Menu

التطبيعُ وكيفيّةُ المواجهة الشعبيّة

مسعود أحمد

نشر هذا المقال في العدد 53 من مجلة الهدف الإلكترونية

يرتبطُ التطبيعُ مع الكيان الصهيوني بالخيانة الوطنيّة والقوميّة، ويعدّ الاعتراف به البرهان العملي عن التخلّي عن الحقوق التاريخيّة الفلسطينيّة والعربيّة على السواء، وإذا كان التطبيع كان وما يزال في صلب البرنامج الإمبريالي والصهيوني، فإنّ مقاومته يجب أن تكون كذلك في صلب المهمات العربيّة شعبيًّا ورسميًّا.. وبما أن نظام سايكس بيكو لا يسر صديقًا ولا يغيظ عدوًّا، ولم يعد الرهان عليه يعنى سوى المزيد من الانتكاسات والهزائم، لذا سنحاول التركيز على كيفية المقاومة الشعبية بمعناها الشامل.  ومن الطبيعي الإشارة إلى ضرورة الربط المحكم بين مقاومة التطبيع باعتبارها قضيّةً راهنةً وبين اعتبارها جزءًا من مهمةٍ أعمق وأشمل.. مهمّة إحداث التغيير الثوري في واقع البنى الطبقية للنظم العربية المتحالفة معظمها مع الإمبرياليّة والصهيونية، التي تمدّهما بكلّ أسباب البقاء، وإن كان الموضوع واسعًا ومتشعّبًا، وإلى حدٍ كبيرٍ معقّد، ويتطلبُ وقفةً أخرى أكثر تفصيلًا؛ فإنّ ذلك لا يلغي أهميّة التأكيد على الحقيقة القائلة: إن التقدم في معركة التطبيع مشروط بالتحولات الاجتماعية التقدمية على الصعيد العربي الداخلي. لقد تعرّضت الأمّة العربيّة لاختراقاتٍ كبرى، وفي مواجهة الانهيارات المتتالية أوجدت لنفسها الكثير من الهياكل السياسية والتنظيمية المستمدة من ظروف واقعها، ورغم فعاليتها النسبية في هذه المرحلة والمراحل السابقة والتضحيات الكبيرة التي قدّمتها، فقد ظلّ جهدها يشوبه الكثير من النواقص والثغرات التي لم تستطيع تخطيها، سواءً على صعيد مقاومة التطبيع أو غيره من  التحديات والاستحقاقات التاريخية الكبرى... الأمرُ الذي يفرض تفعيل القائم وتطويره من جانب، والبحث عن أطرٍ جديدةٍ أكثر فاعليّة من جانبٍ آخر، بحيث تضع حدًّا للانهيار السريع في المنظومة الرسميّة والانتقال بالعمل الشعبي من ظاهرةٍ إعلاميّةٍ نخبويّةٍ موسميّةٍ مبعثرةٍ إلى عمل ممنهجٍ فكريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا... وبلغةٍ أخرى بناء إستراتيجيّةٍ شموليّةٍ قادرةٍ على خوض الصراع على الجبهات كافةً بنفسٍ ثوري طويل.. وحتى تعطي هذه العملية نتائجها الإيجابية المرجوة فإن المدخل الموضوعي يتمثل في الجبهة القومية العربية العريضة ذات البرنامج الواضح المعبّر تعبيرًا أمينًا عن تطلّعات الجماهير الشعبيّة واستعداها الثوري وضبط إيقاع تفاعلاتها وتوجيه أفعالها على أن تتفرّع منها جبهاتٌ في كل ساحةٍ عربيّة تتبادل العون والخبرة والمعلومة وتعوض جوانب النقص في أطرافها، وبالطبع ليس في هذا جديد، حيث تضمنت أدبيات الكثير من القوى السياسية العربية وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مثل هذا التوجه دون أن تتمكن - لأسباب معروفة جزء كبير منها خارج إرادتها -  من تجسيدها في حيز التطبيق العملي بالصورة المأمولة، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما قيمة هذه الجبهة في حال تشكلها؟ وماذا ستضيف وأمامنا إطارات عدة مشابهة؟ 

