Menu

شيءٌ يشبه الحبّ.. تقويضُ الصورة المثالية لعاموس عوز

د. نهلة راحيل

نشر هذا المقال في العدد 53 من مجلة الهدف الإلكترونية

تطرحُ المؤسّسةُ الصهيونيّةُ الكاتب الإسرائيلي الشهير "عاموس عوز" (1939- 2018) في صورة الأديب الإشكنازي المجسّد المثالي لصورة الدولة ومفاهيمها، والممثل الأفضل للأغلبية الثقافية الحاكمة بالداخل رغم ظهوره في صورة المعارض المنادي بحلّ إقامة دولتين على أرضٍ واحدة. وهي الصورةُ التي خلخلتها مؤخّرًا ابنته "جاليا عوز" (1964- ) كاتبة قصص الأطفال والشباب، بعد أن أثارت جدلًا كبيرًا في أوساط المثقفين ومحبي الكاتب بعد رحيله عام 2018، بنشرها كتابَها الأوّل الموجه للكبار "شيء يشبه الحب" في 2021، الذي تحكي فيه عن طفولتها وكيف أساء لها والدها الكاتب الشهير واستمر في إيذائها- نفسيًّا وبدنيًّا- حتى وفاته.

 تسرد جاليا - الابنة الوسطى لعوز- تفاصيل المعاملة القاسية "السادية"، كما وصفتها، التي تعرضت لها في طفولتها على يد أبيها لمجرّد رغبتها في تحقيق ذاتها. كما تؤكّد تعرض والدتها للضرب المبرح مرات عديدة من قبل زوجها إثر اتهامها له برغبته الدائمة في السيطرة على الجميع والحد من استقلالهم ظنًّا منه أنه في مكانة أفضل - داخل محيط الأسرة وخارجها بالطبع وسط المجتمع - تمكّنه من معرفة ما هو جيد لهم أكثر منهم.

وتشير جاليا في كتابها إلى استمرار تشبيه الأب لها بوالدته التي انتحرت، التي سرد حكايتها في سيرته الذاتية، زاعمًا بأن كلتيهما قد أساءوا إليه وتسبّبا في إيذائه بشكلٍ ما. وقد حاولت الابنة وصف الأجواء المضطربة التي كانت تسود البيت دائمًا؛ بسبب عنف والدها وتخويفه المستمر للأم والأبناء، ورصدت تعالي شخصيّة أبيها ورغبته الدائمة في فرض وصايته عليها على المستويين العملي والشخصي، وتقييده لحريتها واستقلالها. ولذلك قوبل الكتاب بتعاطف شديد وأعاد إلى السطح موضوع إساءة الآباء للأبناء، ومشكلة الآباء النرجسيين الراغبين في تملك أطفالهم والخائفين من استقلالهم وتحقيقهم لذاتهم.

ورغم هذا التعاطف، فقد أعلنت بقية أبناء عوز، معارضتهم الشديدة لما نشرته أختهم جاليا مؤكّدين ما نالوه من اهتمامٍ في بيت الأسرة وما شملهم به والدهم برعايةٍ وحب. كما نفت الأم تعرّضها للضرب مدافعةً عن علاقتها الطيبة مع زوجها، التي دامت لأكثر من ستين عامًا، وهو ما أثار حفيظة الكاتب الصحفي "يارون فريد" الذي أعلن - في مقاله بجريدة معاريف "قصة عن الإسكات والظلام" المستوحى من عنوان سيرة عوز الذاتية "قصة عن الحب والظلام - تضامنه مع جاليا ضدّ إساءة الآباء أيا كانوا، حتى إن كان "أديب الدولة، المرشح الأبدي لجائزة نوبل، والصورة الإسرائيلية المثالية بهية الشكل والمضمون، التي يجب الحفاظ عليها باستمرار؛ كي لا تنخدش لا سمح الله".

