مع تأزّم الوضع السياسي في النيجر، إثرَ الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد بازوم، عبر انقلابٍ عسكريّ تقليدي؛ تبعثرت أوراقُ اللعبة السياسيّة من جديد، وسط شواهد تؤكد أنّ الصراع السياسي بين روسيا والغرب انتقل بشكلٍ حادّ إلى الأطراف، حيث تشهد بؤر الصراع الساخنة في السودان وليبيا وغرب أفريقيا، مواجهات حادة بين الطرفين.
في أعقاب الإطاحة بالرئيس بازوم، خرجت مظاهراتٌ داعمةٌ للانقلاب، ولوّح المتظاهرون بالأعلام الروسيّة قرب القاعدة العسكريّة الفرنسيّة في العاصمة نيامي، وسط هتافاتٍ تنادي بسقوط فرنسا.
من جهةٍ أخرى، وبحسب دويتش فيللة، قال مسؤول أوكراني رفيع: إنّ روسيا كانت وراء استيلاء العسكريين في النيجر على السلطة، وهو الأمر الذي حاول وزير الخارجية الأمريكية، أنتوني بلينكين، التقليل من شأنه، في مقابلةٍ مع بي بي سي، حيث قال: "أعتقد أنّ ما حدث وما زال يحدث في النيجر، لم يكن بتحريض من روسيا أو فاغنر".
بدورها، رحّبت مجموعةُ فاغنر، شبه العسكرية، بالانقلاب العسكري في النيجر، في دلالةٍ على اتّساع الطوق الروسي المهيمن بقوّةٍ على العديد من دول المنطقة، ولا سيّما جمهوريّة إفريقيا الوسطى، والسودان، ومالي، وليبيا.
نفوذ روسيا في الداخل:
ينظر شعبُ النيجر نظرةً إيجابيّةً إلى الوجود الروسي في مالي وبوركينا فاسو، وسط دعايةٍ هائلةٍ تروج للدور الفاعل لمجموعة فاغنر في مكافحة الإرهاب، وتمتلك روسيا قوى داعمة لها في النيجر، عبر ما يسمى بدوائر الوحدة الإفريقية، أو دوائر العولمة البديلة، ولموسكو نفوذٌ كبيرٌ في محيط المجتمع المدني والنقابات العمالية هناك، كما تدعم القوى التي تدعو إلى انسحاب الجيش الفرنسي من النيجر، الوجود الروسي في البلاد.
وتُعدُّ منظّمة "الاتّحاد المقدّس لصيانة سيادة الشعب وكرامته M62" أبرز مؤسّسات المجتمع المدني الداعمة للوجود الروسي في النيجر، ولفتت المنظّمةُ إلى أنّ الدعم العسكري الروسي من خلال مجموعة فاغنر، يمكن أن يساعد النيجر في مكافحة الإرهاب.
وبحسب الجارديان، فإنّ موسكو لديها نفوذٌ كبيرٌ في أحزابٍ سياسيّةٍ عدّة في النيجر، وهناك زعماء يدينون بالولاء لموسكو، أمثال: عبد الرحمن أومارو من حزب Incin Africa))، الذي سافر كثيرًا إلى روسيا للقاء شخصيّاتٍ بارزةٍ هناك. وكذلك رئيس حزب MPD))، الذي تمّ القبض عليه من قبل، بتهمة التواطؤ مع قوّةٍ أجنبيّة (روسيا)؛ لزعزعة استقرار النيجر. ويقال إنّه تلقّى مبلغًا كبيرًا من المال لإجراء اتّصالاتٍ في هذا الاتّجاه، كما أنّ حزب أوموجا، لديه نفس الموقف المؤيّد لروسيا.
أصبح الطوق الروسي شديد الإحكام في منطقة الساحل والصحراء، وبات يمتدّ عبر حزام سياسي/أمني يضم: تشاد ومالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى وغنيا، وصولًا إلى النيجر، وتجلى ذلك بوضوحٍ في التظاهرات المؤيّدة للانقلاب في نيامي، حيث حمل متظاهرون علمًا روسيًّا، ولافتةً عليها صور زعيم الانقلاب في النيجر الجنرال عبد الرحمن تشياني، وزعيم المجلس العسكري في بوركينا فاسو إبراهيم تراوري، وزعيم المجلس العسكري في مالي آسيمي جويتا، وزعيم المجلس العسكري في غينيا، العقيد مامادي دومبويا.