ورغم وجاهة السؤال ودون التقليل مما هو قائم إلا أن التجربة العملية ونتائجها  تستدعي    إطارًا أوسع وأشمل، أكثر التزامًا أيديولوجيًّا وتنظيميًّا وإخلاصًا وجديّةَ القادر على صهر كل الطاقات العربية الشعبية من المحيط إلى الخليج في بوتقةٍ واحدةٍ لجهة استعادة البعد القومي في عملية المواجهة التاريخية الشاملة من ناحية، والارتقاء بأدائها من ناحية أخرى، وتشكل في إحدى جوانبها نواة مشروعٍ استراتيجيّ قوميّ عربيّ تقدميّ  جديدٍ نقيضٍ لإفرازات التجزئيّة الاستعماريّة التي لم تنجُ منها القوى الوطنية والتقدمية نفسها، وترميم القابل للترميم بحيث تتجاوز الهياكل الشعبية والرسمية المتكلسة من جانب آخر، على أن تتحول مع مرور الأيام إلى حالة استنهاضٍ متقدّمةٍ تُحدثُ تحوّلاتٍ جذريّةً في ميزان القوى الداخلي على الصعد كافةً، وذلك انطلاقًا من مقوله الحكيم جورج حبش "الصراع طويل وقد يمتد مئة عام قادم". ويستمد هذا التوجه مشروعيته من عدم فعالية معظم الأطر القائمة وهامشية تأثيرها، ورغم سلامة الجبهة الشعبية العربية، إلا أن الركون إلى ثبات موقفها العفوي لا يشكل خيارًا مطمئنًّا في ظلّ تعرّضها للاستهداف والاستلاب والتضليل المتعدّد الأوجه خلال العقود الماضية، وما أحدث من خلخلةٍ في بنيانها الفكري؛ بفعل عوامل عدة، منها: ضعف القوى السياسية التي تصدت لمهمة تحقيق الأهداف الوطنية والقومية دولًا وأحزابًا، وصعود القوى اليمينية المتطرفة المدعومة من الإمبريالية العالمية والحركة الصهيونية والرجعية العربية الذين بذلوا جهودًا كبيرةً في زجّها وحرق طاقتها في أتون الصراعات الطائفية والمذهبية وحرف بوصلة صراعها إلى اتجاهاتٍ عبثية، وليس أدل على ذلك من نتائج ما سمي بالربيع العربي الذي توج  بسلسلةٍ من المعاهدات الخيانيّة دون مقاومةٍ تذكر.. ويحاول أعداء الجماهير العربية القوميون والطبقيون الاستناد إليها في نفي تمسكها بالثوابت الوطنية والقومية، وفي الإيحاء بالتحول التدريجي في موقفها المناهض للإمبريالية والصهيونية، بحيث يستشف منه الموافقة الضمنية على الاتفاقيات التطبيعية المذلة.

إنّ القول بالجبهة القومية العريضة، باعتبارها نقطة انطلاق وليس العكس، له حيثياته ومبرراته النظرية والعملية؛ إذ لم يتطور العمل القُطري في أي ساحةٍ عربيّةٍ إلى خطوةٍ أرقى؛ بفعل نمو المصالح الذاتية والفئوية الضيقة التي تجد في ال قطر ية ملاذها الآمن، وإذا كانت هذه الخطوة الأولى، فإن الخطوة الثانية تبدأ بالتعبئة السياسية والإعلامية المنظمة وفي ظل انحسار الثقافة الوطنية والقومية التقدمية وضعف تعبيراتها السياسية والثقافية والإعلامية، فإنّ الحاجة تتضاعف على الدوام إلى منبرٍ إعلاميٍّ مرئيٍّ يستجيبُ لطبيعة المرحلة وتحدّياتها في ظلّ واقعٍ تؤدّي فيه الكلمة دورًا مؤثّرًا بحيث تشقّ الثقافة الوطنية والقومية بأبعادها التقدميّة طريقها ويتم حشو الخانات الفارغة في الذهن الجماعي بمحتوى وطني تقدمي حقيقي، تدرك من خلاله الجماهير العربية كلها من المحيط إلى الخليج خطورة المشروع الصهيوني وأطماعه التوسعية وحتمية هزيمته وحتى تتحمل مسؤولياتها التاريخية، وهي قادرةٌ بما تمتلك من تراثٍ حضاري وثقافي وطاقات بشريّة وماديّة إذا ما وجدت القوى الطليعيّة الثوريّة والصيغ الملائمة المعبرة عن تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتطلعاتها في الحرية والاستقلال والتقدم الإجتماعي والوحدة ليس في وقف عجلة التطبيع ومحاصرة آثاره، بل هزيمة المشروع الإمبريالي واقتلاع قاعدته العسكرية المتمثلة في ثكنات المستوطنين المدججين بالسلاح على اعتبارها مهمة مباشرة. وإذا كانت مقاومة التطبيع تحظى بمكانةٍ محوريّةٍ في هذه اللحظة، وأن إغلاقها يسهم بشكلٍ مباشرٍ في تعميق تناقضات العدو الداخليّة وتحالفاته الخارجيّة.. يبقى العنف الثوري المنظم هو الطريق الوحيد القادر على تفجيرها وهو يتطلب توفير أرضية فلسطينية وعربية غير القائمة حاليًّا، التي تنطلق جلّها من مهمّة الممانعة والصمود على أهميّتها... ومن المعروف علميًّا أنّ كلّ محتلٍّ يستطيع التعايش مع الأساليب النضاليّة كافةً باستثناء الكفاح المسلّح، الذي يخلق وقائع سياسيّة وفكريّة ونفسيّة جديدة، ويربك مخطّطاته ويجهض ما خفي منها قبل اكتمالها.