجية الليبية المقالة نجلاء المنقوش مؤخرًا، وما يثير السخط الشعبي الفلسطيني والعربي والإسلامي هو الادعاء أن لما يسمى "ببني إسرائيل"؛ حقوقًا تاريخية في فلسطين.

دور رجعي تضليلي ليس جديدًا على أذناب أمريكا وعملائها في المنطقة، أن تقوم به؛ فالعلاقات الأمريكية مع الرجعية العربية لن تتغير ولم تتبدل، لأنها علاقات استراتيجية قائمة على تبادل المصالح بين الطرفين... وهكذا، فإن الرجعية العربية وفي مقدمتها الخليجية التي توظف أموال النفط، خدمة للسياسات الأمريكية الإمبريالية في المنطقة هي المؤهلة الآن، لأن تكرس الهزيمة العربية نهائيًا أمام المشروع الصهيوني، من خلال دفع النظام العربي الرسمي للقبول بتسوية تصفوية؛ لمصادرة الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني، في أرض وطنه، وحريته وعودته واستقلاله، تمشيًا مع الحل التسووي الصهيوني القائم أساسًا على خرافة الرواية اليهودية التوراتية والتلمودية.