تفوح من المكان رائحة شبه تفاضلية، لا صوت للباعة ولا حركات للعابرين، لا صوت مالك الحزين حاضرٌ ولا قصص ليلى والذئب مكانها، لم تعد أرض الأنبياء بعدما داهمها قراصنة العصر، اختفى البخور وخبز الشراك والهريسة والكسبة الخليلية، أكوامٌ من الحديد توشك أن تقع على رؤوس العابرين، هذه هي مدينة خليل الرحمن المحاصرة والمطاردة والملاحقة.
تبدو البلدة القديمة في مدينة الخليل "مدينة أشباح" بعدما شُرّد أهلها وتبدل حالها واستوطنها الغرباء بقوة السلاح والبارود.
وظف كيان الاحتلال "اتفاقية الخليل" المبرمة مع السلطة الفلسطينية عام 1997, من أجل تعميق الاستيطان في البلدة القديمة التي كان يسكنها نحو 30 ألف فلسطيني، ويحتلها اليوم نحو 35 ألف مستوطن يتم توزيعهم على 27 مستوطنة وعشرات البؤر الاستيطانية والعسكرية في البلدة القديمة ومحيط محافظة الخليل التي يسكنها قرابة 900 ألف فلسطيني.
هذه المستوطنات هي (بيت إبراهيم, بيت هداسا, بيت رومانو, تل ارميدة), الموجودات في قلب المدينة وموزعة حول بلدة الخليل القديمة، يحرسهم نحو ألف جندي من لواء "جفعاتي" وهو أحد ألوية النخبة القتالية في الجيش، ويتمركزون في أربعين بؤرة عسكرية وبرج مراقبة على أسطح منازل العائلات الفلسطينية في البلدة القديمة.
صمود ومقاومة
يروي منسق شباب ضد الاستيطان عيسى عمرو لـ"بوابة الهدف" عن الوضع المعيشي في البلدة القديمة: "أغلق الاحتلال شارع الشهداء الذي يعتبر الشريان الرئيسي وعصب الحياة للفلسطينيين, وبإغلاق هذا الشارع أمام المواطنين الفلسطينيين أغلق 1800 محل تجاري في البلدة، جاء المئات منها بأوامر عسكرية بذريعة أنها تؤثر على حياة المستوطنين".
ويضيف عمرو: "أرغمت قرابة 1400 عائلة فلسطينية على هجر منازلها وعقاراتها بسبب ممارسات الجيش وجرائم المستوطنين، واكتفت عشرات العائلات بالتواجد في منازلها أثناء هذه الانتفاضة بسبب إعدامات قوات الاحتلال للشباب في شارع الشهداء وساحة الحرم الإبراهيمي، خوفاً على أبنائهم من تكرار عمليات الإعدام بحقهم".
وختم عمرو حديثه مطالباً "الحكومة والفعاليات الرسمية والشعبية بدعم صمود ما تبقى من عائلات فلسطينية بالبلدة القديمة عبر المقاومة الشعبية والرباط معهم في منازلهم وتكثيف زياراتهم للبلدة القديمة، منعاً لإرهاب الجيش والمستوطنين الذين يحظون بدعم وتأييد من جميع حكومات الاحتلال".
TIPH""
أوجد اتفاق الخليل بعثة التواجد الدولي المؤقت في البلدة القديمة، وهي بعثة دولية مدنية مهمتها مراقبة الوضع على الأرض، وكتابة تقارير حول أي خروقات تقع من قبل طرفي الاتفاق (السلطة والاحتلال)، والبعثة مكونة من ستة دول مشاركة فيها وهي: السويد وسويسرا والدنمارك والنرويج وإيطاليا و تركيا .
وخلافاً لما هو متفق عليه بين الجانبين، لا تزال سلطات الاحتلال مستمرة في إغلاقها للشوارع والمرافق الحيوية أمام المركبات الفلسطينية، بالإضافة إلى توسيع البؤر الاستيطانية، وغضّ النظر عن الاعتداءات شبه اليومية التي يقوم بها المستوطنون، ما أجبر كثيراً من العائلات القاطنة في البلدة القديمة للمغادرة بحثاً عن الأمان.
موت وقهر
رائحة الموت ما زالت تفوح في أزقة البلدة القديمة، فاستشهد خلال هذه الانتفاضة 14 شهيداً, تم إعدامهم بدم بارد من قبل الاحتلال والمستوطنين بحجة محاولتهم تنفيذ عمليات طعن، وأظهر مقطع فيديو قام بتصويره أحد سكان شارع الشهداء الواقع في البلدة القديمة, مستوطن قام بإطلاق النار على الشاب الشهيد فضل القواسمي وقيام الجنود بإلقاء سكين بجانبه, لإلصاق تهمة تنفيذ عملية بحقه، وغيره من الشهداء التي لم تستطع الكاميرات توثيق الجرائم التي نالت من أرواحهم.
رغم الألم
المواطن مفيد الشرباتي (أب لخمسة أطفال) ما زال يعاني من الشلل النصفي بسبب عنف الجيش والمستوطنين الذي وقع عليه، فيما ولا يزال يحلم المواطن أبو إسلام الاسكافي بإنجاب إسلام كون سبع رصاصات في مجزرة الحرم الإبراهيمي أفقدته أعضاء كثيرة من جسده مما حرمته من نعمة الأطفال.
حامد الرجبي مواطن كغيره ممن تبقى في البلدة، يعيش حالة من الإرباك والخوف والمصير المجهول، يعيش وأسرته تحت العنف والتضييق وفوهات بنادق المستوطنين، وتنقله بالبلدة منوط بعبور عشرين حاجزاً عسكرياً للتفتيش، بل إن إحضار اسطوانة غاز ومواد تموينية للمنزل منوط بتصريح خاص من جيش الاحتلال.
تجدر الإشارة ان سيدتين أنجبوا أطفالاً على حواجز البلدة القديمة بسبب عرقلة وتأخير خروجهن او وصول الطواقم الطبية إلى المنطقة لنقلهن إلى مستشفيات المدينة.

