يشهد العالم في السنوات الأخيرة العديد من الأزمات والحروب والاضطرابات الاقتصادية والمعيشية الخطيرة، والتي تعتبر الأسوأ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.. وقد ظهرت أسباب هذه الأزمات ومُؤشراتها الأولى منذ ما يزيد عن عقد ونصف من الزمان وتحديداً بين عامي2007 و 2008 مع انفجار الأزمة المالية العالمية والانهيار البنيوي والهيكلي في المنظومة الرأسمالية الغربية الذي ضرب أركان الاقتصاد الرأسمالي الغربي في العمق وترافق مع انهيار نظام القروض العقارية وإفلاس البنوك الكبرى في الغرب مع تفاقم الديون الحكومية في العديد من الدول الأوروبية... الخ.
ورغم مرور سنوات عديدة على تلك الأزمة، ورغم ما تلاها في السنوات الأخيرة من أزمات كارثية أخرى ومنها جائحة كورونا واندلاع الحرب الأوكرانية، فلا زلنا نشهد إلى الآن النتائج الكارثية لجذور تلك الأزمة على معظم شعوب العالم وبشكلٍ خاص على شعوب العالم الثالث، وتحديداً الشعوب العربية والأفريقية.. هذا فيما لا تزال النخب الطبقية والسياسية الحاكمة في الغرب، ومنذ اندلاع تلك الأزمة تسعى بكل جهدها لإعادة الاستقرار والتوازن للنظام الرأسمالي والاقتصاد الصناعي في الغرب، من أجل إحكام قبضتها على الاقتصاد العالمي وضمان هيمنة الدولار واليورو والعملات الغربية على نظام التحويلات المالية والتبادلات التجارية في العالم، بالإضافة إلى توسيع الهيمنة العسكرية لمنظومة الغرب بقيادة الولايات المُتحدة على مختلف القارات والبحار والتمدد المُتواصل لحلف الناتو... الخ، وهنا نجد أن كل ما فعلته الطبقات والنخب السياسية العليا الحاكمة في الغرب أو ما يُعرف بالليبرالية الجديدة التي تحكم منظومة الغرب كان على حساب الشعوب عموماً بما في شعوب المنظومة الغربية، مع مُعاناة أشد كثيراً لشعوب العالم الثالث التي دفعت الفاتورة الباهظة والمُدمرة لهذه الأزمات المالية والاقتصادية، والتي تلاها مع جائحة كورونا واندلاع الحرب الأوكرانية، زيادة هائلة في معدلات التضخم على الصعيد العالمي، عانت منه بشكل خاص دول المنطقة العربية والقارة الأفريقية مع انهيار مُتواصل في قيمة عملاتها ليزيد من مُعاناة الشعوب في أفريقيا والمنطقة العربية مع تفاقم الفقر والبطالة وانتشار الفساد والانظمة الدكتاتورية، بمختلف أشكالها وغياب شبه دائم للديمقراطية حتى بأبسط معانيها وانتشار الغلاء المستفحل، مع تراجع هائل للخدمات المعيشة والكهربائية والصحية والسكنية على نحوٍ تصاعدي ومأساوي خطير.. هذا إلى جانب المخاطر المُميتة لمحاولات الهجرة عبر البحار للهروب من الواقع الكارثي الذي تُعاني منه معظم الشعوب العربية والأفريقية... والذي ترافق مع انتشار التطرف الديني والتكفيري والميليشيات الإسلامية المُسلحة من داعش والقاعدة وبوكو حرام وغيرها من عشرات المنظمات التكفيرية التي تفرعت منها، والتي دعمتها ومولتها بشكلٍ رئيسي بعض الأنظمة الخليجية والإقليمية والأفريقية بعلم الغرب وسكوته، حيث تسببت هذه الفصائل التكفيرية الإجرامية في المزيد من مُعاناة هذه الشعوب مع اندلاع عدد من الحروب الأهلية والصراعات الدينية والقبلية ومختلف أشكال التمزق والتشرذم الاجتماعي والطائفي والقبلي التي يشهدها المشرق العربي والدول الأفريقية، منذ ما يزيد عن عشر سنوات بما في ذلك ما عُرف، كذلك بثورات الربيع العربي التي أجهضها وأشعلها بنفس الوقت التآمر الخليجي والتركي والغربي باستخدام الجماعات الإخوانية والتكفيرية المُتطرفة... هذا بالإضافة إلى الصراعات والتدخلات والتواطؤات الإقليمية والدولية سواء من قبل تركيا وإيران وبعض دول الخليج أو من قبل روسيا وتحالف الغرب، حيث أفرزت هذه الصراعات الإقليمية والدولية المزيد من الدمار والتمزق والخراب الذي شهدته، ليس فقط المنطقة العربية وتحديداً في سوريا ولبنان والعراق واليمن، بل في العديد من الدول الأفريقية التي شهدت حروباً وصراعات داخلية وقبلية عنيفة وانقلابات عسكرية مُتكررة وانتشار كبير للجماعات والصراعات القبلية والدينية المُتطرفة.. وهذا يشمل العديد من الدول الأفريقية وعلى رأسها السودان وتشاد والصومال وأثيوبيا وليبيا وغيرها.. هذا عدا عن الانقلابات العسكرية التي شهدتها العديد من الدول في أفريقيا ومنها انقلاب عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021 على حكومة عبدلله حمدوك، وغيرها من الانقلابات والمحاولات الانقلابية في القارة الافريقية على مدار السنوات