والجدير بالذكر أن الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز يعد أحد أهم الأدباء البارزين على ساحة الأدب العبري الحديث، حيث ناقش في كتاباته كل ما يخص المجتمع الإسرائيلي من صراعاتٍ بين اليهود والفلسطينيين، واليهود وأنفسهم من متدينيين وعلمانيين وإشكناز وسفاراد وغيرها من تصنيفات. وقد كان عوز من المعبرين في كتاباتهم كذلك عن مشاكل الفرد الإسرائيلي وأزماته النفسية ومخاوفه الدائمة من المستقبل، ولذلك لاقت إنتاجاته الأدبية استحسانًا داخل إسرائيل وخارجها، خلافًا لآرائه السياسيّة التي كانت تثيرُ الجدل في أحيانٍ كثيرة.

وقد تركت حادثة انتحار والدته، وهو في عمر الثانية عشرة، أثرًا واضحًا على مجمل تجربته الأدبية، فجسّدها بشكلٍ غير مباشر في أعمال عدّة، كروايته الشهيرة "عزيزي ميخائيل" وروايته "الحالة الثالثة" ومجموعته القصصيّة "جبل المشورة السيئة"، حتى ظهرت بشكلٍ مباشرٍ وعلني في سيرته الذاتية "قصة عن الحب والظلام" التي كشف فيها التفاصيل الدقيقة المتعلّقة بانتحار أمّه وآثارها على بلورة شخصيّته الإنسانيّة والأدبيّة على حدٍّ سواء.

و"قصة عن الحب والظلام" هي سيرة حياة الكاتب التي يؤرّخ فيها للمراحل الأولى من حياته، وبالأخصّ فترة الطفولة التي عانى فيها من ظروفٍ معيشيّةٍ قاسيّةٍ في حي كيرم أفراهام ب القدس ، واختبر بها مشاعر اليتم عقب انتحار الأم وهجرانه لأبيه وذهابه للاستقرار في كيبوتس حولدا الذي قضى به فترة صباه. وقد صدرت السيرة الذاتيّة لأوّل مرة عام 2002 عن دار نشر كيتر، ثم أعيد طبعها مراتٍ عديدةً وتُرجمت لأكثر من عشرين لغة، منها العربيّة عام 2010 على يد الفلسطيني "جميل غنايم".

ويتعهّد النص - كما يتضح من عنوانه - بتقديم حكايةٍ مبنيّةٍ على ثنائيّةٍ يحكي جزأها الأول عن الحب الذي منحته الأم للطفل عاموس ورعايتها له أثناء حياتها، ويحكي الثاني عن الظلام الذي خيّم على حياته بعد انتحارها وانتقاله للكيبوتس، حيث قرر تغيير لقبه من "عاموس كلاوزنر" إلى "عاموس عوز" وخطا خطواته الأولى أديبًا مبلورًا رؤيته السياسيّة عن الصراع العربي- الإسرائيلي بمنأى عن آراء أسرته المؤدلجة. وكما هو مألوف في كتابة السير الذاتية، جاءت الأحداث مسرودة على لسان عاموس - الكهل - الذي يحكي عمّا مر به عاموس – الطفل - فيتدخل محلّلًا تلك الوقائع ومعلّقًا على أحاسيس الطفل وما رآه.

وإلى جانب حكاية الطفل المولود في أحد أحياء القدس عام 1939، يسرد عوز التطورات الدامية التي شهدتها مدينة القدس منذ أربعينات القرن العشرين، وحتى تأسيس دولة إسرائيل، ويؤرخ - من خلال ما سمعه من حكايات روتها له خالته - لأحداث الاضطهاد التي تعرّض لها اليهود في أوروبا ما بين الحربين العالميتين، ولنشأة التيار اليميني الصهيوني كما تبناه عم والده المفكر "يوسف كلاوزنر" الذي كان من أتباع القيادي الصهيوني "زئيف جابوتنسكي". ويسلط الضوء كذلك على دور الصهيونية الاشتراكية في إنشاء مجتمعٍ يهودي تقدّمي في "الكيبوتسات" التي أثّرت في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة داخل إسرائيل في العقود الثلاثة الأولى لقيام الدولة.