احتمالات المواجهة العسكريّة:
بدأ الانقلابيّون في تجنيد متطوعين لمحاربة تدخّلٍ عسكريّ محتمل، من المجموعة الاقتصاديّة لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وفقًا لأسوشيتد برس. وذلك بعد أيامٍ فقط من إعلان الجماعة الاقتصاديّة لدول غرب أفريقيا، أنّها قامت بحشد "قوّةٍ احتياطيّة"، مستعدّةٍ لغزو النيجر وإعادة الرئيس المنتخب ديمقراطيًّا محمد بازوم، إلى الحكم.
ويطرح قرار الإيكواس تساؤلاتٍ عدّة حول قدرة المجموعة على تنفيذ تهديداتها، في ضوء الاضطرابات التي تشهدها نيجريا، وكذا التضامن الذي أبدته بوركينا فاسو ومالي مع النيجر، وإعلان مالي بشكلٍ صريحٍ الحربَ على دول الإيكواس، في حال تحركت الكتلة لغزو النيجر.
الموقفُ الفرنسي الداعم للتدخل العسكري في النيجر، يقابله موقف أمريكي شديد الغموض، فواشنطن التي تملك وجودًا عسكريًّا في النيجر، دعت أكثر من مرّة إلى انتهاج سياسة "الصبر الاستراتيجي"، وعدم الاندفاع تجاه التدخل العسكري.
ولدى واشنطن قاعدة عسكرية بالقرب من مدينة أغاديز الشمالية، تُعدّ نقطة الانطلاق الرئيسية لجميع عمليات الاستخبارات والمراقبة في غرب إفريقيا. وأنفقت واشنطن 110 ملايين دولار؛ لبناء القاعدة بالقرب من أغاديز، وضخّت ما لا يقل عن 500 مليون دولار من المساعدات الأمنية في البلاد منذ عام 2012. وقامت الولايات المتّحدة بتدريب الضباط النيجيريين، ومساعدتهم في المهام التي تهدف إلى مواجهة الجماعات الإرهابية، وحاليًا يوجد ما يقرب من 1100 جندي أمريكي، يتمركزون بشكلٍ دائمٍ في البلاد.
ومع وقوع الانقلاب، والغموض الذي يغلف الدور الروسي، رغم الشواهد التي تؤكده، اتخذ المسؤولون الأمريكيون خطواتٍ لتقليص التعاون مع النيجر على المدى القصير، حيث قال متحدث باسم البنتاغون: "لقد أوقفنا، على أساس مؤقت، جهود التعاون الأمني، ولا نجري تدريباتٍ عسكرية، بينما نراقب هذا الوضع المتطور". وأضاف: "نحن نركز على حل دبلوماسي؛ للحفاظ على الديمقراطية التي تمّ الوصول إليها بشق الأنفس في النيجر".
في الوقت نفسه، أوضح مسؤولون أمريكيون أنّ واشنطن لن تغادر النيجر بمحض إرادتها. وقال مسؤول أمريكي لوكالة رويترز للأنباء: "الطريقة الوحيدة لتنتهي هذه المهمة، هي أن تطلب منا حكومة النيجر المغادرة."
بدوره، قرر المجلس العسكري الحاكم في النيجر، إلغاء اتفاقيات التعاون مع فرنسا، وطالب باريس بسحب 1500 جندي فرنسي يتمركزون في البلاد، وهو ما ردت عليه باريس بالرفض، بداعي أنّ القرار صادر من جهةٍ غير شرعية. وفي مقابل التصعيد مع فرنسا، اختار المجلس العسكري الحاكم في النيجر، عدم الدخول في أي صدامٍ مع واشنطن.
ويبدو أنّ واشنطن التي تكتفي بالمراقبة، لا تريد الاندفاع تجاه مواقف تخدم الوجود الفرنسي في المنطقة، بشكلٍ مباشر، في ظلّ غموض الدور الروسي، لكنّها قد تستغني عن قناعاتها السياسيّة، في حال الإعلان قيام موسكو باختطاف النيجر، كما حدث تحت أعين البنتاغون في مالي، ما يعني منح الضوء الأخضر للإيكواس، للتدخل العسكري بمساعدة فرنسا في النيجر، وعليه، فإنّ واشنطن قد تختار القرار الصعب، في حال مواجهة الأصعب منه.