الأخيرة، وتحديداً في غينيا ومالي وبوركينا فاسو... الخ. وقد شهدنا مؤخراً أحدث نسخ لهذه الانقلابات المُتكررة في دولتي النيجر والغابون، وهنا يلعب الإعلام العربي والخليجي والأفريقي والغربي دوراً في غاية التضليل من خلال مئات وآلاف المقابلات والتحليلات السياسية المُتناقضة وعدم تسليط الضوء على الواقع وحقيقية الأطراف المُتورطة في الصراعات أو كشف خلفيات الأحداث السياسية والتواطؤات والمُؤامرات التي تشهدها الساحة العربية والأفريقية.. وهنا نادراً جداً أن نرى إحدى وسائل الإعلام تسلط الضوء بشكلٍ واضح وبتحليل منطقي وواقعي لما يدور من أحداث.. فكل ما تعرضه وسائل الإعلام على اختلافها، لا يعدو عن كونه ثرثرة لا تنتهي من المُقابلات والتحليلات السياسية المُتكررة والمُملة والمُتناقضة... وفي هذا الإطار، من المهم أن نُؤكد على التأثير المُباشر للحرب الأوكرانية التي أشعلتها روسيا بتحريض مُتواصل ومقصود من الغرب وحلف الناتو على إفقار الشعوب العربية والأفريقية وتجويعها ومعاناتها وتشريدها ودفعها إلى مخاطر الهجرة المُميتة عبر المُتوسط ،هرباً من الفقر وزيادة التضخم وغلاء الأسعار وتفاقم أزمة الطاقة والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية كالقمح والذرة وزيوت الطعام... الخ.
لذا من المهم، في هذا الإطار أن نشدد على الدور السلبي والتخريبي الذي لعبته ولم تزل تلعبه إلى الآن المنظومة السياسية العالمية في صراعاتها على النفوذ والمصالح، سواء من قبل دول الغرب الإمبريالي والكيان الصهيوني أو من قبل العديد من الدول العظمى والإقليمية الكبرى كروسيا وتركيا وإيران والدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية و قطر والإمارات التي تستخدم عائداتها الخيالية من النفط والغاز للتآمر على العديد الدول العربية والأفريقية ونشر الفتن والخراب والدمار في السودان وتونس وليبيا وبعض الدول الأفريقية الأخرى... هذا عدا عن الصراعات على النفوذ السياسي والعسكري والمصالح الاقتصادية ونهب مناجم الذهب والألماس واليورانيوم وغيرها من المعادن في القارة الأفريقية، والذي تُمارسه العديد من الدول العظمى كفرنسا وروسيا والولايات المُتحدة وإيطاليا وتنخرط فيه على نحوٍ قذر حتى تركيا وبعض الدول الخليجية... وهنا تعتبر فرنسا هي الدولة الاستعمارية الأسوأ عندما يتعلق الأمر بنهب واستغلال ثروات العديد من الدول في غرب القارة الأفريقية، في ظل الفساد الهائل المُنتشر في حكومات تلك الدول والعديد من الحكومات في منظومة العالم الثالث.
والآن يُمكننا أن نتساءل: هل من أفق في المدى المنظور أو البعيد لوقف تدهور الأوضاع الكارثية التي يعيشها العديد من شعوب العالم العربي والقارة الأفريقية والعالم الثالث...؟ وهل هنالك أي بارقة أمل للتفاؤل في المستقبل...؟ وهنا لا يبدو مُطلقاً أن السنوات وربما العقود المُقبلة تُبشر بأي خير، كما أن عالم مُتعدد الأقطاب على غير ما يعتقد البعض، ربما يكون أسوأ من عالم القطب الواحد... فجميع الدول العظمى والكبرى في العالم سواء في الشرق أو في الغرب تسعى في صراعاتها وسياساتها فقط لتحقيق مصالحها، ولو على حساب الدول الضعيفة في العالم الثالث... وللأسف، لم يعد وجود لدولة كالاتحاد السوفييتي في العالم المُعاصر لتُساهم في التحرر الوطني لشعوب العالم وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي والتنموي للدول النامية في العالم الثالث... والصين، رغم أنها دولة يحكمها الحزب الشيوعي الصيني ولا تُمارس استغلال الدول النامية، لكنها تختلف جذرياً عن الاتحاد السوفييتي، في كونها تسعى بشكلٍ رئيسي لتحقيق مصالحها الاقتصادي، وإن يكن دون الاضرار بمصالح الدول النامية، ولكنها ليست كالاتحاد السوفييتي، فاقتصادها من جهة ليس اقتصاداً اشتراكياً، ومن جهة أخرى، لا تُقدم مشاريع تنموية للدول النامية لا تُحقق للصين مصالح اقتصادية... فالاتحاد السوفييتي على سبيل المثال، ساهم في مصر في بناء السد العالي ومُنشآت الحديد والصلب وتسليح الجيش المصري... الخ، وفي سوريا ساهم في بناء سد الفرات ومشاريع الري والتنمية الزراعية والأبحاث العلمية وبناء الجيش السوري... وساهم الاتحاد السوفييتي كذلك في تنمية العديد من البلدان العربية والأفريقية، كالعراق والجزائر واليمن الجنوبي وأنغولا والكونغو... الخ، عدا عن دعمها لحركات التحرر الوطني في كوبا وفيتنام وكوريا والعديد من الدول الأفريقية والآسيوية واللاتينية.