وعلى الرغم من إشارة عوز على صفحات سيرته إلى اختلاطه، وهو طفل، بالعرب الموجودين في القدس، فإنّه لم يتحدّث باستفاضةٍ عن الوجود العربي المزدهر في تلك المدينة مقابل التفصيل في الحديث عن مجتمع المثقفين اليهود الذي عاش في القدس قبل 1948. كما أنّه يشير- أحيانًا ضمنًا وأحيانًا مباشرة - إلى ضرورة اقتسام الأرض بين الفلسطينيين واليهود لأحقيّة الطرفين في الوجود عليها، وهو ما تبنّاه عوز طيلة حياته، حيث كان من أبرز الدعاة والمؤيّدين لحلّ إقامة الدولتين من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولذلك يفسر عوز في سيرته هذا الصراع باعتباره مشكلةً نفسيّة، ترجع جذورها إلى خوف طرفي الصراع من ظل الماضي، فاليهودي - في رأيه - يخشى من "ظل الشتات" الذي عاش فيه سنواتٍ طويلةً تعرّض خلالها للاضطهاد والعنف، بينما يخشى العربي من "ظل الاستعمار" الذي سلب هُويّته قرونًا عديدة، وهذه المقارنة - غير العادلة بالطبع - جعلته يحمّل أوروبا مسؤوليّة هذه المشكلة النفسيّة؛ فأوروبا التي استعمرت الشعوب العربية هي نفسها التي اضطهدت اليهود ولفظتهم خارجها.

فـ" الصرعات المريعة للغاية هي تلك التي تنشب عادةً بين طرفين مضطهدين... ربما كان هذا هو شكل الأمر بين العرب واليهود. فمنذ نحو مائة عام، أوروبا التي نكلت بالعرب، وأذلتهم وظلمتهم عن طريق سياسة التوسع الاستعماري والاستغلال والقهر، هي نفسها أوروبا التي اضطهدت اليهود وقمعتهم، وفي النهاية سمحت للألمان، وربما ساعدتهم في اقتلاع اليهود من كل أنحاء القارة. لكن العرب ينظرون إلينا، ولا يرون حفنة من الناجين، إنما رافدًا جديدًا ومتغطرسًا لأوروبا الاستعمارية التي عادت بدهاءٍ إلى الشرق متنكرةً هذه المرة في زي صهيوني - حتى تعود وتستغل وتطرد وتضطهد. بينما نحن، من جانبنا، ننظر إليهم ولا نرى ضحايا مثلنا، ولا حتى إخوان في المحنة، إنما قوقازيون متوحشون، معادون للسامية ومتعطشون للدماء، نازيون متنكرون: وكأن مضطهدينا الأوروبيين قد عادوا وظهروا هنا في فلسطين، ولكنهم تلفحوا بالكوفيات وربّوا الشوراب". (قصة عن الحب والظلام، صـ 388)

وعام 2015، أخرجت الممثلة الأمريكية- الإسرئيلية "ناتالي بورتمان" فيلمها الأول مخرجةً "قصة عن الحب والظلام"، وقامت فيه بدور والدة عاموس عوز الذي أدى دوره الصبي "أمير تيسلير". يحكي الفيلم قصة حياة عاموس عوز طفلًا نشأ في القدس في الفترة التي سبقت قيام الدولة، ويقدم الشخصيات المختلفة في حياة عاموس، وخاصّةً والده آريه (جلعاد كاهانا) ووالدته بنيّا (ناتالي بورتمان) التي تعاني من الاكتئاب الذي أودى بها إلى الانتحار.  ويجسّد شخصيّة والدة عاموس وما لها تأثيرٌ كبيرٌ عليه، في طريقة تعامله مع الحياة والمحيطين. وقد صُورت مشاهد الفيلم بين القدس وكيبوتس حولدا، وأدّت الموسيقى التصويرية التي ألفها له الأمريكي "نيكولاس بريتيل" دورًا بارزًا في تعميق أثر المأساة على المشاهدين.