بعد اغتصاب فلسطين عام 48 وقيام الكيان الصهيوني ونزوح العدد الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن، أصبح الأردن في نظر السياسة الصهيونية هو الوطن البديل للفلسطينيين، خاصة بعد ضمه للضفة الغربية، بناء على ما قرره مؤتمر أريحا الذي جرت فيه المبايعة للعائلة الهاشمية.
بعد عدوان 67 واحتلال الكيان الصهيوني للضفة الغربية ونزوح موجه ثانية من الهجرة الفلسطينية إلى الأردن، كثر الحديث عن الوطن البديل للفلسطينيين، في حينها طرحت السياسة الصهيونية مشروع (أيجال آلون) القاضي بحل القضية الفلسطينية في إطار الأردن، حيث أصبح الفلسطينيين يشكلون أكثر من نصف سكان المملكة، مما أثار أزمة ديموغرافية في البلاد، نفخ فيها النظام الملكي بالتمييز وعدم المساواة، خاصة في قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وقد عبرت هذه الأزمة عن نفسها في الصدام المسلح الذي عرف بأيلول الأسود، بين الجيش الأردني الذي يسيطر علية ضباط شرق أردنيين، منتمين في غالبيتهم للقبائل البدوية الكبيرة، وبين قوات الثورة الفلسطينية، وقد أسفر هذا الصدام الذي عرف في الإعلام الرسمي الأردني بالحرب الأهلية، عن فقدان الثورة لأهم مركز انطلاقها في الشتات، وذلك بالانتقال بعد ذلك إلى لبنان...
بعد أحداث أيلول نشط الحديث في الدوائر السياسية الإسرائيلية عن مشروع الوطن البديل في الأردن، وكان رد النظام السياسي الملكي في حينها على هذا المشروع، بإعلان الملك حسين عن مشروع المملكة العربية المتحدة التي تضم ما تبقى من فلسطين بعد الانسحاب الإسرائيلي من الضفة والقطاع، وقد تلقفت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ريغان هذا المشروع السياسي الأردني، لتطرح مشروع (ريغان) الذي يقضي بالحكم الذاتي للفلسطينيين في إطار الأردن، وهو ما يتوافق أيضًا في بعض ملامحه مع مشروع أيجال آلون الإسرائيلي.
بعد اعتراف مؤتمر القمة العربي الذي عقد في فاس بالمغرب، بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، أقدم النظام في الأردن على فك الارتباط بالضفة الغربية، كرد فعل قانوني - دستوري على ذلك القرار الذي ألغى السيادة الهاشمية عليها، ولكن فك هذه العلاقة الرسمية، لم تلغِ مشروع الوطن البديل من على أجندة السياسة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، غير أنه بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في عهد رئيس الوزراء اسحق رابين، خَفت الحديث عن مشروع الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن، خاصة أنه بعد اتفاقية أوسلو، ثم أيضًا التوصل إلى اتفاقية وادي عربة بين الكيان الصهيوني والمملكة الأردنية، ولكن رغم ندرة الحديث عن الوطن البديل في دهاليز السياسة الإسرائيلية، إلا أنه ظل كمشروع سياسي احتياطي كامن في الوعي الصهيوني، يثار بين الفترة والأخرى، كلما استعصى على الحل ما يسمى بمشروع حل الدولتين.
لقد ثبت عبر طرح أكثر من مشروع للتسوية السياسية من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فشلها جميعا في التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، لأن كل هذه المشاريع السياسية التصفوية، لم تأخذ بالاعتبار والحسبان، عمق الهوية الوطنية الفلسطينية للشعب الفلسطيني وقدرة التمسك بها وتشبثها بأرضها وحقوقها، وهي هوية حضارية متجذرة تاريخيًا وليست طارئة "كالهوية الإسرائيلية"، أو غيرها من الهويات الوطنية الإقليمية في بعض دول المنطقة، وأن تجسيدها بكيانية وطنية مستقلة على أرض وطنها، هو الذي يرسي السلام والأمن والاستقرار في عموم المنطقة، وهذا ما سيبقى الصراع بين المشروع الوطني الفلسطيني بأبعاده القومية والمشروع الصهيوني قائمًا إلى أن تتحقق أهداف الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية.

